قبيل انقلاب 11 جانفي 1992
بقلم: رياض حاوي
فجر انتخابات 1991 مسلسل الانقلاب على الشرعية في الجزائر… نوفمبر 1991 كانت تدور اخبار مشوشة على ان هناك تسييج غير طبيعي لمساحات في مناطق مختلفة في الجزائر (فيما بعد نعلم انها المحتشدات).. وكان الاتجاه العام يؤشر على ان النظام يبحث عن كل السبل لتجاوز ارادة الشعب بأية طريقة.. ومن بين الطرق التقسيم الانتخابي ونظام الاقتراع بالأغلبية.. وحاولت قيادة الجبهة الإسلامية اقناع النظام بان الطريقة المثلى هي الاقتراع النسبي وتشكيل حكومة ذات أغلبية او حكومة شراكة.. ولكن النظام كان يعتبر نظام الاقتراع النسبي سيذهب ريح جبهة التحرير إلى الأبد ويقزمها..
النواة الصلبة للنظام اعتبرت أن القائمة التي رشحتها الحركة الإسلامية لدخول انتخابات 26 ديسمير 1991 كلها شباب صغير في السن مفعم بالحيوية.. عصامي التكوين.. متعدد المواهب.. مثلا د. مراد دهينة كان في الثلاثينات، نفس الشي بالنسبة للأستاذ انور هدام والشهيد حشاني وغيرهم كثير من الاطارات، وومعظمهم ليس دراويش الطرق أو خدمة في التكايا.. بل اطارات حية يحسب لها الف حساب.. مزدوجة اللغة.. تعتز بهويتها الإسلامية وانتمائها الحضاري.. ويروى حينها ان نقاشات حصلت في الدوائر المغلقة للنظام لتقييم الانتخابات التشريعية.. ويروى أن غزالي قال حينها يجب أن لا نستهين بهؤلاء انهم خطر حقيقي.. “لقد جربناهم في البلديات وما همش ساهلين”.. وخالد نزار يقول بالصوت والصورة لقد حذرنا الرئيس وكنا متاكدين ان النجاح للفيس..
تغلبت انانية
النظام وانانية الاستحواذ على السلطة والاستمرار فيها.. وتم اقرار نظام الاقتراع بالأغلبية سيء الذكر.. وتقسيم الدوائر بشكل فيه كثير من الحسابات السياسوية..
كانت صفوف الحركة الإسلامية تغلي فهناك من يقول لا داع لدخول الانتخابات أصلا.. وكتبت مقالا حينها نشر في جريدة البلاغ التي كان يرأس تحريرها الأستاذ محمد دنيدني وكانت من الجرائد ذائعة الصيت آنذاك ومقربة من قيادة الجبهة الإسلامية.. واعترف أنني لم اكن افهم كثيرا في السياسة واحابيلها.. ولكن كان الحماس والاندفاع سيد الموقف.. وكان المقال يشجع على اتجاه عدم الدخول في الانتخابات.. تزامن نشر المقال مع اطلاق سراح الشيخ محمد السعيد (نوفمبر 1991).. والتحق بملتقى الدعوة الإسلامية الثالث الذي نظمته جمعية البناء الحضاري بمسجد النور (اذا لم تخن الذاكرة).. وكان محور الملتقى حول الانتقال من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة.. الملتقى كان يدل على ان الصفوف الصلبة داخل الحركة الإسلامية تدرك ان الانتقال إلى مرحلة الدولة ليس بالأمر الهين ويجب نقل ثقافة الحركة الإسلامية من منطق الدعوة إلى مناخ الدولة والمسؤوليات السياسية وما يرتبط بها…
داخل الجبهة الإسلامية بدا صوت المشاركة في الانتخابات ياخذ مساحة، ولعب الشيخ محمد السعيد دورا اساسيا بمواهبه المتعددة وقدرته على الاقناع في اخراج الجبهة الإسلامية من دائرة المقاطعة إلى دائرة المشاركة.. وكان يردد في المجالس يجب ان نجعل العملية الديمقراطية تأتي اكلها .. ونصف حرية خير من استبداد.. ويجب أن لا يكتب عنا التاريخ اننا عرقلنا الانتقال الديمقراطي..
دخلت الجبهة الإسلامية للانتخابات بحماسة كبيرة.. رغم ان شيوخها كانوا في السجن ولكن لم تعلق مصير مشروع بمصير قيادة .. وحرصت حرصا شديدا على نزاهة الانتخابات ونزاهة عملية الاقتراع.. وأشهد شهادة انه من موقعي الصغير ومن خلال تجربتي البسيطة في المشاركة في العملية الانتخابية.. ان الإدارة الجزائرية تحلت بقدر كبير من النزاهة، ولم يكن النظام يملك الجرأة لتوجيه تعليمات بالتزوير كما يحدث اليوم.. وهناك كثير من الكذابين يريدون كتابة التاريخ باثر رجعي.. ويقولون ان الفيس كان يزور أو أن النظام كان يزور لصالح الفيس.. وكله كذب في كذب.. وأشهد ان كبار قادة الجبهة ورموزها السياسية لم تكن تحلم بان تكون لها الأغلبية المطلقة.. وكان مبلغ املها هو ان تشارك في العملية السياسية مع بقية الشركاء بما فيهم آيت احمد، الأفافاس.. وكان الخطاب يدور على ان المشاركة هي عملية وقائية لدرء مفاسد ضرب الحركة الإسلامية او تهميشها أو قطع الطريق عليها.. لم يكن في حسابتها تحقيق الأغلبية او النصر المؤزر في النتخابات…
تجند ابناء العمل الإسلامي لانجاح العملية الانتخابية ورغم الشقاق الذي حدث بسبب دخول حركة حماس وحركة النهضة على خط المنافسة السياسية إلا ان العملية تمت على احسن وجه وبشفافية كاملة..
ولا زلت أذكر كيف نظمت الهيئة العليا للانتخابات للجبهة الإسلامية المكاتب والدوائر حتى يتمكنوا من مراقبة العملية الانتخابية وتسليم المعلومات اولا باول.. للمكتب البلدي ثم للدائر ثم لغرفة العمليات بالولاية ثم المكتب المركزي بالعاصمة.. لم يكن هناك سوى الفاكس والتلفون.. لا فيسبوك ولا أس ام أس.. ولا تويتر..
لم اكن مناضلا بالمعنى التقليدي لمناضل ولا مسؤولا.. فقد كنت صغيرا في السن بل أذكر أنني قدمت ملف الانخراط في الجبهة الإسلامية لاحد الاخوة حتى احصل على بطاقة مناضل.. فرمى الملف.. وبلهجته الجميلة الورقلية.. قال لي: واش بغيت قع ندخلوا للفيس.. شوي في الفيس شوي في الدعوة.. شوي في حاجة اخرى.. وغدوة النظام رشقتلوا يبطل الديمقراطية هذي يعتقلنا كامل.. على الأقل يبقاو شوي خارج الفيس يؤدون دورهم… لم تمض إلا بضعة شهور حتى يتحقق حدس ذلك الاخ الفاضل..وذلك بحسن تكوينه وتعليمه وقراءته لتاريخ التجارب الحركية المعاصرة…
دخل الجبهة الإسلامية للانتخابات ..بامل المشاركة في العملية السياسية والمساهمة مع بقية الشركاء في قيادة المرحلة الانتقالية.. وأذكر انني اجريت حوارا نشر في جريدة تصدر في قسنطينة.. وكان الحوار مركزا والهدف منه هو اعطاء تصور شامل عن المرحلة المقبلة.. وأذكر من بين ما طرحه المحاور النقاط التالية:
يجب ان لا نكرر اخطاء جبهة التحرير، ولذلك يجب الفصل بين الدولة والحزب.. كل من يتولى مسؤولية تنفيذية في الدولة يجب ان لا يتولة مسرولية في الحزب حتى لا تتعارض المواقع ويصبح الحزب خادما للمظام بدلا من مراقب له.
سالته هناك من يقول ان الحركة الإسلامية ستكرر التجربة الايرانية والتجربة السودانية؟ فرد قائلا هؤلاء الذين تعودوا على النقل من الدول الاخرى مرة الاشتراكية السوفياتية ومرة اشتراكية جوزيف تيتو ومرة من فرنسا لا يتصورون ان الآخرين يمكن ان تكون لهم تجربتهم الخاصة دون تقليد مرضي.. او كلام هذا معناه..
وأذكر ان النقاش بعد الدور الأول وفي انتظار الدور الثاني سمعت احد قيادات الجبهة الإسلامية يقول: عيب يكون في البرلمان امثال أيت احمد ويكون هناك شخص آخر رئيسا للبرلمان.. وسمعت انه سيكون من رايه اعطاء رئاسة البرلمان لآيت احمد فهو شخصية وطنية ومعارض شهير للنظام.. ومجاهد الطلقة الاولى الذي لا غبار عليه.. وكذلك سيكون حلقة وصل بين جيل الثورة وجيل الاستقلال.. (يتبع)