الثقافة

مدرسة فرانكفورت والنظرية النقدية والاقتصاد

تنويه: هذه مقالة في مجال فلسفي.. واعي جيدا انني اخوض في مجال لا اتقنه جيدا.. وآمل ان تترفقوا بي واجد اثراءا..
****************
الالمام بالمدارس الفكرية في الغرب امر مهم جدا.. وخاصة في عالمنا الناطق بالعربية وبالأخص في ربوعنا الشمال افريقية المعزولة عن تفاعلات الفكر بسبب حاجز اللغة الفرنسية الذي يحول بيننا وبين الاطلاع المباشر على جدالات المعرفة المعاصرة..
غني عن القول ان جدالات المعرفة تتم بالانجليزية منذ 50 سنة على الأقل.. ويمكن ان تستمع الى هايك وملتون وبيكر وغيرهم مباشرة اذا كنت فقط تلم بهذه اللغة.. دون الحاجة لوسيط..
الفرنسية بالنسبة لشمال افريقيا هي جدار الفصل المعرفي بيننا وبين معارف العصر..
منصة تاد المعرفية فيها ملايين المحاضرات باللغة الانجليزية.. لكننا في شمال افريقيا نعاني من العزلة المعرفية..
ملايين الشباب يمكن ان يحصلوا على شهادات جامعية من اعرق الجامعات وهم في بيوتهم عبر منبر كورسيرا واودا سيتي بمجرد المامهم باللغة الانجليزية..
لا علينا
صدمة الغرب جعلت كثير من المثقفين في الشرق يتبنون نقيض الأطروحة الغربية.. فالرأسمالية نقيضها الشيوعية.. وآدم سميث ناقده الأبرز ماركس..
مثقفي الشرق كانوا دائما في صف نقاد الحضارة الغربية.. فتبنوا المرجعيات الشيوعية وكل تفريعاتها.. فنيكوس بولنزاس اليوناني كانت كتبته متداولة بينما لا احد يسمع بفريدريك هايك رغم انهم في نفس الفترة..
وكثير من مراجع الستينات والسبعينات هي مراجع التحليل الشيوعي والماركسي والديالكتيك باللغة العربية.. فكتب حسين مروة الاتجاهات المادية في الاسلام وكتب ادونيس الثابت والمتحول وكتب حسن حنفي من العقيدة الى الثورة.. حتى جاء عابد الجابري المغربي وعدل المزاج الثقافي.. وبحث عن العقلانية في مجالنا التداولي فاعاد اكتشاف الشاطبي ومقاصده الأصولي وابن رشد الفقيه الفيلسوف..
وامتد هذا التأثير الى التيار الاسلامي.. فكتب سيد قطب العدالة الاجتماعية في الاسلام.. وكتب مصطفى السباعي كتابا فجا بعنوانه.. اشتراكية الاسلام.. ومحمد ابو زهرة في كتابه “المجتمع الانساني في ظل الاسلام”..
القاسم المشترك بين هؤلاء الكتاب ان المامهم بالمفاهيم الاقتصادية ضعيف جدا.. ولذلك انساقوا وراء الموضة الثقافية الواردة من الغرب..
عندما ظهر ستالين على مسرح الاحداث.. وبدأت الشيوعية تترنح لصالح الخطاب الوطني (متاثرا بنزعة هتلر الاشتراكية الاجتماعية).. بدأ مفكري اليسار يراجعون خطاباتهم.. كان المعيار دائما هو الاقتصاد.. والتنمية والتطور..
حتى مالك بن نبي في مذكراته تحدث عن ملاحظات لا تخطؤها العين عندما زار الاتحاد السوفياتي فشعر ان النموذج اقتصاديا ضعيف.. الايديولوجيا لا تغني عن الفعالية الاقتصادية..
لم تسقط الشيوعية الخطابية لكن سقطت الشيوعية الاقتصادية ان صح هذا التقسيم.. امتدت تفريعات الشيوعية بتعليب الكلام في اشكال جديدة وتلغيم العقول به الى الثمانينات..
لكن الشيوعية انتبهت مبكرا الى ان اللباس الشيوعي الفاقع بدأ يفقد بريقه… التجربة في الدول الاشتراكية وفي دول العالم الثالث في الهند النهروية واندونيسيا السوكارنية والصين الماوية لا تبعث على الخير.. مستويات الرفاه تتحقق افضل في ماليزيا واليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية.. وليس في الجزائر واثيوبيا وكوبا..
الغرب الصناعي يتقدم ومستويات المعيشة تتحسن والبنايات الشاهقة تبنى وملايين الافراد يخرجون من الفقر كلما تبنوا قواعد السوق.. بينما كل من تبنى “خرابيط” ماركس ومشتقاته الاشتراكية الا وجد نفسه في الوحل..
المنجز الاقتصادي في الغرب جعل نخبة من النيوماركسيين تفكر في تغيير جلدها.. والحل انها تغامر في نقد الغرب الصناعي من الداخل..
تأسست مدرسة فرانكفورت في معهد الأبحاث الاجتماعية بفرانكفورت والتف جماعة من المفكرين حول بعضهم البعض بمهمة مقدسة: نقد التجربة الغربية.. فتولدت النظرية النقدية.. وفي سياق هذه النظرية.. ولدت كل التفريعات المجنونة.. كالانثوية ودعم الجنس الثالث..
وامتد تأثير النظرية النقدية حتى الى المجال الأكاديمي الأمريكي..
نقطة العجز عن كبار مفكري النظرية النقدية هي التحليل الاقتصادي للواقع..
هذا باختصار
لكن ما يهمني هو نفس النزعة التي صاحبت التمدد الشيوعي في مجالنا الثقافي واصبح بعضنا يكتب اشتراكية الاسلام سنجد ان مدرسة فرانكفورت بتفريعاتها هي التي تدغدغ عواطف المثقفين عندنا.. يشعر المثقف عندنا بالزهو والفرح لانه يستطيع ان يستند الى مثقف غربي لكنه يسلخ ويعري الثقافة الغربية.. ويفضحها..
وهذا يذكرني بلقطة رائعة في فيلم فرنسي جميل جدا les intouchables.. (وهو بالمناسبة يحكي قصة حقيقية كيف استطاع شاب مغربي أن يغير منظور الحياة لرجل ثري فرنسي فيلم فلسفي عميق).. في تلك اللقطة يضحك ادريس السنغالي الذي لعب دور المغربي من لوحة غبية تباع بآلاف الاوروات.. ثم يبالغ المخرج في تقبيح هذه الثقافة الغربية والاستهزاء بها.. فيقوم ادريس برسم لوحة كلها خربشات.. ويبيعها الثري الفرنسي لثري آخر بليد الحس.. بـ11 الف يورو..
هناك كم هائل من التنظير التنموي الفارغ.. وذلك لان رجال الاقتصاد يكتفون بمعادلاتهم الرياضية ودروسهم ولم ينزلوا للمساهمة في ترشيد الفعل التنموي.. فيحتل المجال انصار النظرية النقدية الذين لا هم لهم سوى تبخيس الانسان حقه..
هذه قائمة المؤلفات المرجعية للنظرية النقدية
العقل والثورة لماركوس
كسوف العقل لهوكيمر
الهروب من الحرية او الخوف من الحرية
رجل احادي الأبعاد: دراسات في أيديولوجية المجتمع الصناعي المتقدم
التحول الهيكلي في الفضاء العام لهبرماس
ديالكتيك التنوير ، لادورنو وهوكيمر، خاصة مقال صناعة الثقافة: التنوير كخداع جماعي في نقد صناعة الثقافة
باختصار شديد
كثير من يريد انتقاد الغرب من اهل الشرق هو في الحقيقة يقوم باعادة تدوير نقد الغرب للغرب.. وكثير من هذه الافكار مضللة.. لانها لا تميز بين جوهر الغرب.. وحواشي الغرب.. بين سيلكون فالي.. ولاس فيجاس.. بين ناسيونال جيوغرافي.. واي قناة تافهة غرائزية أخرى..
ولفهم الفرق علينا ان نميز بين هذين البعدين:
هل تقنيات التصوير هي جوهر الغرب..
ام المنتوج السينمائي هو جوهر الغرب؟
والجواب واضح..
تقنيات التصوير هي الجوهر.. ولذلك استطاعت تركيا انتاج سينماء تركية تعبر عن هويتها..
ما اردت قوله في هذه التدوينة..
يجب الانتباه فقط لمن يعيد تدوير نقد الغرب للغرب.. فنميز بين الأصيل والدخيل.. بين الجوهر والعرضي او الهامشي.. الذي حتى الغرب يرفضه