الاقتصاد

هل لدينا رجال أعمال؟

كتب: رياض حاوي
من هو رجل الأعمال في الجزائر وكيف تتشكل هذه الطبقة؟ هذا السؤال يؤرق كثير من الباحثين في الوضع الاقتصادي الجزائري! خاصة بالنسبة لبلد خرج معدما من حقبة استعمارية طويلة حرمت الشعب من كل مقومات النهوض، فالتأهيل التعليمي والعلمي كان في أدنى مستوى، والأراضي الزراعية يسيطر عليها كبار المستوطنين والإدارة في قبضة الاستعماريين البيروقراطيين، والصناعة على قلتها موجهة بالدرجة الأولى لتلبية احتياجات فرنسا.
وبالتالي هناك اكثر من اشكال يتعلق بتعريف رجل الأعمال وتاريخية تشكل هذه الطبقة في بلد مثل الجزائر الذي تبنى، بعد الاستقلال، عملية بناء مركزي تؤسس من الصفر لكل شيء سواء بناء الجهاز سيبسي0-الاداري لتنظيم علاقة الدولة بالمواطن أو النشاط الاقتصادي لمراكمة الثروة والحفاظ على الوجود.
لكن الملاحظ أنه بعد دخول الجزائر في أزمة اقتصادية وسياسية عميقة وخطيرة في نفس الوقت أواسط الثمانيات وتبني السلطات لنهج الانفتاح السياسي والاقتصادي بدأت تتشكل طبقة من كبار “البزانسية” الذي كانوا يقتاتون على تجارة الحقيبة العابرة للحدود ثم جاءت مرحلة التسعينات لتولد طبقة جديدة ليس من المستغرب ان يطلق عليها المواطنون وحتى رجال الإعلام مصطلح عجيب “أصحاب الشكارة” وتطور أصحاب الشكارة ليرتقوا إلى طبقة جديدة يسميها الشارع “لوردات الحاويات”.
ثم جاءت البحبوحة المالية التي فاضت على الجزائر بسبب التحسن الهائل في أسعار النفط لتفرز مجموعة جديدة، ليس أقلها “أسطورة الخليفة” التي غرفت من المال العام حتى الثمالة.. ثم.. ثم.. اختفت.. فكارثة مجمع الخليفة وأزمة مجمع تونيك وغيرها من المجمعات “الخاصة” جعلت هناك عملية ارتياب في وجود حقيقي لما يمسى برجال اعمال بمقاييس دولية.. فهذه المشاريع التي صفقت لها السلطات العمومية وأمدتها بأسباب الحياة انهارت كلمح البصر وخلفت وراءها ثغرات مالية لا يمكن سدها بأي حال من الأحوال وكيفت “عملية الخليفة” كأكبر عملية نصب واحتيال مالي تحل بالجزائر منذ استقلالها.
ثم نجد أن أهم المشاريع القائمة في البلد هي باشراف مؤسسات اقتصادية أجنبية بداية من الهواتف النقالة إلى مجمع أرسيلور إلى مشاريع السكن التي تشرف عليها شركات أجنبية إدارة وتنسيقا وخططا استثمارية. في حين ان رجل الأعمال الوطني غائب أو مغيب وربما غير موجود في اهم المجالات الحيوية التي راكمت الثروة في السنوات الأخيرة.
والأمّر من ذلك أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على قلتها لم تحقق النجاعة المالية المطلوبة على الرغم من كون السلطات العمومية خصصت وزارة كاملة لإدارة هذا الملف إلا ان الأرقام تدل على مؤشرات سلبية وبحسب تصريحات سابقة للوزير المكلف بهذه القطاع فإن ديون القطاع الخاص غير المجدية قدرت بـ 7, 393 مليار دينار من مجموع 8, 713 مليار دينار هي حصة القطاعين الخاص والعام أي بنسبة 15 ,55 بالمائة.
وإذا كان مفهوما ان القطاع العام يتورط في الديون بسبب الضغوطات التي تمارسها عليه السلطات العمومية في عملية التوظيف، لامتصاص كتلة البطاليين، مما يجعل حصة الأجور تمتص الأرباح الممكنة وتبقي الميزان التجاري دوما سلبيا فضلا عن تسيير العوائد المالية والبطئ في الافراج عن الأموال اللازمة للاستثمار والتوسع فضلا عن ضعف الرقابة وانعدام الوازع والضمير المهني وغيرها من العوامل التي لا تزال ترهق القطاع العام.. فإذا كان ذلك مفهوما بالنسبة للقطاع العام فإن تفوق القطاع الخاص على القطاع العام في الديون العمومية يبدو أمر جد مستغرب ولا يخضع لأي اعتبار أو تفسير سوى تحول جزء من مؤسسات القطاع الخاص إلى أماكن للربح السريح بعيدا عن مفهوم النجاعة الاقتصادية.
فالمؤسسة الخاصة يفترض فيها أنها مؤسسة تقوم على الربح والنجاعة والتوازن المالي والتقشف في المصاريف وأن فشلها في تحقيق التوازن المالي لأكثر من دورة مالية يعرضها تلقائيا للزوال بحكم قانون السوق لكن نجد على العكس أن الذهنية الحمائية والأبائية التي تمارسها السلطات سرعان ما تتدخل لمسح الديون وتطهير القطاع الخاص أسوة بالقطاع العام الأمر الذي يزيل الفواصل والاختلافات بين القطاعين، وهذا يخالف أي منهج من المناهج الاقتصادية المعروفة، وهو بالنهاية ابداع متميز تفتقت عنه ذهنية التهاون بل التلاعب بالاموال العمومية لأنه ليس من المعقول أن يصبح المواطن دافع الضرائب وثروات الدولة (النفط) التي هي ملك للجميع رصيد جديد في احتياطي هذا النوع من “رجال الاعمال”..
فالسيارات الفارهة التي نراها في الطرقات والتي يملكها هذا النوع من “رجال الأعمال” مدفوعة من الأرصدة والقروض الممسوحة بشكل او بآخر.. والشقق الفارهة التي تبنى في السواحل الغربية للعاصمة تكاليفها موجودة في بنود القروض العاجزة…
ولذلك ليس مستغربا أن أول ما يتم قبول “ملف الاستثمار” لدى السلطات العمومية أو احدى وكالات البنوك لهذا النوع من “رجال الاعمال” وبمجرد ما تبدأ حنفية المال في التدفق تتجد تشكيلة السيارات العائلية وقائمة العقارات التي تسجل بأسماء مختلفة هنا وهناك.. ثم تدرج في الفواتير المنفوخة والتكاليف المبالغ فيها.. وإذا عجزت هذه الأخيرة بسبب تضخم قائمة المقتنيات الخاصة عن تغطية احتياجات رجال الأعمال؟؟! تأتي السلطات العمومية لتمسح الديون العاجزة بجرة قلم.. والحمد لله لدينا النفط الذي يعوض علينا الخسائر!!
طبعا في مثل هذا الوضع لا تكفينا التطمينات التي تطلقها السلطات بأن “الشركات الخاصة” التي ثبت أنها ضحية “سوء التسيير” لن تستفيد من التطهير، فهذا الكلام لا أثر له في بلد دخل متاهة الفساد الاداري ولا تحترم فيه معايير النجاعة – إذا وجدت أصلا- وهو متورط إلى الأذنين في مصائب اقتصادية ومالية وهيكلية لا بداية ولا نهاية لها..
تاريخية “رجال الأعمال”:
وإذا بحثنا في تاريخية طبقة “رجال الاعمال”، سنجد هناك تنوع في المشارب والمسارات التاريخية لكن في معظمها لا تخرج عن زبائن السلطة المستفدين من الريوع بصورة مباشرة أو غير مباشرة. أو طبقة الذين يعيشون بملفات اقتصادية رسمية ونشاط اقتصادي فعلي غير رسمي، حيث لا يعرف قموسهم الاقتصادي سداد ديون البنوك العمومية (ديون يملكها الشعب) أو دفع الضرائب أو مقاييس النجاعة الاقتصادية في مؤسساتهم التي لا يخرج عناصرها في معظم الأحيان عن عناصر العائلة من الأبناء والاخوة والأخوات وحتى الأباء والأجداد لتشكيل درع الحماية مثل نموذج الخليفة.
وهناك فئة لا يعرفون شيء اسمه النشاط الاقتصادي والاستثماري الطبيعي أو الرسمي، فهم إما بارونات تهريب يعرفون كيف يطوعون المؤسسات التي يفترض فيها انها تحمي سيادة الدولة الاقتصادية ويعرفون كيف يقومون بعملية اختراق للحواجز البيروقراطية سواء في البنوك أو الموانئ والحدود البرية أو اختراق هيئات الاستثمار الحكومية ويحصلون على ما يريدون.
ولعل هذا الوضع الفوضوي هو الذي جعل كل جهود الاقلاع تفشل عندما تتسرب الرساميل إلى مثل هذه القنوات المهترئة التي تحولها بسرعة خارج قنواتها الطبيعية.. إلى عقارات وسيارات وملكيات داخل الوطن وخارجه.. بينما لا أثر يذكر لأي نهضة اقتصادية او مظاهر لدينامكية صناعية… وكل “بارون” جفت عنه منابع “الخير” الريعي فإنه يقفز إلى مجال السياسة فتحولت المناصب السياسية إلى سلعة تشترى وتباع في بورصات أشبه بقلاع المافيا وقطاع الطرق.
تتكون طبقة “رجال الأعمال” بصورة كبيرة من “البزانسية” الذين خرجوا من مرحلة تجارة الحقيبة إلى مرحلة تجارة الحاوية، ثم من مرحلة تجارة الحاوية إلى مرحلة استلام القروض العمومية وتحويلها إلى شركات استثمار حكم عليها الوزير بأنها مدينة للخزينة العمومية بأكثر من 55% من اجمالي ديون الدورة الاقتصادية.
ولو تتبعنا التطور الحاصل في تاريخية هذه الطبقة التي يطلق عليها “أصحاب الشكارة” سنجد هناك عدة مفارقات في تسلسل النشأة التاريخية جوهرها هو تسيب النشاط الاقتصادي الحكومي الأمر الذي فتح المجال لكل أشكال الطفيليين للاستفادة من فوضى نظرية الدولة في الاقتصاد.
فطبقة البزانسية تشكلت بسبب انهيار العملة المحلية أمام العملات الأجنبية انهيارا فتح المجال أمام تدفق سيولة من الخارج مصدرها أساسا فرنسا، وطبقة بارونات الحاويات في معظمها تشكلت بعد انهيار التجارة الخارجية للدولة بسبب افلاس الخزينة العمومية وانهيار أسعار النفط.. وربما الناس لا يعلمون انه في اواسط التسعينات كانت تكلفة حاوية مشتقات نفطية مثل زيت السيارات تستورد من دبي لا تتعدى 10 ألاف دولار امريكي، بينما تباع في الجزائر بأضعاف مضاعفة وفي نفس الفترة ظهرت الصين كقوة تصدير عالمية بأسعار متدنية برخص التراب.. وبذلك دخلت منتجات غير خاضعة لأية رقابة لتحقق فائض وتراكم في الثروة نتيجة لفروق السعر بين تكلفة الاستيراد وسعر التوزيع داخل الوطن..
وهكذا بدأت تظهر طبقات جديدة من المراكمين للسيولة المالية (تجار) بعيدا عن أي تطور تاريخي طبيعي ومتوازن لمراكمي الثروة بمعناها الشامل، سواء ثروة الخبرة والتكنولوجيا أو ثروة الاداء والتسيير أو ثروة الاستثمار والانتاج والأهم من ذلك ثروة تعلم آلية التبادل الدولي في الاتجاهين الاستيراد والتصدير.. فالمال الحقيقي هو المتدفق نتيجة لتقنية التصدير وليس المنبثق من الاستيراد فذلك اخراج للثروة المحلية على قلتها..
طبعا صورة رجل الاعمال في الداخل، تبدو صورة غامضة، غير واضحة المعالم، ولا تتوضح إلا بصورته عندما يتواجد خارج البلد سواء في المعارض الدولية في العواصم العالمية، أو أثناء ابرام الصفقات الثنائية.. حينئذ يخضع للاختبار الحقيقي في المجال المفتوح..
الملاحظة الأكثر اثارة أن أكثر المعارض جاذبية “لأصحاب الشكارة” هي معارض التسوق مثل معارض الأثاث أو المواد الغذائية أو السيارات أما المعارض الأكثر تخصصا كتلك التي تهتم بخطوط الانتاج ونماذج المصانع المصغرة أو الملتقيات الدولية التي تتناول بدرجة أكبر التغيرات التكنولوجية في التصنيع والزراعة فمن النادر جدا ان يكون هناك تواجد لرجال الأعمال الجزائريين.. وفي أحسن الأحوال بعض المبعوثين البيروقراطيين الذين يمثلون الحكومة وأغلبهم يكون همهم الأكبر في الاستفادة من الأيام القليلة المخصصة لهم في العاصمة الأجنبية للتسوق الشخصي والسياحة..
وصورة رجل الأعمال الجزائري تتوضح أكثر أثناء التفاوض مع مؤسسة أجنبية سواء لاقتناء سلعة من السلع، أو بغرض اقتناء تجهيزات أو خطوط انتاج للانطلاق في مشروع استثماري، وهنا نجد غياب كبير لأهل الاختصاص في المجال المرغوب..
وهنا نتساءل كيف يكون هناك رجل أعمال لم يسمع بشيء اسمه البورصة إلا في نشرات الجزيرة، ولا تعني له شيطمسيبوئا مؤشرات داوجونز والصناعي الأمريكي ولا معدلات الفائدة ولا قيمة الدولار أمام العملات الأجنبية ولم يسمع في حياته بأسعار الخامات؟
هل يمكن ادارة مؤسسة استثمارية بحد ادنى من النجاعة دون أن يكون صاحبها على قدر معين من الادراك لحركية ودينامكية الاقتصاد العالمي؟ ويسمى رجل أعمال؟
ثم إن النظام البنكي الجزائري وحده أكبر دليل على غياب شيء اسمه نشاط اقتصادي فالبنوك ليست مؤسسات استثمارية كما يجب أن تكون بل خزائن لتجميع وتوزيع الريع؟
الواقع أن هناك حالة فراغ رهيب، ذلك ان الحديث عن فئة رجال الاعمال، مع بعض الاستثناءات التي تؤكد القاعدة ولا تنفيها، هو الحديث عن معدوم وجوديا، لأن زبائن الدولة والمستفيدين من الريع لم يخلقوا أية دينامكية اقتصادية وأكبر دليل على ذلك هو واقع الحال وليس التصريحات التي تخالف الواقع.
الدولة/ السلطة كما كونت طبقة سياسية على مزاجها فإنها ترعى فئة تسمى رجال الأعمال بطريقتها الخاصة وهي كما تقدم الكائنات السياسية التي تسمى احزابا على أساس انها واجهة النظام الديمقراطي فكذلك تقدم كائنات أخرى على أساس أنها واجهة الليبرالية والانفتاح واقتصاد السوق فكما ان هناك ديكور سياسي لتزيين خشبة الديمقراطية هناك أيضا جوق اقتصادي وعرائس كراكوز لتزيين الواجهة الاقتصادية وأكبر دليل على ذلك أن معظم المشاريع التي تسمى خاصة غير متوازنة ماليا، أي انها مفلسة فعليا وتنتظر لحظة الاعلان فقط، وتسير بطريقة ترحيل وتأجيل الافلاس بحسب الظروف والمناخ السياسي، ولو تكون هناك عملية تصفية للقطاع الخاص كما يقومون بتصفية القطاع العام وبنفس الحيوية فسنكتشف بلا ادنى شك أن الجزائر لا تزال اشتراكية قلبا وقالبا..