شؤون دولية

كيف غيرت أمريكا انظمة الحكم

سقوط ماركوس وسوهارتو

رياض حاوي 

ماركوس
ماركوس

قد يحسب البعض أن تغيير أنظمة الحكم في العالم إبداع أمريكي جديد جاء مع “أبناء الشيطان” الذين يتمركزون في أروقة البيت الأبيض لكن الحقيقة أن تغيير أنظمة الحكم عملية مضت فيها أمريكا من زمن بعيد، نجحت في بعضها وفشلت في الآخر. الجديد بالنسبة لتجربة العراق هو استعمال القوة الأمريكية المباشرة، لكن التاريخ المعاصر للولايات المتحدة يخبرنا بوجود أكثر من تجربة ساهمت فيها البيت الأبيض بشكل مباشر، وكلاهم مع حليف قوي للولايات المتحدة أصبح غير مرغوب فيه بعد فترة من الزمن.

بالفعل فإن الفريق النشط الحالي المرتبط ببول وولفيتز نائب وزير الدفاع الأمريكي لعب دورا كبيرا في ترويج نظرية تغيير أنظمة الحكم وليس نظام صدام حسين هو البداية بل ربما في أحسن الأحوال يمكن القول أنه الحلقة الأكثر عنفا في هذا المسار الذي بدأ مع الثورة الإسلامية في إيران عن طريق صدام حسين نفسه ومع ماركوس في الفلبين ثم نوريغا في بنما وسوهارتو في اندونيسيا. وللعلم فإن الشخص الذي خطط عملية إسقاط ماركوس هو وولفيتز الذي كان يشغل منصب مساعد وزير الخارجية في تلك الفترة. وعندما كان وولفيتز سفيرا لواشنطن في إندونيسيا بين 1986 و 1989 اقترح فكرة تغيير نظام الحكم مرة ثانية. ولم تتحقق الفكرة إلا في أعقاب الأزمة المالية الحادة التي ضربت آسيا في صيف 1997، حيث أصبحت الظروف ملائمة لإسقاط سوهارتو عن طريق صندوق النقد الدولي الذي لعب الدور المحوري في هذه العملية.

فعندما ضربت الأزمة المالية الاقتصاديات الهشة كانت وصفة صندوق النقد الدولي جاهزة وهي الطلب بتنفيذ سياسة اقتصادية صارمة أول خطواتها تعويم الروبية (العملة الإندونيسية) وهو ما تم فعلا في 2 جويلية 1997، وطبعا النتائج كانت كارثية حيث سقطت قيمة العملة أمام الدولار وارتفعت نسبة التضخم. وعندما شعر سوهارتو بأن الوصفة المقدمة من صندوق النقد الدولي هي لقتل المريض وليس لعلاجه عمد لبعض الإجراءات التي اعتبرت في وقتها تحديا لتصميم واشنطن من أجل إسقاطه. فقد سارع لتأسيس مجلس النقد وذلك لتثبيت العملة عن طريق استعمال الاحتياطي من العملة الصعبة لدعم قيمة الروبية. وبمجرد ما تم الإعلان عن هذه الإجراءات استرجعت الروبية 28% من قيمتها مقابل الدولار في نفس اليوم الذي صدر فيه القرار. وقد أيد الفكرة عدة وجوه من الاقتصاديين العالميين وبعضهم حائز على جائزة نوبل أمثال جاري بيكر وروديجر دوربوش وميلتون فريدمان وروبرت مندل وميلتون . لكن وبصريح العبارة طلب منه الرئيس كلنتون والسيد ميشال كمديسوس، مدير صندوق النقد الدولي، سحب مجلس النقد الذي كونه وإلا فإن صندوق النقد الدولي سيسحب مساعدته التي قررها وهي 43 مليار دولار.

لماذا مثل هذا الإجراء الوطني يشكل خطرا ويستدعي تدخل الرئيس الأمريكي وصندوق النقد الدولي؟!

سوهارتو
سوهارتو

الإجابة عن هذا السؤال نجدها مع السيد ميرتون ميلر، وهو حائز على جائزة نوبل، عندما صرح لجريدة كريستين مونيتور قائلا:”إن الولايات المتحدة تريد إسقاط سوهارتو ومجلس النقد الذي نصبه سيفسد تلك الخطة لأن مجلس النقد سيقوم بتثبيت العملة ويساهم في وضع سياسة لاستقرارها ومن ثم استقرار الاقتصاد الإندونيسي والنتيجة هي استمرار سوهارتو في الحكم”. ولذلك عملت الولايات المتحدة كل ما في وسعها وباستعمال كل ما يقع تحتها من وسائل بما فيها صندوق النقد الدولي، وهو ما صرح به رئيس وزراء أستراليا السابق بول كياتين عندما قال:” لقد استعملت الولايات المتحدة الانهيار الاقتصادي لسحب البساط من تحت أقدام سوهارتو” وحتى كامدسوس رئيس صندوق النقد وفي مناسبة تقاعده ادعى بكل فخر “أننا وفرنا الشروط التي أجبرت سوهارتو على المغادرة”.