هل الجزائر مستعدة للطاقة البديلة؟
رياض حاوي
تنزل 6 ملايين سيارة إلى الطرق الصينية سنويا وعدد مماثل إلى طرق الهند واعداد لا تحصى من الدراجات النارية، وهذا دون الحديث عن آلاف المصانع التي تنبت مثل الأعشاب بعد ليلة ماطرة والتي بدورها تحتاج إلى آلاف مؤلفة من براميل النفط، فأسواق الصين والهند تستهلك مجتمعة أكثر من 14 مليون برميل نفط يوميا بينما طاقة انتاج أوبيك 33 مليون برميل يوميا ومعظم دول اوبيك سيكون مصيرها مثل مصير اندونيسيا التي تحولت من دولة مصدرة إلى دولة مستهلكة وقررت الانسحاب مع مطلع السنة المقبلة. وهذا يقودنا إلى الحقيقة التالية: ان الدول الصناعية الصاعدة أصبحت أكثر استهلاكا للنفط من الدول الصناعية التقليدية وعلى رأسها أمريكا!
هناك تكتم وتضليل لواقع الامدادات في الأسواق الغربية، ولكن العارفون بالملفات يدركون ان الاحتياطات النفطية تتراجع بسرعة كبيرة، وعلى رأسها تراجع مستمر للامدادات من حقل كانتيل المكسيكي وهناك دراسات تقول ببساطة أن هذا الحقل دخل مرحلة الانعاش وهو على أبواب القبر وهذا ينذر بكارثة حقيقية بالنسبة للولايات المتحدة التي تعتبر هذا الحقل هو الممول الثالث لها بطاقة 1,2 مليون برميل يوميا وفي أفريل الماضي تراجع الحقل إلى ادنى مستوى له منذ تسع سنوات. يجب ان لا ننسى أن هذا الحقل بدأ استغلاله في أواسط السبعينات فقط بعد عشرات السنين من البحث المضني والاستكشافات المتواصلة. وبهذه الوتيرة ستتحول المكسيك إلى مستورد للنفط بداية من 2016.
وهذا يجعل مصير كل الأنشطة الصناعية المرتبطة بالنفط عرضة للخطر، ولذلك وأمام هذا الواقع هناك سباق محموم بين الدول العظمى للوصول إلى بديل للنفط في أقرب فرصة وقبل خراب غرناطة، والحديث عن الوقود الحيوي من مصادر نباتية معظمها قابل للتجديد باستمرار تجاوز مرحلة التخمين إلى مرحلة التنفيذ والأبحاث جارية على قدم وساق للخروج بأفضل النتائج والدراسات ستصل حتما إلى نتائجها السننية بفعل الجهود المضنية التي يبذلها الباحثون في مختلف المختبرات العالمية.
وتعيين البروفيسور ستيفن شو الحاصل على جائزة نوبل في منصب وزير الطاقة في حكومة اوباما التي ستستلم المهام في البيت الأبيض في مطلع العام الجديد فتح شهية كثير من المؤسسات البحثية للاعلان عن مشاريعها خاصة في مجال الطاقة البديلة، وهناك عشرات المشاريع الصغيرة التي تتحدث عن الطاقة من الماء فضلا عن التوسع في استعمال الكهرباء في العديد من المجالات.
إننا أمام ثورة محمومة لتجاوز عصر النفط، والرئيس الأمريكي القادم، باراك اوباما، قالها بكل وضوح :لا يمكننا البقاء رهائن للنفط الأجنبي!
ولو نظرنا في البرنامج الانتخابي لهذا الرئيس سنجد بعض النقاط المثيرة للانتباه مما يتعلق بموضوعنا:
- مع حلول سنة 2015 يجب أن تكون هناك اكثر من مليون سيارة مهجنة (Hybrid car) في الطريق أي تستعمل الكهرباء والنفط مع بعض.
- يتم تغيير كل سيارت البيت البيض تدريجيا لتكون سيارات كهربائية اذا سمحت الظروف الامنية وذلك في السنة الأولى من الرئاسة، أي التغيير بالقدوة!
- نصف السيارات التي تقتنيها الحكومة الفيدرالية يجب أن تكون من نفس الصنف بحلول سنة 2012،
- انفاق 150 مليار دولار وخلق 5 ملايين منصب عمل (أخضر) في فترة عشر سنوات القادمة وهذه الملايير ستنفق على تحديث البنية التحتية للمصانع حتى تتكيف مع التكنولوجيا الخضراء وتشجيع الطاقة النظيفة والصناعات التحويلية مثل توربينات الهواء والرياح والطاقة الشمسية التي يجب أن تصبح الديكور المميز لأسطح المنازل والمباني.

وبما ان أوباما أصبح رئيسا فإن ذلك قد عزز من حظوظ الشركات الناشطة في مجال التكنولوجيا الخضراء وقد تعزز ذلك أكثر بتعيين ستيفن شو وهو من أشد المدافعين عن فكرة الوقود البديل. فمنذ عام 2004 عين شو مديرا لمختبر لورنس باركلي الوطني الذي يظم 4000 موظف وميزانية سنوية لا تقل عن 650 مليون دولار وتحت ادارة شو عمل المختبر بكثافة في ميدان الوقود الحيوي وتكنولوجيا الطاقة الشمسية وقد عرف وزير الطاقة الجديد بدفاعه المستميت عن فكرة الطاقة البديلة بحجة ان التحول عن الوقود الاحفوري ضروري لمكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري.
لقد انفقت اكثر من 2.5 مليار دولار في مجال الأبحاث المتعلقة بالطاقة البديلة في سنة 2007 وحدها الامر الذي يعكس مدى الاهتمام الذي ستحضى به التكنولوجيا الخضراء في السنوات القليلة القادمة.
المسألة ليست في طور الحديث الترفي كما يتخيل بعض الكسالى فقبل بضعة أيام اعلنت شركة ميتسوبيشي اليابانية عن سيارتها الكهربائية (MiEV) التي ستنطلق في انتاجها بشكل واسع بداية من مطلع السنة المقبلة، في سابقة للانطلاق في الحديث عن الطاقة البديلة في أوسع المجالات استهلاكا للنفط التقليدي وهو مجال النقل.
وقامت الشركة الامريكية AC propulsion بتطوير محرك كهربائي كامل المواصفات لصالح شركة بي ام دبليو الألمانية المستعمل في سيارتها الجديدة MINI E وقد تم عرض نماذ1ج منها في معرض السيارات الدولي.
الأمور تتحرك بسرعة مذهلة والشركات النفطية العظمى التي عرقلت الابحاث المتعلقة بالنفط البديل كلها فقدت سطوتها وقدرتها على وأد المشاريع البحثية وانطلق المارد من عقاله.
وهنا نطرح السؤال: ما هو مصيرنا في حالة حدثت التغيرات المرتقبة في ظرف سريع مثل ثورة الانترنيت التي باغتت النائمين!!
إن بقاء البلدان المصدرة تتمتع بحلاوة بيع الذهب الأسود دون التفكير في المستقبل هو خطر محدق وقريب المنال، وهنا يتحتم النظر في أمر السياسة النفطية بصرامة وقوة بالنسبة لصانعي هذه السياسة، لأن التمادي في تصدير كميات كبيرة سيؤثر حتما على احتياطات البلاد والحاجة إلى السيولة لا تبرر اللهث وراء سيولة زائدة عن الحد تكون هدفا سهلا لصانعي السياسة المالية الدولية الذين يعرفون كيف يجعلون قيمتها الشرائية تتبخر بين يوم وليلة مقابل الكتلة النفطية الحقيقية التي تم بيعها واخراجها من البلاد.
وتخصيص جزء من مداخيل سونطراك للمساهمة في الجهود العالمية في البحث البديل عن مصادر للطاقة أمر حتمي ومصيري بالنسبة للجزائر إذا كنا فعلا ننظر بعيدا عن أرنبة الأنف.