كيف طور القراض شركة ميكروسوفت؟
البورصة التطبيق المعاصر لفقه القراض
القراض مصطلح استعمله فقهاء المدينة واستعمل العراقيون مصطلح المضاربة وكلاهما بمعنى واحد.. واي موسوعة فقهية تعطي لك تعريفا لهذا المصطلح بما معناه ان تعطي مالا لمن يتجر به (يستثمره) على ان يكون الربح بينكما. وهذا بالضبط دور البورصة المعاصرة. لقد طور العقل الاقتصادي المعاصر مفهوم القراض او المضاربة وأصبح واحد من اهم النشاطات الاقتصادية بل هو معيار لتطور البلد. كل بلد فيه بورصة ناشطة يعني فيه مؤشرات تدل على ان هذا البلد يتجه الى التطور والنمو عبر توظيف الأموال المكدسة والخاملة لتلعب دورها في تنشيط الاقتصاد ودعم الشركات بالسيولة اللازمة وتوفير مداخيل اضافية للمواطن العادي.
قبل سنوات قررت ان ادخل عالم البورصة، فسجلت في قائمة التداول لبنك هونغ ليونغ الماليزي. كان الأمر مثيرا ومحفزا. في ذلك الوقت بدا التداول الالكتروني عبر موقع البنك قبل ان تظهر التطبيقات وتصبح البورصة في متناول اليد والاسهم تتابعك في جيبك واثناء تداول وجبة الغذاء او الجلوس مع الاسرة لمشاهدة برنامج في التلفزيون حتى تمتد يد زوجتي الى الهاتف وتنزعه من يدي.
شاشة البورصة تبعث على الفرح والسرور في لوحة واحدة تشاهد عشرات الارقام التي تتحرك صعودا ونزولا وذلك الصعود والنزول يعبر عن قناعة الجمهور في اداء هذه الشركات الاقتصادية وتوقعاتهم المستقبلية حول نشاطها وكمية الاموال التي ندفقت من جيوب المستثمرين الى حسابات الشركات او خرجت من حسابات الشركات الى جيوب المستثمرين او تبادلها المستثمرون فيما بينهم.
كان علي ان اتعلم كثير من الاشياء الجديدة في لغة البورصة.. كيف اقرأ الارقام وكيف اشتري الاسهم وكيف افهم تحاليل الخبراء وكيف استطيع بنفسي القيام ببعض التحاليل. وفي ذلك الحماس اشتريت كتابا رائعا للكاتب الامريكي phil town بعنوان القاعدة الأول: Rule one.. وهو كتاب الفه مواطن عادي تحول الى مستثمر في البورصة وحاول ان يقدم مفاهيم مبسطة عن الاسهم وعن قواعد تحليل الاسهم.. قرأت الكتاب بشغف شديد وشعرت بسعادة كبيرة لانني اصبحت استطيع ان اقرأ البورصة وان افهم ما يقال فيها وافهم ما يقوله الخبراء في نشرات الاخبار الاقتصادية. وفي غمرة ذلك الحماس شاركت في دورة في ماليزيا لاختيار الاسهم وتفاجأت بحضورة مئات الاشخاص بما يشبه المهرجان اشخاص من كل الاطياف خاصة الصينيون الاكثر اهتماما بالاستثمار..
وكان كتاب فيل تاون بمثابة بداية المسار كي اتعمق في تعلم تقنيات التحليل.. واصبحت استطيع التفاعل مع مسارات الشركات الى حد ما.. وكانت متعتي عندما اكتشفت الجهد الذي بذله علماء الرياضيات في تحويل نشاطات الشركات الى مجموعة ارقام مفتاحية تعطيك قراءة وتصور عن اداء الشركات.. واكتشفت ان هناك مدرستين مدرسة التحليل الاساسي fundamental التي يقودها اشهر مستثمر وهو وارن بوفي ومدرسة التحليل التقني.
في تلك السنوات الاولى لم تكن هناك وسائل التواصل متطورة فانظممت الى مجموعة مراسلات عبر الياهو لشباب مستثمرين في ماليزيا وكانت تصلني اخبار الشركات ومناقشات الاعضاء وهم يتبادلون المعلومات والتحليلات عن اداء الشركات ويتكلمون لغة بارقام ورموز مميزة واصبحت مثلهم اميز بين التحليل الأساسي fundamental والتحليل التقني Technical وانسجمت مع الكلمات مثل EPS وPE و ROE وغيرها وهي الاختصارات التي تخفي وراءها ارقام في دفاتر الشركات وبمجرد ما تطلع عليها تعطيك تصور عن الحالة الصحية ماليا للشركة التي تريد ان تستثمر فيها.
ومع بداية ثورة المعرفة المفتوحة وظهور اليوتوب وآلاف الفيديوهات لمعلمين بالمجان بدات اتابع تقنيات الشموع اليبانية والتحليل المتوسطي والماك دي.. وفي غمرة ذلك الحماس اقنعت زوجتي ايضا بان تفتح حسابا في بنك سي ام بي.. وزوجتي سيدة متعلمة واستاذة جامعية في البيولوجيا ولكن ليس لها ميولات اقتصادية رغم محاولاتي.. ولكنها اشترت اسهم في شركة نفطية ثم نستها.. وبعد فترة جاءتنا رسالة تخبرنا بان الشركة النفطية توزع الارباح Dividents.. وهي عبارة عن شيك يقدر بمبلغ دولار واحد وهي نسبة من الارباح التي وزعتها الشركة بحسب عدد الاسهم التي تملكها زوجتي.
اما انا فقد خصصت مبلغا من المال وبدات اعبث بالكمبيوتر والفارة وشراء وبيع الاسهم.. عالم ساحر وجميل.. فكنت اربح مرة واخسر مرة.. وحاولت ايضا ان اشجع ابني على التداول في الاسهم وتعلم هذا العالم العجيب.. واقول له من يفهم ما يحدث في البورصة تكون له نظرة شاملة عما يحدث في العالم.
مبدأ البورصة هو نفسه مبدأ القراض والمضاربة.. تعطي اموالا لمن يستثمرها ويقاسمك ربحه. ولكنه في عالم منظم باجهزة الكمبيوتر وتحيط به هالة.
البورصة هي التي صنعت لنا شركة ميكروسوفت وشركة ابل وعشرات الشركات الرائدة عالميا مثل امازون وماكدونالد وغيرها من مئات الشركات التي تصنع معجزات هذا القرن. مبدا القراض هو الذي حول بيلغايتس الى ملياردير وهو الذي جعل شركة فورد شركة يملكها الاف البشر ولم تبقى عائلة فورد تملك سوى اقل من 5% من الاسهم وعائلة جوبز مؤسس ابل تملك اقل من 3% من الأسهم. شركات وصلت الى ارقام اعمال خيالية وقيمة سوقية تجاوزت الترليون دولار بفضل ملايين المستثمرين الذي وثقوا في هذه الشركات واعطوها مدخراتهم من اجل تقاسم بعض الارباح.
قصة ميكروسوفت وابل وامازون وغيرها من الشركات الناجحة هي قصة نجاح البورصة ونجاح مبدأ القراض في تطوير هذه الشركات وتوفير السيولة لها حتى تصبح صانعة للحاضر والمستقبل.. بيل غايتس بدا شابا طموحا في السبعينات واسس شركة صغيرة في 1974 مع زميله الان لتطوير برمجيات وبيعها لركات الحواسيب الاولى. في 1980 كانت شركة ميكروسوفت تضم 8 عمال وتحقق مداخيل لا تتعدى 8 مليون دولار سنويا.
مبدا القراض هو الذي حول بيلغايتس الى ملياردير وهو الذي جعل شركة فورد شركة يملكها الاف البشر ولم تبقى عائلة فورد تملك سوى اقل من 5% من الاسهم وعائلة جوبز مؤسس ابل تملك اقل من 3% من الأسهم.
وكان اكبر تحول عندما اتصلت شركة اي بي ام بالشركة الصغيرة وطلبت منها تطوير برنامج لحاسوبها الجديد فعمل بيل غايتس وآلان بجد ونجحا في تطوير البرنامج الشهير دوس DOS . وبعد بضعة سنوات كانت ميكروسوفت في حاجة لمزيد من السيولة للتوسع. والحل هو التحول الى شركة عمومية (Public). عمومية في الاقتصاد الحر ليست شركة تسيطر عليها البيروقراطية ولكن شركة يملكها الاف المستثمرين الصغار عبر البورصة يملك عموم الناس والجمهور (Public).. عندما سجلت في بورصة ناسداك تم بيع السهم ب 21 دولار واستطاعت ان تجمع ميكروسوف 680 مليون دولار.. وفجاة اصبح بيل غايتز الذي يملك 45% من اسهم الشركة اغنى رجل ويملك ثروة (في الورق) بحوالي 300 مليون دولار. وقصة ميكروسوفت هي قصة آبل وقصة امازون وقصة الاف الشركات التي لجأت للبورصة واستثمرت ملايين الاموال الجامدة والنائمة وحولتها الى ثروة وغنى.
تقريبا كما يقول فيل تاون لا يوجد نشاط استثماري يحقق ارباحا تتجاوز 20% سنويا ما عدى نشاط الاستثمار في البورصة ولذلك ظهرت الشركات المتخصصة في الاستثمار وشراء الأسهم واشهرها شركة باركشير هاثاواي التي يملكها علاق البورصة وارن بوفيه.. والتي يرجع لها الفضل لتوفير السيولة للمصنعين مثل كوكاكولا وآبل واكبر حصة تملكها في شركة آبل.
البورصة فيها عشرات الادوات الاستثمارية التي غيرت وجه البشرية.. تداول الخيارات option سوق المستقبل future market المشتقات derivatives وغيرها من الادوات التي جعلت الفقهاء يحيرون فيها بعد ان انطلقت من مفهوم المضاربة وتجاوزتهم باضعاف.
لقد لعبت البورصة دورا حاسما في تطوير الاقتصادات الحرة المعاصرة لانها ببساطة احسن واكفا طريقة لجعل الناس العادين والمؤسسات الاستثمارية والصناديق الاستثمارية العملاقة تدعم الشركات الناجحة طمعا للمشاركة في الارباح وتوفر لها السيولة وتجعلها تتجاوز عقبة نقص الاموال للتوسع في الاستثمار.
ولذلك نستطيع ان نفهم أن لماذ دولة مثل الجزائر لا تستطيع ان تتطور لانها لا تملك احد رافعات الاقتصاد المعاصر.. البورصة..
بكل اسف في بلدنا شبابنا بدلا من تضييع اوقاتهم في التيكتوك كان يمكن ان يستثمروا في عشرات الشركات محليا وعالميا وبدلا ما يتابعون اخبار الممثلات ولاعبي الكورة والتفاهات التي تدور حول حياتهم الخاصة يتابعون اخبار الشركات المحلية ومدرائها وافكار حول تطوير المنشئات والصناعات والدخول في سراكات عالمية واخبار ايلون ماسك وجاك ما ووارن بوفيه ويتعلمون لغة العصر IPO وselling short, selling long, derivatives, bond market..