مستويات المعيشة ومعدلات الاقتصاد
بقلم: رياض حاوي
نزلت مع صديقي الصيني سون فات وصديقينا لامبريخت القادم من بلجيكا إلى مركز ميد فالي التجاري الضخم، بحثا عن مطعم لأخذ وجبة العشاء، كلما ندخل مطعما نجده مملوءا فنضطر للبحث عن غيره!! لامبريخت رجل الأعمال الستيني والخبير في ميدان المواد الغذائية لا تنقصه الخبرة كي يعلق على الموقف بقوله: هذا يدل على أن مستوى المعيشة جيد هنا! في أوروبا لا يمكن أن تجد المطاعم مملوءة بهذا الشكل! الناس في هذا البلد لديها القدرة على الإنفاق!
هي ملاحظة وجيهة جدا وفي محلها، وهي نفس الملاحظة التي سمعتها من كثير من رجال الأعمال القادمين من بلدان مختلفة، وهي كما تصدق على ماليزيا فإنها تصدق على دول جنوب شرق آسيا عموما..
لكن هل يعترف صندوق النقد الدولي بهذه الحقيقة التي يلمسها كل شخص يمر من هنا؟؟!!
الجواب بكل بساطة: لا!
رجال الأعمال أصحاب مثل هذه الملاحظات يتكلمون باستعمال المنطق البسيط: من ينفق أكثر فهو مرتاح أكثر أي ليس لديه الحاجة “المرضية” للادخار ومداخيله تغطي احتياجاته الأساسية وتزيد مما يدفعه للإنفاق!
صندوق النقد الدولي عنده طريق لحساب الأمور بشكل مختلف، وهي ما يسمى بمعدل الدخل الفردي أي إجمالي مداخيل الدولة مقسوما على عدد السكان.. وهكذا تكون الدول التي في أعلى الترتيب هي الدول الصغيرة جدا مثل الدول النفطية في الخليج، والتي لا تملك سوى الريع أي لا تتمتع بأي بنية اقتصادية..
صندوق النقد الدولي يغض الطرف عن مؤشرات أخرى هامة جدا جدا!
مؤشر الخدمات الصحية؟!
هل كل الناس لديها القدرة على التمتع بخدمة صحية مناسبة! الفيلم الامريكي الذي قاد البطولة فيه واشنطن دينزل وهو بعنوان جون كيو (John Q) قدم تشريحا نقديا شديد الفظاعة لنظام الكفالة الصحية في أمريكا! حتى ان الحل الذي يقدمه المخرج أمام المشكلة التي وقع فيها جون كيو هو أن يتحول المواطن إلى خارج عن القانون حتى يحصل على حقه أو بالأصح على حماية المجتمع له! إنه الواقع المرير الذي تتجاهله أرقام صندوق النقد الدولي!
مؤشر التمتع بخدمة سكنية مناسبة تجعل من كل مواطن له الحق في اقتناء سكن دون ان تعرض حياته المالية وموازنته المعيشية للخطر! وما حدث في أمريكا منذ الصيف الماضي بعد انفجار أزمة العقارات مؤشر واضح على حقيقة ما هو موجود في هذا البلد “المتطور”! فبين عشية وضحاها فقد مئات الآلاف من الناس عقاراتهم وخاصة فئة أصحاب السكنات التي أدت إلى ان يعلن بنك أش أس بي سي خسارة قدرها 10 مليار دولار إلى غاية ديسمبر الماضي والأزمة لا تزال مستمرة..
مؤشر الخدمات التعليمية!! لقد ارتفعت تكلفت التعليم في الغرب وهي لمزيد من الارتفاع، بعد ان تخلت الدولة في معظم الدول عن التعليم او قلصت حضورها فيه، وكلنا يذكر الصراع الذي نشب بين ساركوزي ولوبيات البحث العلمي في فرنسا عندما دعا الرئيس الفرنسي إلى رفع دعم الدولة وإشراك القطاع الخاص في تمويل البحث العلمي!
مؤشر الإنفاق اليومي كمحرك أساسي للدورة الاقتصادية، دون الاضطرار إلى الإنفاق باستعمال الدين/القرض عن طريق بطاقات الفيزا كارد والماستر كارد! ومعدلات الإنفاق بقروض في المجتمعات الغربية فضيعة تدل على أن مئات الآلاف من الأسر مفلسة فعليا وان إفلاسها مؤجل الإعلان فقط.. هذه الأسر تضطر لاستعمال مداخيلها المستقبلية لتغطية احتياجاتها اليومية! وهكذا تدخل مصيدة الفار كما يسميها الياباني روبرت كيوفسكي. والذين يتابعون برنامج سي ان بي سي الاقتصادي التوجيهي حول معالجة الدين الفردي سيصابون بالخوف من جراء النماذج والعينات التي تعرض من عمق المجتمع الأمريكي، حتى ان طالبة لا تملك عملا مستقرا بلغت ديونها 76 ألف دولار وأسرة لا تملك أولادا بلغت ديونها 600 ألف دولار! كل ذلك بسبب انغماس المجتمع في عادة الانفاق بديون وقروض وبمعدلات فائدة مرتفعة تصل إلى 18% سنويا.
هناك هجرة عكسية غريبة الشكل والمحتوى والمضمون ولكنها تعكس ما يحدث في العالم الغربي من اختلال واضطرابات يتغاضى عنها صندوق النقد الدولي ويصر على التمسك بمعاييره القديمة جدا لحساب المعدلات الاقتصادية.
ففي بلد مثل المغرب شهد العقار فيه ارتفاعا غير عاد منذ مطلع القرن الجديد، وخاصة في المدن الداخلية، وذلك نتيجة سياسة “الانفتاح” والتي أدت إلى رفع القيود عن عملية اقتناء وملكية العقار بالنسبة للأجانب.. وذلك بغرض رفع الموازنة المالية للدولة.. ويبدو أن البيروقراطية التي لا تفقه في التحديات الإستراتيجية شيئا جعلت البلد مستباح بأتم معنى الكلمة، وهكذا تهافت “جحافل” الأوروبيين المتعطشين لحياة هادئة ورخيصة بعيدا عن غلاء معيشة الدول الأم، لاقتناء العقارات وخاصة من طبقة المتقاعدين الذين لا ينفعون لا في العير ولا في النفير..
المعادلة بالنسبة للأوروبي بسيطة جدا!!
عندما يدخل مرحلة التقاعد لن تكون مدخراته كافية لتغطية احتياجاته بحدها الأدنى في بلده الأم خاصة في ظل ارتفاع معدلات التضخم وانكماش مستمر في القدرة الشرائية وفي نفس الوقت بلوغه مرحلة من العمر لا تسمح له بإضافة مداخيل من عمل جديد تسمح له بمواجهة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة.. وكذلك هو محروم من حنان الأبناء وعطفهم، هذا إذا كان عنده أبناء أصلا، ولذلك عندما يأخذ مدخراته ويقتني سكن في المغرب، او مصر، ويستلم شهريا راتب التقاعد الأوروبي، ليتم إنفاقه في بلد مثل المغرب أو مصر فهو بالنسبة له سيعيش حياة ملك…
وبالمقابل فإن الشاب الجزائري أو المغربي أو التونسي أو المصري الذي يخاطر بحياته من اجل بلوغ الضفة الأخرى يبحث أيضا عن حياة ملكية ولكن بشكل مقلوب ومعكوس!!
قائمة المتقاعدين الذين اقتنوا عقارات في المغرب تشمل شخصيات من العيار الثقيل منها رؤساء وزراء سابقين ورؤساء جمهورية وغيرهم فضلا عن “عامة” الناس!!
هذه الهجرة العكسية تعكس حقيقة الأوضاع هناك في شمال الكرة الأرضية وهي التي دفعت صاحبنا لا مبريخت البلجيكي يلاحظ ملاحظته التي بدأنا بها هذا المقال..
ما فائدة 2500 يورو كراتب شهري لا تكفي لتغطية احتياجات اقتناء سكن ودفع الأقساط وتغطية المصاريف اليومية من أكل وشرب وبنزين والاهم من ذلك مصاريف تعليم الأولاد؟؟!! هذا ما جعل مقولة خبيثة تنتشر مثل النار في الهشيم لدى الشباب الغربي: الولد مكلف جدا!! إنهم ينظرون للأولاد على أساس أنها “مقتنيات” تؤدي إلى مصاريف وخراب الجيوب! وهكذا لم يعد للزواج من معنى ما دامت الشهوة الجنسية يستجاب لها بكل الطرق الحيوانية والطرق التي يتنزه عنها حتى الحيوان!
عبث صندوق النقد الدولي لا يتوقف عند هذا الحد بل هناك ما يسميه معدلات النمو الاقتصادي وعادة ما تكون محصورة في دراسة نسبة الارتفاع أو الانخفاض في المداخيل بين سنتين..
وهكذا بقدرة قادر تتحول دول من كرطون إلى دول تحقق معدلات نمو قياسية، تتجاوز معدلات نمو الهند والصين واليابان وكوريا.. والمعادلة المضحكة التي يعتمدها صندوق النقد الدولي هي باختصار تشبه معادلة من محلل اقتصادي مراوغ يحسب نسبة نمو رجل فقير على قارعة الطريق يسأل المارة قوة يوميه، وفجأة يمر به رجل أجنبي ويرمي له ورقة من فئة 100 دولار، فيقوم “المضلل” الاقتصادي – صندوق النقد والبنك العالمي – بالتطبيل يمينا وشمالا بان هذا البائيس الفقير قد حقق نسبة نمو تتجاوز معدلات عمره كله..
هي قصة تتكرر يوميا لدى هؤلاء المضللين الاقتصاديين، وهم في عملهم يصورون الحقائق على غير ما هي عليه في الواقع..
النمو الحقيقي ليس معادلة رقمية بل هو مجموع المؤشرات في الجانب الصحي والتعليمي والمعيشي فضلا عن الصناعي والزراعي والخدماتي… هكذا نستطيع أن نغير النمط السائد الذي يحسب الرفاهية بكمية المال حتى وان كان المال مجرد أوراق أو أرقام بنكية ينتفع بها البعض فقط مضاربا في الأسواق المالية ولا يصل نفعها لعموم الناس.
النمو الحقيقي هو عندما نعطي الفرصة لعموم الناس بأن ينتفعوا بالخيرات ويتم خلق فرص اقتصادية حقيقية للتقليص من البطالة، وخاصة بطالة الخدمات الاجتماعية المنتشرة بقوة في العالم الغربي، والتي يسميها الرئيس ساركوزي “عقيدة اللاعمل”.. ثم النمو الحقيقي هو تساوي الفرص أي إنشاء الأنظمة المفتوحة بشكل حقيقي لا الأنظمة المغلقة على العوائل الاقتصادية الكبرى التي تتحكم في عجلة دوران حركة الاقتصاد والمال!
نشر باسبوعية المحرر