الاقتصاد

هل يمكن بناء صناعة بدون حماية الدولة؟!

بقلم: رياض حاوي

أبناء الجيل الجديد لا يعرفون أنه قبل ثلاثين سنة كان جل المواطنيين يركبون دراجة نارية من انتاج وطني (موطو قالمة) ويتفرجون في تلفزيون من إنتاج وطني (ايني أو سونيلاك) ويشربون ماءا باردا عذبا مبربدا في ثلاجة تنتج في تيزي وزو، وسائقي الشاحنات يستمعون للاذاعة الوطنية من راديو أو مسجل منتج في سيدي بلعباس، والفلاحين يحرثون الأرض بجرارات “وطنية” تصنع في مدينة الجسور المعلقة.. وحافلات النقل التي كانت تجوب العاصمة أواخر الثمانينات والمصنعة في الرويبة أفضل بكثير من حافلات النقل التي كانت تجوب سيول وكوالالمبور وبانكوك وبيكين في نفس الفترة..
كثير من الناس ينسى ان الطاقم الوزاري كان يقتني “كوستيمات” سونيتاكس، وأن المواطنين الجزائريين المقيمين في الخارج يتهافتون على منتجات “ديسترتش” للصناعات الجلدية أثناء عطلة الصيف نظرا لجودتها شسيبسيسسي9يوسعرها المتدني مقارنة مع مثيلاتها في ديار الهجرة.. وكثير من طاولات الطعام تزينها مصنوعات “البي سي آر” ذات الجودة العالية!!
أين ذهب كل ذلك؟
شهد المنجز التصنيعي الوطني، الذي راكمته البلاد منذ بداية السبعينات حتى اواسط الثمانينات، عملية تحطيم منظم بدعوى النجاعة الاقتصادية وان الدولة لا يمكنها ان تكون ناشطا اقتصاديا بل مجرد مراقب ومنظم لدورة الاقتصاد.. وكان هذا الانتقال الفوضوي كارثة كبيرة حلت بالبلاد وجعلت كوارث اخرى تتداعى بدون توقف.
الواقع ان عملية التحطيم بدأت بثغرة “ثقافية” حيث فشل الخطاب الرسمي في جعل الجماعة الوطنية تحترم المجهود الاقتصادي الوطني على قلته وضعف مستواه.
إن ثلاجة “وطنية” مصنعة في تيزي وزو (حتى ولو هي مجرد تركيب) هي نتاج دورة اقتصادية كاملة وأهم بكثير من ثلاجة “أجنبية” يصبح دورها إذا دخلت إلى دورة الاقتصاد الضعيف هو زعزعة بنيته وتخريب تناسقه.
ودراجة “قالمة” النارية لبنة أساسية في بناء صرح المعمار الاقتصادي الوطني بخلاف دراجة “هوندا” التي ما ان تدخل المجال الاقتصادي الوطني حتى تكسر التناسق وتتحول إلى معول هدم.
ولن تتحول دراجة “قالمة” إلى دراجة ذات مقياس عالمي إذا لم تحظ بحماية الدولة واحتضان الجماعة الوطنية أي حماية المواطن، الذي يعي مخاطر توقف مصنع جزائري عن الانتاج لصالح منتوجات مستوردة أي منتوجات تفقر البلد وتغني دول التصدير بنقل الثروات اليها.
وليس من المنطقي اخضاع منتج محلي لمنافسة غير عادلة كأن تطلب من دراجة قالمة أن تنافس دراجات هوندا وسوزوكي وياماها التي يمتد عمرها الزمني إلى أجيال وخبرتها التراكمية في أسواق التصدير إلى حقب زمنية.
ويكذب كل من يدعي أنه لا مجال حاليا لهذا النوع من الحماية الاقتصادية فاجراءات احتواء الازمة المالية العالمية كذبت هذا الادعاء وادخلته في زمرة الباطل المرفوض.
وهناك كثير من التجارب ما كان لها أن تقف على قدميها لولا نظرية الحماية التي تبدأ من الشعور الذاتي للمواطن بأهمية حماية المنتج الوطني وحفظه حتى يبقى مصدرا من مصادر انتاج الثروة وتعزيز ذلك بالقوانين واللوائح التي تحميه من سطوة المنافسة غير المشروعة أو قوى الفساد والتخريب.
والمنطق البسيط يقول ان كل قطعة مستوردة من الخارج هي “تهريب” للثروة الوطنية وكل قطعة منتجة في الداخل تساهم في مراكمة الثروة الوطنية وكل قطعة منتجة في الداخل ومصدرة للخارج بناء وتعمير للثروة الوطنية.
هذا المنطق البسيط غائب عن كثير من القرارات التي تغرق المشهد الاقتصادي الوطني. ذلك ان الانفتاح الأهوج على الاقتصاد العالمي دون ضوابط تراعي العمر الزمني لاقتصادنا يقودنا في النهاية للكوارث وتضييع الفرص ونهب الثروات بشكل مستمر.
دعنا نأخذ تجربة بناء صناعة السيارات في ماليزيا.. حتى نرى كيف تبنى الامور بتكامل بين الرؤية الواضحة والقرارات السليمة والاجراءات التي تطور المشروع ولا تدفنه في مهده!
قامت الحكومة الماليزية بتأسيس شركة بروتون في 23 مايو 1983 لتركيب وصناعة السيارات وقطع الغيار ونجحت هذه الشركة بالتعاون مع العملاق الياباني ميتسوبوشي بتركيب أول سيارة في 7 يوليو سنة 1985 موديل بروتون ساقا، نموذج منها في المتحف الوطني الماليزي كشاهد على هذه الخطوة العملاقة التي كان لها ما بعدها..
فصناعة السيارات وتركيبها محليا تخلق دينامكية اقتصادية غير عادية انطلاقا من قدرة هذه الصناعة الهائلة على خلق مناصب تكاد تكون لا نهائية من فرص العمل للعديد من التخصصات الجامعية والكوادر الجامعيين فضلا عن العمالة نصف المؤهلة وآلاف الفرص من الوظائف غير المباشرة والأهم من ذلك هو خلق سلسلة من الصناعات المساعدة، التي تصب كلها لصالح بناء أو خدمة هذا الموديل الصناعي أو ذاك.

وبناء على هذه الرؤية تشكلت في ماليزيا عشرات المصانع الصغيرة التي تتكفل بانتاج مصنوعات تكميلية للسيارة مثل العجلات وحامي الضربات وعلب السرعة وأنوار الاضاءة وغلافات المقاعد ومقابض الأبواب وراديو السيارة وزجاجات عطر السيارات… الخ.. وكل هذه المصانع التي تشكلت بداية لخدمة “مشروع السيارة الوطنية” كما سماه مهاتير محمد تحولت بدورها إلى مصانع تصدر خدماتها إلى عشرات الدول..
وفي ظرف عقدين من الزمن أصبحت ماليزيا قطب من أقطاب صناعة السيارات، الصناعة التكميلية، أما السيارات النهائية فلا تزال الغلبة للنموذج الياباني ثم الكوري وثالثا الماليزي في جنوب شرق آسيا..

PROTON_LOGO.svgوحدة التصنيع المتواجدة في منطقة شاه علام في ظواحي كوالالمبور بدأت بطاقة انتاجية لا تتعدى 87000 سيارة سنويا ووصلت حاليا إلى 240000 سيارة سنويا.. وهذه الشركة الطموحة تؤكد ان القضية قضية وقت حتى تصبح من أكبر الفاعلين في مجال هذه الصناعة، ولعل فرصتها قد سنحت بترنح صناعة السيارات في اوروبا وامريكا جراء الازمة المالية التي مست هذا القطاع بقوة.
نجاح هذه الشركة دفع السلطات الماليزية بانشاء شركة أخرى وهي شركة برودوا للسيارات الصغيرة، وقد بدأت بإنتاج أول موديل لها سنة 1994 بالتعاون مع شركة ديهاتسو اليابانية، وقصة هذه الشركة لا تقل نجاحا عن الشركة الأولى..
ما يهمنا في القصة كلها هو دور الدولة في حماية هذه الصناعة.. لأنه ليس من المنطقي ان تستثمر الدولة ملايين الدولارات (ملايين فقط وليس مليارات) ثم تتتركها نهبا لمنافسة شرسة مع كبريات الصناعات الدولية.
وطبعا لا أحد يستطيع أن يجعل سيارة جديدة اسمها بروتون ساقا (هل هناك أحد سمع بهذا الموديل) مصنعة في بلد مجهول تسيطر على سوق السيارات الدولية بين عشية وضحاها، ولذلك فكرت الحكومة في جعل السوق المحلي هو السوق الأول لهذه السيارة وذلك بتتبع إجراءات حماية صارمة صرامة سيف الحجاج.
وتعتمد هذه الخطة على الترغيب والترهيب:
• رفع ضريبة الاستيراد على أي موديل مصنع خارج الوطن من أي نوع كان بنسبة وصلت إلى 300% من قيمة الفاتورة.. أي إذا كانت هناك سيارة تسورد من اليابان بسعر 10 آلاف دولار فيجب ان تدفع ضريبة بقيمة 30 ألف دولار اضافية كعقوبة لك جراء احتقارك للصناعة الوطنية؟!
• كل قطعة غيار منتجة في الداخل فإن ما يقابلها من قطع الغيار المستورد يدرج ضمن قائمة الخاضع للضريبة المرتفعة.. الأمر الذي شجع عشرات المستثمرين المحليين على انشاء المصانع التكميلية لصناعة السيارات مما أحدث ثورة صناعية في زمن قياسي.. وخذل المستوردين الباحثين عن الربح السريع على حساب مراكمة الثروة الوطنية..
• دفع البنوك لتقديم قروض وتسهيلات تمويل لاقتناء السيارة الوطنية إلى أقصى حد ممكن، وصلت التسهيلات إلى تمويل 100% من قيمة السيارة، أي تسجل اسمك لدى البنك وتقدم الوثائق اللازمة التي تثبت جدارتك باقتناء السيارة مثل رخصة السير وثلاثة أشهر كشف الراتب وصورة من البطاقة الوطنية وتأتي بعد أسبوع لتستلم السيارة وتدفع أول قسط مع نهاية الشهر.. ويتواصل الدفع إلى غاية 9 سنوات.. ونسبة الفائدة ثابتة تتراوح بين 2.50% إلى 3.88% سنويا.
هذه السياسة الحمائية “الحجاجية” وفي نفس الوقت التشجيعية التحريضية هي التي سمحت للسيارة الوطنية ان تتطور، وكتلة الصناعيين ان تتعلم من الأخطاء وتطور الايجابيات، والمواطنين البسطاء أن يتمتعوا بامتياز اقتناء سيارة واثنين وثلاثة حتى لا تكاد تجد مواطن ماليزي لا يملك سيارة..
وهذه السياسة الحمائية جعلت سوق السيارات في ماليزيا سوقا دينامكيا ومتجددة فبالكاد تجد المواطن يقتني السيارة الواحدة حتى يسارع لتغييرها وتجديديؤسيسي340ها بعد أربع أو خمس سنوات إن لم يكن أقل من ذلك الأمر الذي دفع كثير من الشركات العالمية للبحث عن طرق لاختراق هذا السوق وكان الخيار الوحيد أمامها هو إنشاء شركات محلية لتصنيع موديلاتها داخل ماليزيا نفسها، وذلك بغرض الاستفادة من حمى اقتناء السيارة التي تجتاح المجتمع الماليزي..
ومرة أخرى استفاد سوق العمل من تأسيس وحدات تركيب الجديدة، وتشكلت عدة شركات تصنيع وتركيب مثل المشروع المشترك نازا-كيا (مع مجموعة كيا الكورية) ووحدة تركيب لسيارات هوندا وغيرها..
وهنا لعبت الدولة أيضا دورها أثناء التفاوض مع الشريك الاجنبي وذلك بتوزيع هذه الوحدات الانتاجية الجديدة على المدن والولايات الداخلية، مع الحفاظ على سياستها الضريبية حتى باتت أجزاء السيارات التي تحمل العلامات الأجنبية والمركبة محليا قليل منها مستورد وكثير منها مصنع محليا.. حتى تكون التكلفة قريبة للسيارة “الوطنية”.. لان ضريبة استيراد الاجزاء ترفع من كلفة السيارة مقارنة مع السيارة الوطنية..
واختم هذه المقالة بالإشارة إلى مجمع أجياد السوداني المختص في الصناعات والتركيب والذي يحتوي عدة خطوط تجميع على النحو التالي:
*تجميع عربات فلاحية موديل ماسى فيرجسون
* تجميع 3 أنواع من شاحنات رينو الفرنسية
* تجميع باصات المدينة و البصات السفرية
* خط لتجميع عربات الصالون من شركة رينو الفرنسية
*تعاقدت الشركة مع شركة هيونداي الكورية لتجميع عربات سونات أكسن SONATA – ACCENT
* تجميع الشاحنات الصغيرة اثنين و نصف طن
إذا كان ذلك ممكنا في السودان لماذا هو ليس بممكن في الجزائر؟!