في فرص التاريخ
الصين والهند وتركيا واليابان وروسيا واوروبا وأمريكا
تحديات الخروج من المأزق التنموي الذي نمر به في الجزائر تجعلنا لا محالة في خانة الاجابة عن سؤال الشركاء الدوليين..
لا توجد تنمية في فراغ..
منذ ان تحدث ابن خلدون عن ضرورة الاجتماع البشري واهمية تقسيم العمل وهو نفس المبدأ الذي تحدث عنه آدم سميث وأشار الى اهمية التعاون بين الدول وهو ما سماه دافيد ريكاردو الميزة النسبية (Comparative Advantage) كما ان الفرد لا يستطيع ان يقوم بشؤونه منفردا فإن الدول لا يمكنها ان تغطي حاجاتها منفردة وفي فراغ..
وربما يجدر بنا ان نستحضر نص ابن خلدون نظرا لاهميته:” إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء غير موفية له بمادة حياته منه ولو فرضنا منه أقل ما يمكن فرضه وهو قوت يوم من الحنطة مثلاً فلا يحصل إلا بعلاج كثير من الطحن والعجن والطبخ وكل واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين و آلات لا تتم إلا بصناعات متعددة من حداد و نجار و فاخوري وهب أنه يأكله حباً من غير علاج فهو أيضاً يحتاج في تحصيله أيضاً حباً إلى أعمال أخرى أكثر من هذه من الزراعة والحصاد والدراس الذي يخرج الحب من غلاف السنبل و يحتاج كل واحد من هذه آلات متعددة وصنائع كثيرة أكثر من الأولى بكثير ويستحيل أن تفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد فلا بد من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له و لهم فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم باضعاف”
هذا النص الخلدوني الممتع هو نفسه الذي تكرر بعد 4 قرورن عند آدم سميث وهو نفسه الذي تطور على يد ريكاردو بمسمى الميزة النسبية بين دولتين..
فاذا كانت دولة ما تملك مناجم حديد فان لها ميزة نسبية متفوقة في مجال الحديد واذا كانت دولة اخرى تملك ميزة زراعة البرتقال فان هذه ميزة نسبية تجعلها تتفوق على الدولة التي تملك ميزة الحديد.. فاحدهما يملك ميزة البرتقال والثاني ميزة الحديد ولذلك اذا حدث تبادل بينهما يستفيد كلاهما لان كل واحد منهما يركز موارده على انتاج ما يتميز به.
هذا المبدأ البسيط هو الذي يحكم علاقات الدول، وهو الذي يحدد قوة الدولة من ضعفها وهو الذي يحدد موقعها في الخريطة العالمية..
ما الذي يجعل لك ميزة دون غيرك؟
سنسلم منذ البداية انه لا يمكننا ان نعيش في فراغ أو صندوق، يجب ان ننخرط ونندمج في دورة الانتاج العالمي.. كما قال ابن خلدون “ويستحيل أن تفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد فلا بد من اجتماع القدر الكثير”.
وغني عن القول اننا حاليا جزء من حزام دول الطاقة، كدولة نفطية، ميزتنا أننا نبيع النفط الخام..
وغني عن القول أيضا ان هذه الميزة تتراجع بشكل أسي كما يقال.. فانتاجنا من النفط لا يتعدى 1.2 مليون طن وهذا الانتاج نصل اليه بمساعدة شركات أجنبية.
وحسب تقرير لمجموعة نبني الاقتصادية المنشور قبل بضعة سنوات فان تناقص الانتاج النفطي وزيادة الطلب عليه محليا حتمية ستتجسد بعد بضعة سنوات..
وحتى الخيارات المطروحة أمامنا كلها تتعلق بالبحث عن شراكة اجنبية تدعمنا لتنقيب عن حقول جديدة أو زيادة كفاءة وفعالية الحقول الحالية..
ولفهم تعقيدات الوضع قامت الجزائر باستيراد 2.96 مليون طن من الوقود في 2017 بقيمة 1.583 مليار دولار، مقابل 3.06 مليون طن في 2016 بقيمة 1.348 مليار دولار. وفي بعض الاحيان بسبب نقص السيولة فان الجزائر تلجأ إلى مقايضة أنواع من الوقود مع صاحب المصفاة مقابل البنزين والمازوت بأسعار “تكون ملائمة”، لكن عملية نقلها إلى الجزائر “تعد غير مربحة للجزائر”. (يأخذ النفط الخام ويعطينا بدلا عنه بنزين)..
هذا الوضع يجب ان يدق أكثر من ناقوس خطر..
أولا: أننا بدأنا نفقد الميزة النسبية (النفط) التي تضعنا في خريطة الاقتصاد العالمي.
ثانيا: التطلعات الاجتماعية في تزايد مستمر وفي كثير من الأحيان دون سقف واقعي ولا حتى ادراك لطبيعة التحديات..
ثالثا: بقاء عجلة الاقتصاد كله تدار عبر البيروقراطية الفاشلة أيضا يشكل خطرا قد يعصف بكثير من المكتسبات.
كيف سنخرج من هذا المأزق الوجودي..
اذا لم نفكر في حلول سريعة ونتخذ خطوات جذرية فان الطريق الوحيد امامنا هو مزيد من اضعاف القدرة الشرائية ومزيدا من تدهور وضعنا المادي الى مستويات متدنية، بمرور كل يوم لا نبدأ الخطوة الاولى في اتجاه طريق جديد. اذا الآن بدانا في مقايضة النفط بالبنزين، فغدا سنقايض النفط بالقمح والحليب.. ثم نبدا في الاستدانة والبحث عن القروض الدولية صغيرة الامد وطويلة الامد ثم البحث عن مساعدات دولية..
والحل الآخر هو التفكير بجدية، ما هي الميزات النسبية التي نملكها وتمكننا من الاندماج في الخريطة العالمية للانتاج..
انها سؤال وجودي بالنسبة لنا..
أساسا وكمقدمة حتى لا نتيه في مزالق التفكير الحالم، لا نحتاج الى اختراع العجلة من جديد.. هناك دول خطت امامنا مسارات وحققت نجاحات نراها بأم اعيننا وأصبحنا عالة عليها.. فالصين اليوم شركنا التجاري الأول..
كيف نستطيع ان نركب في طائرة الدول الصاعدة الجديدة ونحجز مكانا في دورة الانتاج داخل طائرتها ولا نتخلف عن موعد الاقلاع..
التاريخ يعطي لنا فرصة ذهبية لم نكن نحلم بها..
لم تبقى التوازنات القديمة مهيمنة.. الصين اليوم قوة اقتصادية وعسكرية.. واليابان منذ سنوات طويلة وهي رائدة.. والتحقت بها الهند.. وتركيا وروسيا ودول امريكا اللاتنية..
الصين تتفوق في 26 مؤشر من مؤشرات التنمية عن الولايات الامريكية المتحدة.. مؤشر صناعة الموبايلات مؤشر صناعة اكبر كمبيوتر مؤشر الذكاء الصناعي مؤشر البنية التحتية وغيرها.. هذه قوة في متناول أيدينا اذا عرفنا كيف نستفيد من توسعها.
سمعت مدير معهد كندي بهارفارد جراهام اليسون قال منذ الثمانينات كنا نريد بناء جسر صغير فلم نتمكن من بنائه سوى في 2012 واخذ تقريبا سنتين.. قامت الصين سنة 2013 ببناء جسر اكبر منه في 43 ساعة..
كيف نحجز مكانا في الطائرة التي نسمع بصوت محركها قريبا منا.. ونضمن مكانا في ورشة التاريخ القادم نعطي وناخذ.. بعد ان نكون قد حددنا ميزاتنا النسبية..
ذلك هو الاشكال