هذه الحرب ليست باسمنا!
كتب: رياض حاوي
هل غزو العراق أدى إلى إحياء أم انهيار القيم الغربية ؟
ليس أمام المتسرعين سوى الإجابة سلبا عن السؤال أعلاه!
فهم يتصورون أن الحرب التي أعلنها بوش على العراق هي “نهاية التاريخ” بالنسبة للقيم التي تبشر بها الحضارة الغربية منذ جون جاك روسو صاحب العقد الاجتماعي!
لكن هؤلاء المتسرعين يجدون صعوبة في تفسير الحركة العالمية المناهضة للحرب والتي يقودها غربيون هم أنفسهم نتاج الحضارة الغربية وأبناءها ورضعوا لبنها.. بينما في بلادنا الإسلامية من طنجا إلى جاكرتا فشل المثقفون والسياسيون في تنظيم حركة مناهضة للحرب تتناسب مع الجهد الذي بذل في العالم الغربي مع دعاة السلام الذين استماتوا في معارضة الحرب..
إن التفسير ضيق الأفق يصطدم بالحقائق وحتى يتناسق لا بد أن يصنع جدار يحول بينه وبين الرؤية الصافية..
وإذا عدنا إلى الأفق القرآني الرسالي الذي يوجه حركة الإنسان المسلم فإننا نجد كتاب الله يشير إلى هذه الخصائص الإنسانية التي يجب على المسلم أن لا يغفل عنها في غمرة مدافعته واصطدامه مع خصومه:”لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فؤلائك هم الظالمون” (الممتحنة 8-9).
إن الصراع بما يقتضيه من غضب وحدة وفقدان لروح التسامح والتجاوز يؤدي بالضرورة إلى ظاهرة التعميم والإسقاط العمودي بعيدا عن التوازن في الرؤية.
والخطاب الإسلامي المعاصر فقد جزء من هذه الرؤية القرآنية عندما جعل التعميم هو الأصل ولم يفطن إلى الفروق الهامة داخل النسق الغربي ذاته. وفقدت الحركات الإسلامية قدرة على توجيه خطاب حضاري يرقى إلى أفق القرآن الكريم إلى درجة أن بعض الأجنحة المترهلة داخل الكيان الإسلامي راهنت على خطاب عشائري قبيلي إصطفائي، ولم تستحي من إعطاء ميزات دينية تخصص “العرب” بنوع من “الفضل الإلهي” لا يتوفر للآخرين، في مخالفة فجة لكتاب الله ولسنة نبيه الصحيحة.
ولا نبالغ إذا قلنا أن بعضهم لم يفطن وهو في غمرة التحريض على الحضارة الغربية وقيمها وزيفها يمارس أسلوبا يهوديا حذر منه القرآن الكريم وللأسف تحت شعار إسلامي.. والإسلام بريء .. فقسم من اليهود كما ذكر القرآن اعتبروا غيرهم جملة وتفصيلا أميين؟ أي فاقدي القيم! والذين يصوغون الخطاب الإسلامي التحريضي يفتئتون على الطرح القرآني ويعتبرون غير المسلمين فاقدي القيم بنفس منطق بعض اليهود الذين وصفهم القرآن. بينما كتاب الله ميز بشكل واضح بين نوعين أحدهما صاحب أخلاق والثاني فاقد للأخلاق قال تعالى:”ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بانهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون” (آل عمران 75).
لقد قدمت تجربة غزو العراق نموذجا متميزا للمسلم المعاصر وهو مطالب بأن يفكر من جديد في النسق الرافض والحانق الذي أعلنه الخطاب الإسلامي خصوصا منذ الستينات عبر أدبيات “جاهلية القرن العشرين” التي لم تستطع تمثل التوجيه القرآني الذي يحذر من موالاة الكافرين المحاربين ولكنه يدعو إلى التعاشر والتسامح والتعاون في الخير مع من هم ليسوا كذلك .. فأطروحة “جاهلية القرن العشرين” جعلت الجميع في سلة واحدة..
لقد خرج آلاف الناس في عواصم العالم الغربي المختلفة منددين بسياسة المحاربين، ودافعوا باستماتة عن حق الشعب العراقي في العيش الكريم، بعيدا عن القنابل والدبابات وألوية الموت.. خرج هؤلاء دفاعا عن القيم التي تمثلها الحضارة الغربية ولأنهم يرون أن دعاة الحرب قد خانوا قيمها، ووضعوها خلف ظهورهم وداسوها بمصالحهم وأهوائهم..
وعندما سيطرت القوات الغازية على بغداد، وانتهى الغزو بأسرع مما توقع بوش نفسه بعد خيانة صدام حسين ونظام البعث، إذا بنا نجد دعاة السلام في أمريكا نفسها يطالبون القوات الأمريكية بالخروج من العراق رافضين سياسة الأمر الواقع وخطة الاحتلال من أجل البترول!! بينما قسم من الشعب العراقي خرج يهلل فرحا بسقوط نظام الطاغية صدام حسين، لأنه ارتاح من قهر سنين الاستبداد وظلم ذوي القربى الذي هو أشد من وقع الحسام المهند كما قال الشاعر!!
وكل منصف يشهد أن مناهضي الحرب في العالم الغربي أنصفوا الإسلام والمسلمين من الجلادين أبناء جلدتهم، ورددوا في العديد من العواصم أن هذه الحرب ليست باسمنا..
فهل يستعيد العقل الإسلامي توازنه ويتمثل التوجيه القرآني ويتحرر من التقسيم المانوي للعالم بين الظلمة والنور؟