تنمية

منظور البجعات المحلقة (Gankō Keitairon).. للاقتصادي الياباني كانامي اداماتسو Kaname Akamatsu

للأسف فرضنا على انفسنا عزلة كبيرة جدا.. وخارج بعض المقولات المتداولة في الفضاء الفرنسي او من المثقفين الفرنسيين نجد ما ينشر في الجزائر محدود جدا.. ثم هناك رغبة شاذة من بعض متصدري المشهد العام لجعل بعض القضايا سواء في السياسة او الاقتصاد قضايا معقدة.. لانهم يتكلمون فيها بلغة الاصطلاحات الميكانكية لجمهور عام.. نفس اللغو موروث من التقاليد الفرنسية التي تعتبر نحت المصطلحات الجديدة والغريبة كفيل بخلق نظريات معرفية جديدة بغض النظر عن المحتوى..

واحسن ناقد لهذا التقليد الفرنسي الباهت ما كتبه عملاق الاقتصاد للجميع الافريقي الامريكي توماس سوول الذي لديه كتاب هام جدا جدا ونصحت الشباب مرارا بقراءته والاطلاع عليه.. والمثقفون والمجتمع.. 

الجذر واحد .. حرية التبادل بين الأحرار.. والدولة خادم لحق الملكية وحرية التبادل.. ارهارد مؤسس المعجزة الالمانية بعد الحرب ينتمي لمدرسة الحرية الاقتصادية.. لا يوجد نموذج سويدي خارج حرية السوق..

بعض الشباب يجد صعوبة في التفريق بين الحكومة والمجتمع.. وكانهما شيء واحد.. حاليا حكومة جراد لديها عجز في الموازنة بمعنى ان رصيدها في الخزينة العمومية سلبي تعيش بالقرض العمومي.. لو تذهب للبنك التجاري يقول لها لا يمكننك اخذ قرض لانك لا تملكين اي نشاط منتج.. لديك فقط مصاريف.. لو تقوم باتصال هاتفي ياتيها صوت يقول لها.. عذرا سيدي رئيس الحكومة رصيدكم لا يكفي لاجراء المكالمة..

هل يعني هذا ان المواطنون الجزائريون كلهم يعانون من الديون ولديهم رصيد سلبي.. لا طبعا..

ولذلك يجب دائما التفريق.. بين الحكومة التي لديها فقط مصاريف ومداخيلها من الضرائب.. وبين المجتمع المنتج الحقيقي للثروة..

من يصدر في المانيا وامريكا والسويد واليابان ليس الحكومة بل المجتمع عبر مئات الالاف من الشركات والمقاولات والمؤسسات التي تخلق الثروة يوميا.. 

Kaname Akamatsu
Kaname Akamatsu

من يصدر ليس الحكومة اليابانية بل المجتمع الياباني، من ينتج ليس الحكومة اليابانية بل المجتمع الياباني.. وبسبب مشاكل الحكومة اليابانية نجد ان الشركات اليابانية هربت من الجحيم الى جنات المرونة في تايلاند واندونيسيا وماليزيا.. مصانع هوندا موجودة في هذه الدول.. نفس ازمة الشركات الامريكية مع الكنزية في امريكا.. وهذا هو منظور البجعات المسافرة للياباني اكاماتسو..

عندما يجد الطائر الجو اصبح غير ملائم يحلق ويهاجر الى المكان الملائم.. وهو ما حدث بين اوروبا وامريكا حيث حلقت النخب هاربة من الملكيات المتعفنة في اوروبا الى جنة امريكا وقد بعث الفرنسيون الكسيس توكفيل الى امريكا حتى يفهموا التحولات.. ويجيب على سؤال ما الذي يجعل امريكا مختلفة فرجع بكتابه الشهرية الديمقراطية في امريكا.. وقد اخطأ في الحقيقة.. ما ميز امريكا ليس الديمقراطية بل حرية السوق، حرية التبادل كانت سابقة على نشاة الديمقراطية الامريكية. التبادل الحر هو الذي فرض نمط الديمقراطية الامريكي. لان امريكا لم تصلها يد الملكية البريطانية. ولذلك توكفيل نفسه اعتبر الديمقراطية هي اسلوب حياة اكثر من كونها نظام حكم لان مفهوم الديمقراطية كنظام حكم تكرس بالخطأ المنهجي الذي ارتكبه توكفيل واصبحت الديمقراطية علامة على نظام الحكم بدون ملكيات وكيف يحكم الشعب نفسه بنفسه.. 

ما يهم ان توكفيل لاحظ ان هناك شيء جديد في هذه الارض وسيكون لها مستقبل.. وبالفعل كان لها مستقبل لانها اول تجربة سمحت للشعوب الاوروبية المتداخلة ان تصنع نموذجا جديدا قائما على التبادل الحر لكن ذلك لم يدم طويلا فبمجرد ما تبلور التفسير الكنزي اليساري لمفهوم التنمية ودور الدولة في خلق الثروة حتى توسعت الدولة وعظمت مشاكلها في امريكا الامر الذي ادى إلى هجرت البجعات إلى اماكن جديدة في جنوب شرق اسيا حيث البيئة الملائمة والمناخ المعتدل.. 

Flying geese paradigm
Flying geese paradigm

واليوم تهاجر الشركات الصينية والماليزية الى الفيتنام والمينمار وكمبوديا وافريقيا..

ومن المفارقات ان نفس الظاهرة تم تفسيرها بطريقتين مختلفتين:

الظاهرة هي انتقال الشركات من العالم الغربي إلى العالم الشرقي

وهناك تفسيران 

احدهما للياباني كانامي 

والثاني لليساري المصري الفرنسي سمير امين

الياباني اعطى تفسيرا عقلانيا ومنطقيا منسجما مع حركة التاريخ وتطور الأشياء

واليساري المصري الفرنسي سمير امين نشر فكرة قاتلة ومسمومة في العالم العربي ما يسميه :”المركز” و”الأطراف”..

وهكذا بدل ان يساهم المفكر العربي اليساري في توفير ادوات معرفية لتفسير الظواهر بشكل عقلاني كما فعل المفكر الياباني.. نجده قد قام ببلورة فكرة مسمومة وقاتلة اول ما دخلت في العقل العربي قامت بشله وقتله وتوجيهه إلى المكان الخطأ وتصور ان هناك صراع ابدي مع الغرب لان هناك مركز غربي وان الباقي مجرد اطراف فيها العمالة الرخيصة والمواد الخام فيستغله ويسيطر عليه..

للاسف يصعب على شاب في عالمنا تصور ان قرار الاستثمار في مدغشقر او في الكونجو او الجزائر او المغرب او مصر هو قرار تتخذه ادارة الشركة الامريكية او الالمانية او اليابانية وليس ترامب او ميركل.. هو قرار تويوتا وايبي ام وامازون وابل وميكروسوفت وليس قرار وزارة الخارجية والبانتاغون..

وشخصيا عشت تجربة البجعات المحلقة واتيحت لي الفرصة لما ذهبت مديرا إلى الكونجو ثم السنغال وقبلها مدغشقر لم اتلق رسالة تكليف من وزارة الخارجية ولكن تلقيت تكليفا من إدارة الشركة التي اعمل فيها بعد دراسة الجدوى..

هذا الامر البسيط عجز سمي امين عن فهمه وتحليله كما عجز استاذه ماركس قبل مئة سنة عن فهمه وتحليله..

هذه الابجديات مغيبة عن العقل العربي الذي صنعه اليسار وهيمن عليه.. حتى ان رجل دين مثل الطبطبائي المفسر الايراني المشهور ومطهري وظف المضامين الشيوعية ووجد لها ايات قرآنية فاعطى لمصطلح المستضعفين القرآني مضمون البلوريتاريا الماركسي ومصطلح المستكبرين القرآني مضمنون البرجوازية الشيوعي.. وبالامس لفت انتباهي الاستاذ شاويش كيف ان الشيخ القرضاوي استعمل اهم مصطلح يساري في اهم مشروع التحديث الاسلامية

سمير أمين
سمير أمين

سلسلة حتمية الحل الاسلامي ..

الحتمية التاريخية الماركسية تسللت للخطاب الاسلامي في غفلة من الرواد.. 

والسبب في ذلك بسيط

اليسار واليمين.. الشيوعي والاسلامي لا يفرق بين الدولة وبين الحكومة

ويعتقد ان الدولة هي الحكومة

لا يفرق بين البنك المركزي وبين الخزينة العامة

لا يفرق بين “طبقة” دافعي الضرائب (منتجي الثروة).. و”طبقة” من يعيش على الصدقات العمومية التي تسمى الضرائب (الموظف العمومي)..

وانتشرت هذه الفكرة القاتلة حتى لازلنا إلى اليوم رغم كل النجاح الباهر الذي تحقق في جزء من آسيا نجد صدى لتلك الفكرة اللغم ان الغرب سمح لاسيا بالتطور لانها لا تقع في مركز العالم..

وهذا في الواقع جهل بالتاريخ لان بيكين كانت اجمل مدينة واكثرها تنظيما في العالم في اواسط القرن الخامس عشر عندما كانت لندن لا شيء وكانت مالاكا المدينة الماليزية الساحلية عاصمة ماليزيا التاريخية من اهم موانئ العالم الاقتصادية في القرن الخامس عشر وحاولت القوى الصاعدة السيطرة عليها والاثار لا تزال موجودة في هذه المدينة من البرتغال ولا تزال بقايا من الاقلية البرتغالية تقيم فيها إلى الهولنديين إلى البريطانيين إلى اليابانيين ثم وصلتها هجرة صينية كبيرة من المواطنين الراغبين في عيش كريم.. لكن اخواننا اليمنين التجار سبقوا كل هؤلاء وجعلوا الاسلام يمتد إلى عالم المالايو سنوات معدودة قبل دخول البرتغال الغزاة بفضل نمط تجاري مختلف يقوم على المعاملة الحسنة وعلى نظام قانوني تحول إلى سلوك اجتماعي. 

مرة اخرى علينا ان نفرق بين الحكومة والمجتمع..

المجتمع الامريكي مجتمع صانع للثروة خالق للفرص..

الحكومة الامريكية غارقة في الديون ويلعنها الاقتصاديون صباح مساء..

المجتمع الياباني صانع للثروة مكافح 

الحكومة اليابانية لم تعد نموذجا مغريا بسبب تراكم الدين العمومي 250% وهو وضع كارثي بكل المقاييس.. طبعا لا يزال الدين العمومي معظمه بالين الياباني كما انه في امريكا بالدولار الامريكي لكن يبقى بكل المقاييس وضع شاذ وغير صحي..

ما ينطبق على اليابان وامريكا ينطبق على كل الدول.. ومنها الدول الاسكندنافية فالحكومات ليست في وضع صحي.. وهذا ما جعل مثلا طائر ايكيا وهي شركة الاثاث السوبدية تهاجر من السويد بسبب ارتفاع الضرائب الى الدنمارك ثم إلى هولندة قبل اربعين وعشرين سنة.. وهناك مقالة طريفة كتبتها اعظم اديبة سويدية في واسط السبعينات استريد لندغرين حيث حسبت مجموع الضرائب والرسوم في السويد التي تدفعها فوجدتها 102٪.. ولذلك هاجرت ايكيا من السويد الى الدنمارك ثم الى هولندة.. وفقا لنظرية البجعات المهاجرة للياباني كانامي.. ويقف سمير امين عاجز عن تفسير هجرة ايكيا من المركز إلى مركز آخر ثم إلى الاطراف كما ادعى.. ويكفي ان الاطراف اليوم يتم التعامل معها كمراكز جديدة..