مرض اصدار القوانين ودوره في تعطيل مسارات خلق الثروات
الرئيس تبون والوزير فرحات فرحين بما يملكونه من وسائل وأدوات من أجل إصدار القوانين، الوزير فرحات معتكف على تجهيز دفتر الشروط لصناعة السيارات.. والفريق القانوني للرئيس معتكفون لإصدار قانون جديد يشدد العقوبات على من يعتدي على الأطباء. وقبل أن أستمر في التحليل نصيحتي للرئيس تبون وللفريق القانوني المكلف بالمهمة الامتناع عن إصدار هذا القانون العقابي القطاعي.. لا توجد دولة تمشي بالقوانين القطاعية، كل قطاع له قانون عقوبات خاصة به، ماعدا المؤسسات الأمنية التي لها وضعا خاصا ومكلفة بحفظ الأمن المواطنين وأمن الدولة. ولذلك الجريمة في هذا القطاع هي جريمة تمس الأمن الحيوي. والعقوبة فيها مضاعفة.
طبعا الرئيس تبون والوزير فرحات ضحايا النمط القانوني السائد في الجزائر، وضحايا المقاربة التي تعتبر أن قوة الدولة في إصدار القوانين واللوائح والتشريعات ودفاتر الشروط والقوانين العضوية وكل هذه السلسلة اللامتناهية من التشريعات. انه ميراث فرنسي بائس. ويجب التفكير جديا في التخلص منه. وهناك عشرات الدراسات التي اكدت على ان دول الكمون لو (Common Law) حدثت فيها نهضة اقتصادية قبل دول سيفيل لو (Civil Law) وهذه الملاحظة ليست عفوية او ارتجالية..
يجب أن نغير نظرتنا لحكاية القوانين والتشريعات..
كقاعدة عامة التشريع القانوني هو قيد على الحريات.. كلما يتم اصدار قانون جديد أو تشريع أو قانون عضوي أو تنظيم فهنا حرية عامة في اللعب.. الاصدار القانوني يتأسس على مبدأ تقييد الحريات العامة بشكل أو بآخر فالأصل في الأشياء والأفعال الاباحة.. وهذا مبدأ قانوني معمول به في كل دول العالم والفقهاء قديما أدركوا معناه وتحدثوا عن القاعدة الشرعية “الأصل في الأشياء الاباحة” أو لا تحريم الا بنص. وابن حزم المشرع القانوني العملاق ارتكز على هذه القاعدة وجادل عشرات الفقهاء في مبدأ القياس وتوسيع دائرة القوانين إلى نطاقات لم ترد في النصوص.
ولذلك استقر قانونيا أنه لا تجريم ولا عقوبة إلا بنص قانوني. بمجرد صدور قانون يعني أن هناك حريات معينة في اللعب وقد تتعرض للانتهاك المباشر أو غير المباشر.
عموم الناس قد لا يلتفتون كثيرا لهذه الأمور، لأن هناك روتينا يحكم يومياتهم.. لكن من ينشطون في جانب الأعمال حساسين كثيرا للتشريعات واللوائح والقوانين لأنها تمس مباشرة مجال العلاقات التبادلية.
وللأسف الشديد الدولة المعاصرة خاصة التي تأسست على النمط الفرنسي والاشتراكي تعتبر وجودها مرتبط بكثرة القوانين.. وللأسف الشديد كثير من أعوان الدولة خدام دافعي الضرائب من رؤساء ورؤساء حكومة ووزراء لديهم عجز في مواكبة العصر وفهم طبيعة التحديات التي تواجهها عملية خلق الثروة بسبب ترسانة القوانين واللوائح والتنظيمات.
في المجال الذي أعمل فيه تتابع مؤسسات خلق الثروة بشكل دقيق أهواء السياسيين الذين يحبون إصدار القوانين والتشريعات..
اذكر في السنة الماضية كنا في لقاء دولي يتعلق بصناعة الزيوت النباتية.. وفجأة صدرت تصريحات سياسية من القيادة الماليزية تتعلق بأحد الشخصيات الهندية المقيمة في ماليزيا..وفجأة كانت ردت فعل القيادة الهندية عنيفة فقررت فرض ضرائب مرتفعة على واردات الزيوت من ماليزيا وقام الهنود بالتصريح بشكل رسمي.. القيادة الهندية استغلت وضعها كقيادة تستطيع أن تصدر تشريعات فاستعملت هذه الصلاحية لكسر الواردات من ماليزيا.. لم ينتهي اليوم إلا وقد قامت قائمة رجال الأعمال الهنود في الهند المرتبطين بعقود بعيدة المدى مع الشركات الماليزية ولديهم مخططات سنوية وعندهم التزامات مع شركات دولية اخرى تستورد منهم منتجاتهم النهائية وبعض العقود هي عقود مستقبلية اقلها ثلاثة أشهر.. وإذا تم تنفيذ القرارات الحكومية المتهورة فمن سيدفع التكلفة أولا هو رجل الأعمال الهنود للشركات الماليزية وللشركات المستوردة منهم قبل أن تتأثر ماليزيا بعد مرور ثلاثة او اربعة اشهر. ثم ليس هناك بدائل سهلة وبعض البدائل مكلفة أكثر من الخام الماليزي.. لكن السياسي لا يفقه في الأمر شيئا.. استيقظ من النوم رأي تصريحا لم يعجبه قرر وضع قانون.
وفي اندونيسيا هناك نوع من انواع الجباية الغريبة تسمى (Levy) وهي نسب تفرضها الحكومة في أي وقت من السنة.. وهذه النسبة التي تكون في بعض الأحيان فقط 5% ولكن تؤثر بشكل كبير على المنتجين في اندونيسيا الذين يتنافسون مع المنتجين في ماليزيا وتايلاندة وغيرها من الدول.. الأمر الذي دفع المستثمرين إلى إنشاء شركات في مصانع في ماليزيا ومصانع في اندونيسيا من أجل الاستمرار في التنافسية..
وللأسف الشديد تقوم كثير من الشركات بشراء سياسيين فاسدين وباسم المصلحة الوطنية وحقوق العمال يقومون بإصدار قوانين احتكارية، وما يروى في هذا المجال ان مزارعي الذرة شعروا بمنافسة أنواع اخرى من الزيوت ولم يعودوا منافسين فقاموا بالتكتل وصرفوا حوالي 150 مليون دولار لتمرير قوانين في أمريكا تفرض على شركات البنزين استعمال الوقود الحيوي.. وفي نفس الوقت التلاعب بالإعلام للحديث عن اهمية الوقود الحيوي ودوره في تخفيض الاحتراق الاحفوري وغيره من البروباغوندا التي لا يستوعبها كثير من الناس ويصدقونها وممكن يخرجون في مسيرة صنعها رجال المال مع سياسيين فاسدين.. وطبعا صدرت القوانين ومن أجل تشجيع استعمال الوقود الحيوي كان لازم إعطاء إعفاء ضريبي.. وهكذا اكتملت الصفقة وصدرت القوانين.. وحققت شركات الذرة ارباحا خيالية لم تخطر على بال السياسي الغبي الذي وقع على القوانين.. حيث بلغت الإعفاءات الضريبية 28 مليار دولار.. يعني صرفوا 150 مليار بين اللوبيات والاعلام وصناعة الرأي العام.. ووضعوا في جيوبهم 28 مليار من الضرائب التي من المفروض هي ملكية عامة مشتركة. والطريقة هي حب وهوس السياسيين بإصدار القوانين واللوائح والتشريعات ودفاتر الشروط.
وأختم بمثال أخير، كيف قامت المافيا الأمريكية الايطالية في السبعينات بالسيطرة على نقابات العمال خاصة في قطاع البناء، والسيطرة على الشركات والسيطرة على جمع القمامة، لأن كل هذه الأنشطة لها علاقة بالحكومات في الولايات حيث تقوم الحكومات الكنزية الغبية بإعطاء المشاريع ودفع المقابل من اموال دافعي الضرائب.. وفي شهادة مؤلمة لضباط الاف بي آي أن المافيا كان لها مجلس مكون من 5 عائلات في نيويورك يتفقون فيما بينهم. وقد بلغ تضخيم الفواتير 20% يذهب لجيوب المافيا. يعني صفقة تقدرها مصالح ولاية نيوورك بثمانية ملايين دولار.. فيتفقون فيما بينهم على فرض مبلغ 10 ملايين فيقوم احد شركائهم بعرض مبلغ 10 ملايين ويفرضون على الاخرين ان يضعوا مبالغ اكبر ولما تفتح الاغلفة في مناقصة علنية (خرافة المناقصات) فيرسوا العطاء على المبلغ المضخم ويتقاسمون فارق التكلفة بينهم باموال المجتمع الامريكي. بل قامت المافيا حتى باختراق مؤسسات المجتمع المدني بما فيها نقابات اليساريين ووصل أحد أكبر المجرمين وأصبح رئيس نقابة عمال البناء في نيوورك. كل شركة تعترض يخرج العمال البؤساء في إضراب للمطالبة بالحقوق ومحاربة جشع رجال الأعمال..

ولماذا أذهب بعيدا
نحن في الجزائر عشنا تجربة كارثية لمافيا رسمية تحميها قوات الأمن نهبت ثروات الشعب دون حسيب او رقيب وبالقانون.
لدينا اثنين من رؤساء الحكومة في السجن
لدينا وزير صناعة هارب من العدالة
لدينا عشرات السياسيين والوزراء ورجال المالي المزيفين كانوا يعملون كمافيا بأتم معنى الكلمة. وكله بالقانون وعن طريق البرلمان ودفاتر الشروط والتعليمات الرئاسية.
إذا لم نعتبر ونأخذ الدروس من هذه التجربة المريرة سنكرر المآسي بدل المرة مئة مرة.
ولذلك

- لا داعي لاصدار اي دفتر شروط في أي مجال.
- الدولة المعاصرة تحترم العقود وارادة التعامل وما هو موجود من قوانين كاف. بل بالعكس يجب التفكير جديا في تفكيك القوانين التي تمنع حرية التبادل بين الناس
- العمل على المحافظة على “صرة” الدولار الذي تأتي به سونطراك فهذا مال الشعب كله ولا يجوز العبث به واعطائه لاحباب السلطة الجديدة ومن ترضى عنه.
- كل رجل أعمال يريد ان يصنع سيارة مرسيدس او صاروخ النازا أو طائرة ايرباص مرحبا به بأمواله وليس بأموال دافعي الضرائب.
- تمنع البنوك العمومية من تقديم أي نوع من القروض لرجال المال، إلى غاية التمكن من تصفيتها وغلق هذا المصدر الكارثي الذي تسبب في ضياع ملايير الدولارات وتشكيل شبكات مافيا من رئيس الوزراء إلى تاجر المخدرات القادر على جلب 7 قناطير من السموم الدولية وتحويل الجزائر إلى مركز عبور وحول البلد إلى مركز اهتمام الدول مما يهدد الأمن الوطني.
- من الآن فصاعدا كل بنك عمومي يعامل بصرامة كمؤسسة تجارية.. اذا سجل سنة مالية رابحة مبروك عليه، ومبروك على عماله وموظفيه، واذا سجل سنة مالية خاسرة يعلن افلاسه كأي مؤسسة تجارية خاسرة ولا تشترى المالية العمومية خسائره بأموال دافعي الضرائب.. شراء خسائر مالية بأموال دافعي الضرائب مثل ان ياتي مواطن تعرض للسرقة شاكيا فتطلب منه ان يدفع ما يعادل ما سرق منه أو أكثر.
- وقد ذكرت اكثر من مرة في حالة خصخصة هذه المؤسسات فإن الاصول تحول إلى أسهم للمواطنين عبر إنشاء مؤسسة وطنية تمثل عموم المواطنين مثل مؤسسة تامسيك السنغافورية أو مؤسسة بي أن بي الماليزية. الخصخصة الحقيقية هي تحويل القطاع العام من ملكية البيروقراطية الحكومية إلى ملكية المواطنين. شركة آبل أو شركة ميكروسوفت ليست شركة خاصة كما يتصور كثير من الناس ولا تملك عائلة جوبز سوى 0.5% من الأسهم في آبل وبيل غايتس يملك 1.3% في الشركة التي أسسها فهي شركات عمومية أي يملكها عموم المواطنين لانها مسجلة في البورصة ويمكن لأي كان أن يملك فيها اسهم بما فيهم مواطن جزائري لم يخرج من الجزائر لو كان النظام البنكي يعمل كما ينبغي.
- العمل الجاد على تفكيك القوانين الكابحة والمانعة من حرية التبادل وتبسيط التشريعات واطالة عمر انعقاد الدورات البرلمانية..
- الاقتناع بالقاعدة ان كل قانون يتم اصداره هو حد من حرية التبادل.
- مرفق مع الصور لقطة رمزية للرئيس ترامب.. وكيف يعمل مع فريقه على تفكيك ترسانة القوانين التي تعيق حركة التبادل الحر بين المواطنين وخلق الثروة. في اللقطة تظهر كومة كبيرة من الاف الصفحات من القوانين والتشريعات الفدرالية التي تكبل يدي الاقتصاد الامريكي.. ومن الجهة الثانية مستوى القوانين والتشريعات جديدة التي تلغي المستوى التشريعات الكثيرة وعاد إلى نفس مستوى 1960. وهناك شريط أحمر وهو يرمز في الثقافة الامريكية للفساد الاداري. الأمم الكبرى فهمت ان كلما زادت التشريعات والقوانين واللوائح والبنود كلما زاد الفساد الاداري لان البيروقراطي يكون وسيطا قادرا على ضرب القوانين ببعض وتقديم التسهيلات التي تقفز على القوانين وعلى المنطق السليم. كما كان يفعل الصعاليك اويحي والسعيد وسلال وبقية المجرمين.