تنمية

لماذا يجب إلغاء النقابات في القطاع العام؟

أي واحد ملم بالحد الادنى من المعلومات التاريخية ونظرة على دينامكية وحركة الأفكار لن يكون صعبا عليه الجواب على هذا السؤال.. وأي مواطن يفهم جيدا أنه دافع للضرائب وأنه هو من يمول خزينة الدولة بجهده وعرق جبينه حتى تصرف على نفسها وعلى أعوانها سيدرك بسرعة الجواب على هذا السؤال..كل مواطن يرسخ في ذهنه ان الدولة لا تملك المال ولا تنتج الثروة. وأنه هو من يعطيها ما تحتاج من مال.. كل من لديه الحد الادنى من فهم حركة الدينار بين جيبه وبين خزينة الدولة لن يكون صعبا أن يفهم أن النقابة في القطاع العام هي بمثابة ابتزاز فئة اجتماعية لكل المواطنين دون وجه حق.

لكن بكل أسف البديهيات لا يمكن تجاوزها الا بما يسمى أطروحة ثقافية.. وبعض المغالطات لا يمكن تبريرها إلا من طرف مثقف له “نظرية معرفية” حتى ولو كانت حزمة أغاليط.. وهذا بالضبط ما قامت به الماركسية وما طبقته الدول الشيوعية التي قلدناها فادخلتنا في حائط.

عندما وجه كارل ماركس نداءه الشهير يا عمال العالم اتحدوا.. كان الأمر مفهوما.. فهو يعتبر الربح أمر نجس وهو تسمية برجوازية لحقيقة مختلفة اسمها الاستغلال والعبودية للطبقة العاملة.. الربح أو القيمة المضافة حسب ماركس هي فارق يأخذه رب العمل من جهد العامل.. 

والحل يا سي ماركس.. 

الحل: يا عمال العالم اتحدوا، أي شكلوا اتحادات عمالية لتسيطروا على وسائل الإنتاج وهكذا لن يستغلكم أحد وتاخذون الثمرة كلها..

كان ذلك مفهوما في بدايات الثورة الصناعية ومفهوما أكثر إذا تشكلت اتحادات عمالية في القطاع الخاص.. طبعا الدولة في القرن التاسع عشر كانت كيانا بسيط غير معقد كما نراه اليوم.. 

إلى حد الساعة الأمر مفهوم ويكاد يكون منطقيا.. تتأسس نقابة في قطاع خاص.. ليس هناك مشكلة.. يقررون الإضراب.. يتعاركون مع مديرهم.. يفشلون له الانتاج.. يحققون ارباحا فيعطيهم علاوة راتب شهرين او حتى ستة أشهر(وهذا يحدث باستمرار في الشركات والمقاولات الخاصة).. يعطيهم نسب من الأرباح يعطيهم جزء من الملكية عبر تمليكهم أسهما (وهذا يحدث باستمرار)  كل ذلك يتم في نطاق محدود بين مقاول وبين فئة من المواطنين.. ولا غبار عليه.. 

لكن المصيبة بدأت لما حدث انعطاف في تاريخ الفكر

انتشرت يوتيوبيا ماركس وأفكاره الحالمة وقراءته القاصرة للاقتصاد وتبناها عشرات الناس في بقاع الأرض المختلفة كثيروا الحماس عديموا الخبرة قليلوا التجربة لم يبذلوا جهدا في حياتهم ولم يؤسسوا مقاولة حتى يفهموا ان كلام مراكس مجرد خرابيط لا علاقة لها بالحقيقة.. افكار تخلط بين الظلم وبين الإنتاج بين الربح وبين الاستغلال بين مخاطرة رب العمل وبين جهد العامل.. بين الحروب وبين وسائل الإنتاج..

في غفلة التاريخ قامت ثورة في روسيا وفجأة استولى البلاشفة على الحكم.. في تلك اللحظة الفارقة تحقق أكثر بكثير مما كان يحلم به ماركس.. لم تعد وسائل الإنتاج فقط في يد العمال بل السلطة كلها في يد العمال.. والدولة كلها في يد العمال.. السادة الجدد..

قامت البلشفية وكل نسخها في العالم مثل الماوية والسوكارنوية والبومدينية والكاستروية والناصرية بتحقيق المبدأ الأول وهو إلغاء الملكية الخاصة.. فانتصر ماركس وانكسرت الشعوب..

أصبح العمال يملكون وسائل الإنتاج

وماذا نفعل بالاتحادات العمالية التي نادى بها ماركس..

فكر جهابذة البلاشفة ووجدوا الحل سريعا.. 

نؤسسها في المنشئات العامة أين المشكلة..

كان تلامذة ماركس أكثر غباءا وبلادة في فهم دينامكية الاقتصاد من ماركس نفسه..

لدى ماركس الاتحادات هي أداة للصراع ضد البرجوازيين والملكية الخاصة واستغلال البرجوازية للعمال.. من اجل ان تعود وسائل الإنتاج إلى يد العمال فلا يستغلهم أحد.. والان بعد قياة الثورة الشيوعية في الصين وفي الفيتنام وفي روسيا العمال يملكون وسائل الإنتاج والدولة نفسها نظريا حسب منطق ماركس في يد العمال  لا حاجة لها إذن بهذه الاتحادات..

لكن التلاميذ كانوا أكثر جهلا.. فسنوا سنة خبيثة..

فتأسست الاتحادات العمالية في الدول الشيوعية الاشتراكية في المنشئات والمؤسسات العمومية سواء الانتاجية او غير الانتاجية.. 

ولكنها ستصارع من؟ 

لا توجد برجوازية.. هناك موظف عمومي يسير المنشاة وليس برجوازي يملك وسائل الإنتاج..

لن تصارع أحد.. ما دام ليس هناك برجوازية تحكم في المنشاة الاقتصادية..

منطقيا تحولت هذه الاتحادات إلى أداة تطبيل للعمال الذين هم في هرم السلطة.. والحزب الحاكم..

لا نحتاج إلى امثلة كثيرة فهذا الأمر مفهوما بشكل جيد جدا لنا في الجزائر وفي كثير من الدول المماثلة.. فهذه الاتحادات كانت اجنحة للحزب الواحد ثم اصبحت بيادق في يد الاوليغارشية الحاكمة عبر العصور.. آخرها حكم العصابة..

طبعا انتقل هذا المرض حتى إلى الدول الرأسمالية مثل بريطانيا وفرنسا وايطاليا عبر الأحزاب الشيوعية التي كانت تنشط في هذه الدول..

ومرت البشرية بمراحل عصيبة 

وبعض السياسيين في الغرب استحسنوا الفكرة ففتح كيندي المجال ايضا للنقابات حتى تتاسس داخل القطاع العام في أمريكا..

وبنفس الآلية تحولت النقابة إلى أداة لتجنيد العمال لصالح مرشح النقابة.. بل في امريكا والى وقت قريب لا يمكن أن تعمل في القطاع العام الا اذا دفعت اشتراك الاتحاد العمالي.. وربما تتعرض للطرد..

مرة اخرى التاريخ يمشي على رأسه.. بسبب ماركس دائما.. فبدلا من أن تكون الاتحادات العمالية في المنشآت الخاصة التي يديرها البرجوازي تحولت إلى القطاع العام..

وهنا حلت الكارثة (حتى في امريكا)..

ولان هناك جهل بالآلية الاقتصادية لتمويل نشاط الدولة.. اصبحت هذه الاتحادات تتحالف مع السياسيين وتقدم لهم الدعم في الانتخابات.. وهؤلاء السياسيين البلداء يقومون برفع أجور هذه القطاعات بعد الانتخابات..

رفع الأجور في القطاع العام يعني بالضرورة هو رفع الضرائب على بقية المواطنين لتغطية التكاليف الاضافية لتشغيل القطاع العام..

وهنا دخل القطاع العام في الحائط في كل الدول من الشرق إلى الغرب..

فرنسا الدين العمومي يساوي الناتج المحلي أي دين الحكومة الفرنسية هو 2.5 ترليون يورو بسبب العبث وزيادة في المصاريف أكثر من المداخيل فيضطرون للاقتراض.. والاقتراض بالنسبة للحكومة هو العبث بمدخرات المواطنين أو اللجوء للاقتراض الخارجي..

نفس الشيء أمريكا بلغ أرقاما خيالية

نفس الحكاية في اليابان.

اذا تأملنا في حركة المال فاننا سنصل إلى الخلاصات التالية:

الطلبة على خط الفوضى الماركسية

**************************

لكن المقاولون الأذكياء استطاعوا ترويض هذه المنظمات الغريبة العجيبة التي تسمى اتحادات عمالية.. وتقريبا بعد الحرب العالمية الثانية استطاعوا أن يحققوا للعمال أكثر مما تحقق لهم في دول التيه والخراب الشيوعي والاشتراكي.. كان يكفي أن تقارن بين ألمانيا الغربية والشرقية حتى يفر العمال من هذه الأفكار التعيسة.. 

وكان يكفي للعامل أن يفهم ما يفهمه عمي احمد صاحب البقالة أنه اذا زادت المداخيل تزيد الارباح وبالتالي الرواتب واذا نقصت المداخيل تنقص الأرباح وبالتالي الرواتب..

في تلك الحقبة كان بقايا الماركسية يتناقشون لماذا لم تتحقق نبوءة ماركس.. فالدولة الشيوعية بدلا من أن تظهر في بريطانيا ظهرت في روسيا والصين.. هنا لعبت مدرسة فرانكفورت دورا اساسيا في اعادة قراءة ماركس.. 

ووجدوا الحل: ماركس اخطا عندما ركز على العمال لان العامل اذا استقر في عمله لن يتبنى الأفكار الثورية.. 

والحل يا جماعة.. 

الحل علينا ان نركز على فئة الطلبة.. وظهر هربرت ماركوزة الألماني الفار إلى جنة الرأسمالية والذي يدرس في جامعة كاليفورنيا التي تتمتع بالحرية بدلا من التدريس في موسكو او بكين اين سيتمتع بالعصى..

ماركوزة غير الاتجاه من العمال إلى فئة الطلبة المساكين.. نشر كتابا جنن ذلك الجيل “الإنسان ذو البعد الواحد”.. فتحلق حوله الطلبة وبدلا من أن يركزوا على معادلات التفاضل والتكامل وفيزياء الكم والبيولوجيا والكيمياء ونظريات التسيير تحلقوا حول هذا الكتاب الذي يشكك في منجزات الإنسان ويعتبر كل ما تحقق هو مجرد بعد واحد..

من سوء حظ فرنسا أن الحزب الشيوعي كان قويا.. بل أن كبار المهلوسين اليساريين في النصف الثاني من القرن العشرين فرنسيين وحتى اليوناني بولنزاس الذي كنت أقرأ له بنهم وانا صغير عاش في فرنسا.. من سوء حظ فرنسا أن التيار الشيوعي كان غالبا في الجامعة فكانت ثورة الطلبة سنة 1968 التي دمرت الجامعة الفرنسية..

هربرت ماركوزة لم يفوت الفرصة بل زار الثورة وكان يزور كل محاولة للثورة ويشارك فيها.. فتزيد اشتعالا..

طبعا العقل الاداري الفرنسي وبسبب ما تعرضت له الجامعة من هزال ذهب يركز على ما يسمى بالمعاهد.. المعهد الفرنسي للبترول.. المدرسة العليا للادارة التي تكون النخب الحقيقية للدولة اما الجامعة فتركت “للدهماء” وقد تفطن لذلك جان مينو ونشر كتابا حول هذه المؤسسات طبع في الجزائر.. نفس الفيلم تكرر في الجزائر والمغرب وغيرها من دول التيه المزدوج الشيوعية والاشتراكية زائد الديغولية اليعقوبية الفرنسية.. الجامعة للعامة.. والمعاهد للاوليغارشية وأبنائهم.. ربما في الجزائر بشكل أقل.. 

ولعله من المفيد ان اذكر هنا الأستاذ الدكتور محمد بوجلخة حفظه الله فقد كان من القلة القليلة التي درست في أمريكا التي كانت لا تزال تحافظ على تقاليد علمية راقية فكان يوجه الطلاب المتفوقين اذا ارادوا الدراسة في الخارج الذهاب إلى بريطانيا او امريكا لان جامعات فرنسا والاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية عموما دون المستوى ولعل هذا ما يفسر كيف أن مراد دهينة خريج معهد التكنولوجيا بامريكا ومراد هدام خريج امريكا وغيرهم كثير بينما الشيوعيين الذين غرسوا في دواليب الإدارة فيما بعد جلهم ان لم يكن كلهم خريجوا جامعات الكتلة الشرقية. ولا اريد ذكر الاسماء حتى لا يغضبوا. وبالمناسبة كانت آخر دفعة قام بتوجيهها الدكتور بوجلخة أرسلها إلى ماليزيا، قبل ان تدخل الجزائر مرحلة التدمير الذاتي.

وقد أسس الاتحاد السوفياتي سنة 1961 جامعة سماها جامعة باتريس لمومبا لتكوين وغسل دماغ الشباب من العالم الثالث.. لم تكن جامعة بل تجمع للتدريب الايديولوجي.. اما العلم فوراء الظهر..

في الصين حدثت كارثة اسوأ من الثورة الطلابية الفرنسية فقد قرر المجنون ماتوسي تونغ غلق الجامعات والمعاهد حتى تنتشر الأفكار الشيوعية يعني حتى يحفظ الناس مقولاته وأفكاره التي كان يرددها ويلقيها في الخطابات.. حتى في ذلك الوقت لم تكن هناك جامعات لأن شرط الالتحاق هو الانتماء للحزب الشيوعي حتى ولو لم تعرف كيف تحسب واحد زائد واحد لا يهم لأن الأساس أن تكون شيوعيا احمرا.. مؤمن بالماوية..

لم تفتح الجامعات في الصين إلا سنة 1978 بعد وفاة ماوتسي تونغ.. واول مرة يجرون اختبار عام للدخول بدلا من الانتماء للحزب الشيوعي..

نفس اللوثة انتشرت في العالم الثالث.. كانت اتحادات الطلاب أقرب إلى عصابات مافيا لا علاقة لها بالعلم ولا المعرفة.. وربما انا من آخر جيل وجد بقايا الاتحاد الطلابي التابع للحزب الواحد سمعته في الحضيض وكل من ينتمي له شخص مشبوه فاسد اخلاقيا مرتبط بالاجهزة. الشباب يدرس ويترقى في المعرفة وهو ينقل في الأخبار ثم يعين في مراكز تنفيذية فارغا الا من التآمر على الناس وهناك تجربة حية حكاه احد هؤلاء عن نفسه.

انتشرت اللوثة اليسارية وبدأت عملية إفراغ الجامعة من مضامينها.. وقد تعجبت وأنا في سنتي الاولى الجامعية بمستويات التسيب في الجامعة.. تحضر المحاضرة أو لا تحضر لا يهم.. لديك كراس ام لا؟ ليس مهما.. 

ولعله من الطريف ان اذكر انه عندما انتقلنا إلى ماليزيا تفاجأنا بعلاقة الطلبة بالجامعة.. ولا زلت أذكر ملاحظة سمعتها من الصديق العزيز سمير ناصر وكان قد سبقني إلى ماليزيا.. “تجد الطالب الجامعي لديه مقلمة مثل الثانوية ولديه القلم الاحمر والاخضر والازرق والاسود وممحاة واقلام الماركر ومحفظة وينام في المكتبة فوق الكتاب والمكتبة لا تغلق الا 10 ليلا في الاوقات العادية ومنتصف الليل ايام الامتحانات”.. شعرنا وكأننا لا نعرف ما هي الجامعة..

طبعا إصلاح هذا الوضع ليس بالأمر الهين

ولن يكون هناك إقلاع اقتصادي دون الاستثمار في المعرفة

ولن يكون هناك استثمار في المعرفة إذا لم نقم بإصلاح أوضاع الجامعة

وعلى رأس الإصلاحات دور النقابات الطلابية وعلاقتها بدور الجامعة.. والحال أبلغ من أي مقال..