تنمية

وهم الوهم .. وعشوائية النقد عند صديقنا رياض حاوي

بقلم: الدكتور محمد هندو
الأستاذ رياض صديقي، وأنا معه على تواصل متكرر، أستشيره وأستفيد من خبراته المتعددة في عدة مجالات، وهو أحد الكفاءات الوطنية في المجال الاقتصادي التي يفترض أن تـتبوّأ مكانها في النهوض بالجزائر، على غرار المئات والآلاف من أمثاله، لولا ما نحن فيه من الاستبداد والانغلاق السياسي الذي يحرم الجزائر من طاقاتها، ولعلمي بسعة أفقه، وترحيبه بالنقاش، وبالنظر للأهمية القصوى لما هو بصدد مناقشته هذه الأيام من مسائل الصيرفة الإسلامية، وبالنظر لاقتحامه النقد فيما ليس من اختصاصه، وبطريقة تفتقد لمنهجية العلم الذي درسناه وندرّسه في التكوين الشرعي، سواء في الجامعة الجزائرية، أو الجامعة المشرقية، أو في غير الجامعة من مضارب التعلم والتكوين، مما يأتي حتما ويقينا بنتائج عكسية مضرة، لا تخدم هدفه الذي ينشد من إتاحة المجال لتجربة الصيرفة الإسلامية، وتقويمها بالتدريج، حتى تصل إلى مبتغاها، وهو أفق نوافقه عليه، ولكن ليس بهذه الطريقة الهدّامة، التي تتوافق مع المتربّصين بالمرجعية الإسلامية والتراثية للأمة، والأستاذ رياض من أبناء الحركة الإصلاحية الإسلامية في الجزائر، فهو أصيل متأصّل راسخ القدم في ثابت المرجعية الإسلامية، ولكن قدمه زلّت في هذا الموضع، فوقع في استسهال النقد، والتسرّع في الحكم، لتحدُّثه فيما لم يحط به علمًا وفهمًا، وهو الفقه الإسلامي وأصوله ومناهج الاجتهاد والتشريع، فوافق بذلك من حيث لم يشعر نزعة الحداثويين ومبتغاهم في النيل من المرجعية التراثية وهدمها، ليحلّ محلّها الأهواء وشرائع الأشخاص بلا قيد ولا ضابط تحت إشراف النظم العالمية المتغلّبة.
وهذه الوقفة تتجاوز في الحقيقة أخي وصديقي الأستاذ رياض، فهي ليست شخصية، والقصد الأعلى: التأكيد على ثابت المنهجية في النقد، والكفّ عن تقحّم العلوم بلا إحاطة بشؤونها، لما في ذلك من المفاسد الكبيرة. ولذلك أقف مع الأستاذ رياض الوقفات المنهجية الآتية:
أولا: ما مختصر خليل؟ ومن الدكتور محمد هندو؟ ومن مالك؟
كتاب خليل بن إسحاق الجندي (من علماء القرن الثامن الهجري) هو: مختصر مختصر مختصر المدونة للإمام مالك، فالمدونة اختصرها علماء عديدون اختصارات عديدة، من أشهرها اختصار البراذعي، ثم اختصر هذا الاختصار ابن الحاجب، ثم اختصر هذا الاختصار خليل. والمدوّنة هي أجوبة الإمام مالك بن أنس الأصبحي: مؤسّس المدرسة الاجتهادية الكبرى مدرسة المالكية، وأحد من يدور التفقّه الإسلامي على فهمهم ومنهجهم. مالك بن أنس أحد أئمة المدينة المنورة، حيث عاش النبي صلى الله عليه وسلم وجسّد النموذج الأوّل للحياة الإنسانية على منهاج الوحي المنزّل من السّماء، في أبعادها المختلفة: الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها. نموذج يحمل المبادئ والكلّيات الكبرى، مع تفصيلات قليلة يُهتدى بها ويقاس عليها، وصل إلى مالك على مرمى قرن واحد من الزمان، متوارثا عمن عاش مع النبي ﷺ ليله ونهاره، من الصحابة ثم أبنائهم، حتى إنه لم يُـقل في عمل أهل مصر إنه حجة، إلا عمل أهل المدينة. فكان مالك أحد الأفذاذ الذين أكرمهم الله تعالى بأعلى درجات العالـِـمية التي تعني: إدراك أصول الوحي، وفهم الشريعة ومقاصدها، حتّى إنّ العلماء تأوّلوا قول النّبي صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن يضرب النّاس أكباد الإبل يلتمسون العلم، فلا يجدون عالماً أفقه من عالم المدينة) بأنه مالك. قال سفيان بن عُييْنة: نرى أنّ المراد بهذا الحديث مالك بن أنس. ومن مفارقات النقد العشوائي: جزم ابن تيمية بأنّ المعنيَّ بالحديث هو مالك. ابن تيمية شيخ ابن القيم وملهمه الذي يحذو حذوه في الصغيرة والكبيرة، فمالكٌ عند ابن تيمية وتلميذه مرجعية عليا، ولكن في النقد العشوائي المقلوب: فقه مالك (في هذه المسألة) غبي، وفقه ابن القيم ذكي! قال ابن تيمية: (ما دلّ عليه الحديث وأنّه مالك أمرٌ متقرّر لمن كان موجودًا، وبالتواتر لمن كان غائبا؛ فإنّه لا ريب أنّه لم يكن في عصر مالك أحدٌ ضرب إليه النّاسُ أكباد الإبل أكثر من مالك … فمعلوم أنّه بعد موت هؤلاء لم يكن في الأمة أعلم من مالك في ذلك العصر، وهذا لا ينازع فيه أحد من المسلمين، ولا رُحِل إلى أحد من علماء المدينة ما رُحِل إلى مالك، لا قبله ولا بعده، رُحِل إليه من المشرق والمغرب، ورُحِل إليه الناس على اختلاف طبقاتهم من العلماء والزهاد والملوك والعامة، وانتشر موطّؤه في الأرض حتى لا يُعرف في ذلك العصر كتاب بعد القرآن كان أكثر انتشاراً من الموطأ).
تلك العالِمية العظمى، والعقلية الإدراكية الفذة، المستمدّة استمدادًا مباشرا من عصر النبوة وأصول الوحي؛ صاغها مالك في أجوبة على نوازل عصره الدّينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فجمع بعض تلاميذه تلك الأجوبة في كتاب سُمّي: المدونة.
فلا أدري هل خفيت على الأستاذ رياض حقيقة هذه المكانة العلمية ولوازمها الإدراكية التي أشاد بها النصّ النّبوي المعصوم والمعظّم، في الوقت الذي يعظِّم فقهاء وضعيين يُسمّون بالفلاسفة والمفكّرين والاقتصاديين هم أهون من شسع نعل مالك؟ بل أخشى ما أخشاه أن يكون تأثّرا بامتعاض المذاهب الاقتصادية الوضعية من الاقتباس من الدّين، وبالثورة الأوروبية على صلة العلوم بالدّين؟ فإنّ هذه العلوم الوضعية لا يتشرّبها الإنسان حتى تدع فيها لوثة من لوثاتها إلاّ من عصمه الله.

الدّين الذي له مفهوم خاصّ ومتميّز في الإسلام، جعله نظامًا حياتيًا ليست بينه وبين بناء الحضارة أدنى هوّة، بل هو الحافز الأكبر، والإضافة النوعية التي جعلت المسلمين يبنون الحضارة، في الوقت الذي يفترض بنا العمل على إحياء صلة الدّين بالحياة، لا تكريس القطيعة بينهما.
كثيراً ما يطالعنا الأستاذ رياض بنظريات في الاقتصاد، أو في السّياسة، والاجتماع، منسوبةً إلى فلاسفتها المؤسّسين، وهي نظريات ذات امتدادت تاريخية إلى العصور القديمة: اليونان، والإغريق، والرومان، ثم العصور الوسطى المتزامنة مع ازدهار حركة الفقه الإسلامي، ثم عصر النهضة الأوروبية، وصولا إلى العصر الحديث. ولم نسمع الاقتصاديين يسخرون من الأفكار الاقتصادية للعصور القديمة أو الوسطى، ولم نسمع أحدًا قال: إنّ أفكار أيّ باحث في الاقتصاد في سنة 2020 تعادل وتكافئ نظريات الفلاسفة المؤسّسين: بدءًا بأفلاطون، وأرسطو، ووصولاً إلى فرانسوا كيناي، وآدم سميث، ودافيد ريكاردو، وتوماس مالتس، وجون ستيوارت ميل، وجان باتست ساي، وكارل ماكس، وألفريد مارشال، وجون كينز … بل كلّ باحث في الاقتصاد لا بدّ أن تكون له مرجعية اقتصادية، تمثّل مذهبا، ومدرسة ينتسب إليها، ويحوم حول أفكار مؤسّسيها وروّادها. فأتساءل: ما بال مدارس الفقه ليست كذلك؟! العجب كيف يُعتبر هؤلاء الوضعيون أئمة مؤسّسين، وعباقرة مفذلكين لعلم الاقتصاد، بينما الإمام مالك قوله كقول “لحساسنة” الذي لا أعرفه!وإسهامات أمثال: أبي يوسف، ويحيى بن آدم، وتقي الدين المقريزي، وابن خلدون: لا حدث، بل هي عبءٌ ثقيل نريد أن نتخلّص منه!

إذا كانت المذاهب الاقتصادية الوضعية تنطلق من الحسّ والعقل والوجود كمصادر أساسية للمعرفة، وتنظر إلى الإنسان على أنه مفصول عن القيم الإيمانية التي تضبط سلوكه وتحدّد توجهاته، وتنظر إلى الثروة على أنها أداة لإشباع الغرائز، وأنّ غاية الإنسان هو الحصول على حاجياته من الطبيعة التي يصفها بالشحّ والندرة. فمحصّلة اجتهادات الفقهاء الاقتصادية هي أيضا مذاهب اقتصادية تنبثق من عقيدة لها تصوّرها الخاص عن الكون والحياة، وعن الثروة والإنسان، وتنطلق من نظرية معرفية تقرّ بالوحي مصدرًا للمعرفة وتسترشد به في بناء منظومتها التشريعية والسلوكية، فهي ترى في الإنسان مخلوقا لله، مستخلفا في الأرض لعمارتها, ولعبادة خالقه ونيل رضاه، وتنظر إلى الثروة على أنها نعمة من الله لعباده خلقت لتكون معونة للعبد على القيام بواجب الخلافة، وأن إنتاجها وتوزيعها لا بد أن يخضع ابتداء وانتهاء لقيمة العدل.
فها أنذا أمعن في السؤال والمحاققة: هل تأسيس مدرسة في الفقه، بما تضمنته من أفكار اقتصادية مستمدة من الوحي أقل شأنا من تأسيس مدرسة اقتصادية وضعية هي بنت الإغريق والرومان واليونان، وقد تكون بنتا يهودية مترسّخة في الفكرة الربوية، فيرجع إليها الأستاذ رياض في فهم الاقتصاد دون حرج، بينما يتحرّج من المرجعية الفقهية التراثية مع أنها ليست أكثر تراثية من مرجعية الإغريق واليونان واقتصاديات القرون الوسطى؟!
أمّا الخرشي فليس أكثر من شارح للمتن، مفكّك لعبارته، أما الفقه فهو فيه مجرد راو وناقل، ولذلك فعبارة الخرشي التي استخفّ بها رياض، موجودة عند جميع الشرّاح، لأنها منطوق ومنصوص مالك في المدونة: (قلت: أرأيت دينا لي على رجل، أمرته أن يعمل به قراضا، أيجوز ذلك أم لا؟ قال: لا يجوز ذلك عند مالك. قلت: لم؟ قال: خوفا أن يكون إنما اعترى أن يؤخره بالدين ويزيده في دينه).
فالآن يا رياض أصبحت خصومتك -واستخفافك- في قولك: لماذا يا خرشي؟ مع الإمام مالك نفسه، لا مع الخرشي، ولا شراح خليل. بل أبشّرك بما يندى له الجبين: أصبحت خصومتك في هذه المسألة المنتظمة بلا شك ضمن نظرية اقتصادية إسلامية لا تتوافق مع توجهات اقتصادية وضعية، تراها أنت حتما لازما، وواقعا لا فكاك منه … أقول: أصبحت الخصومة مع ما اتفقت عليه المذاهب الأربعة في المسألة، فأنت الآن أمام أربع مدارس فقهية اتفقت في مسألة اقتصادية (المضاربة بالدّين) اتفاقا يدلّ على منظومة اقتصادية إسلامية ترى المسألة هكذا، ويدلّ على مذهب اقتصادي إسلامي يرى المسألة هكذا، وبهذا تسقط كلّ تلك المزايدات التي ادّعت أنّنا أمام فقيه ضعيف، أو موقف غريب للمالكية، لا علاقة له بالدليل، أو سلفية متحجّرة! بل نحن أمام المدرسة الاقتصادية الإسلامية بمذاهبها الأربعة التي ترفض المضاربة بالدّين لعلل متعددة منها: الاحتيال على الرّبا. إنه باختصار الفرق بين فلسفتين اقتصاديتين مختلفتين تماما: فلسفة يهودية مهيمنة على الاقتصاد العالمي قائمة على الرّبا والاحتكار، وفلسفة إسلامية أعلنت الحرب على الربا، فهي تسد ذرائعه وحيله من أبعد طريق.
قال ابن رشد الحفيد: (وجمهور العلماء مالك، والشافعي، وأبو حنيفة على أنه إذا كان لرجل على رجل دين؛ لم يجز أن يعطيه له قراضا قبل أن يقبضه. أما العلة عند مالك: فمخافة أن يكون أعسر بماله، فهو يريد أن يؤخره عنه على أن يزيد فيه، فيكون الربا المنهي عنه. وأما العلة عند الشافعي، وأبي حنيفة: فإنّ ما في الذمّة لا يتحوّل ويعود أمانة).
وقال ابن قدامة الحنبلي: (نصَّ أحمدُ على هذا، وهو قولُ أكثر أهل العلم، ولا نعلم فيه مخالفًا).وقال ابنُ المنذر: (أجمع كلُّ منْ نحفظُ عنهُ منْ أهل العلم، أنّه لا يجوز أنْ يجعل الرّجلُ دَيْنًا لهُ على رجلٍ مُضاربةً، ومـمَّنْ حفظنا ذلكَ عنهُ: عطاءٌ، والحكَمُ، وحـمَّاد، ومالكٌ، والثّوري، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرّأي، وبه قال الشافعي).
وقال الزحيلي في شروط المضاربة: (أن يكون رأس المال عيناً حاضرة لا ديناً: فلا تصحّ المضاربة على دين ولا على مال غائب. وعليه لا يجوز أن يقال لمن عليه دين: ضارب بالدّين الذي عليك. وهذا الشّرط والذي قبله باتفاق العلماء. والمضاربة بالدّين فاسدة؛ لأنّ المال الذي في يد من عليه دين له، وإنما يصير لدائنه أو غريمه بقبضه، ولم يوجد القبض ههنا).
إننا في اللحظة التي نضرب فيها هذا الاتفاق أو القول الجماهيري الكبير عرض الحائط، ونصفه بالغباء والضعف وعدم الفهم، لا نكون أمام خلاف على فرع فقهي، بل نكون أمام إشكالية منهجية كبيرة تتعلق بمفهوم المرجعية التي يُفترض أننا ننتسب إليها.
ومما يدل على عشوائية النقد الوارد على هذه المسألة: أنّ مؤسسات التأصيل للصيرفة الإسلامية المعاصرة، وهي الأحرص على أن يكون للصيرفة الإسلامية أفق رحب، تواجه فيه التحديات وتعالج الاختلالات بالتدريج، وتلتمس الحلول والمخارج ضمن إطار المنهج والأصول التراثية، فالصيرفة الإسلامية لم تعلن الخصومة مع التراث، بل تعلم جيدا أنها إذا لمحت بأدنى تلميح للخصومة مع التراث كما يفعل الأخ رياض؛ ستكون تلك لحظة وفاتها، وافتقادها لأدنى قيمة شرعية.

أنّ مؤسسات التأصيل للصيرفة الإسلامية المعاصرة، وهي الأحرص على أن يكون للصيرفة الإسلامية أفق رحب، تواجه فيه التحديات وتعالج الاختلالات بالتدريج، وتلتمس الحلول والمخارج ضمن إطار المنهج والأصول التراثية، فالصيرفة الإسلامية لم تعلن الخصومة مع التراث، بل تعلم جيدا أنها إذا لمحت بأدنى تلميح للخصومة مع التراث كما يفعل الأخ رياض؛ ستكون تلك لحظة وفاتها، وافتقادها لأدنى قيمة شرعية.

جاء في المعيار رقم (13) من معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية المصرفية AAOIFI:
(7/ 3): (لا يجوز أن يكون رأس المال دينا لرب المال على المضارب أو غيره). وجاء في المعيار: (مستند عدم جواز كون رأس المال دينا لرب المال على المضارب: هو أن الأصل فيه أن يكون عينا حاضرة، والدين مال غائب في الذمة. وفيه شبهة الربا؛ لأنه يتهم في تأخير دينه من أجل أن يزيده المدين بحيلة المضاربة).
الوقفة الثانية: المذهب المالكي رائد الروح المقاصدية:
في الوقت الذي يعتبر فيه الأخ رياض قول المالكية في المسألة غبيا، وقول ابن القيم ذكيا، دون دراسة ولا تمحيص؛ يجدر به أن يعلم أن المذهب المالكي هو رائد النزعة المقاصدية في الاجتهاد من بين جميع المذاهب، وهذا كلام الدارسين لمناهج وتاريخ التشريع، عن إحاطة وإلمام:
يقول أبو زهرة: (وإن نوع الأصول التي يزيد بها المذهب المالكي على غيره، ومسلكه في الأصول، يجعلانه أكثر مرونة وأقرب حيوية إلى مصالح الناس، وما يحسون وما يشعرون، وفي البيئات المختلفة، والمنازع المتباينة، والأقاليم المتنائية التي يشهدها المذهب المالكي، كان التخريج عليه قائمًا؛ فكل عالم ومفتٍ يستنبط من الأحكام ما يتفق مع المصلحة، ويخضع لعرف بلده، تحت ظل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم).
فمذهب المالكية يمتاز بسعة فقه الاستثناء والاستصلاح والاستحسان حتى ادعي أنه انفرد بذلك عن سائر المذاهب، وأنه أفرط، فقال الجويني الشافعي: (وأفرط الإمام، إمام دار الهجرة مالك ابن أنس في القول بالاستدلال، فرئي يثبت مصالح بعيدة عن المصالح المألوفة والمعاني المعروفة في الشريعة)، وقال ابن دقيق العيد: (الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحا على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتباره في الجملة)، وقال ابن العربي: (كان مذهب مالك أشرف المذاهب لتتبعه المعاني، وإعراضه عن الظاهر).
ولذلك فنحن نقر أن الإمامين ابن تيمية وابن القيم مقاصديان بامتياز، ولكن مقاصديتهما ما هي إلا نتاج التأثر بمذهب المالكية، وبالحنبلية المتأثرة بدورها بالمالكية، فهما فرع من أصل، ولذلك نجد الكثير من الاختيارات الفقهية للإمامين ابن تيمية وابن القيم في باب المعاملات المالية؛ هي ترجيحات لمذهب المالكية على غيره. بل نص ابن تيمية شيخ ابن القيم أن مذهب الإمام مالك هو أصح المذاهب أصولا وفروعا .. فقال: (مذهب أهل المدينة .. في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أصح مذاهب أهل المدائن الإسلامية شرقا وغربا في الأصول والفروع)، وقال: (فلا ريب عند أحد أنّ مالكًا رضي الله عنه أقوم الناس بمذهب أهل المدينة رواية ورأيا، فإنه لم يكن في عصره ولا بعده أقوم بذلك منه، كان له من المكانة عند أهل الإسلام -الخاص منهم والعام- ما لا يخفى على من له بالعلم أدنى إلمام). وقال: (من تدبّر أصول الإسلام وقواعد الشريعة وجد أصول مالك وأهل المدينة أصحّ الأصول والقواعد).
هذا على جهة العموم، أمّا على جهة التخصيص بالمعاملات المالية، فقال ابن تيمية شيخ ابن القيم الذي لا يكاد يخرج عن اختياراته: (فأصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره، فإنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيّب الذي كان يقال: هو أفقه الناس في البيوع … والإمام أحمد موافق لمالك في ذلك في الأغلب؛ فإنهما يحرّمان الرّبا ويشدّدان فيه حقّ التشديد؛ لما تقدّم من شدّة تحريمه وعظم مفسدته، ويمنعان الاحتيال عليه بكلّ طريق حتى يمنعا الذريعة المفضية إليه وإن لم تكن حيلة).
على هذا الأساس اختار ابن تيمية وابن القيم مذهب المالكية في:
– صحة العقود بكل صيغة تدل عليها.
– وبطلان بيع السكران، وأنه هدر لا يلزمه.
– وجواز بيع الفضولي وشرائه موقوفين على إجازة المالك.
– وصحة الشرط المتقدم على عقد البيع، وأنه كالمقارن له.
– وجواز بيع اللبن في الضرع موصوفا في الذمة.
– وجواز بيع الكلأ الذي قصد صاحب الأرض استنباته.
– وجواز التسعير عند الحاجة.
– وجواز تأجيل دين السلم إلى أجل تقريبي.
– وجواز الاعتياض عن المسلم فيه بغير جنسه بسعر يومه.
– واعتبار الثمنية المطلقة علة الربا في النقدين.
– وتحريم التورق.
– وجواز بيع الموزونات الربوية بالتحري عند الحاجة.
– وجواز العرايا في غير الرطب من الثمار.
– وجواز استئجار الدابة بعلفها.
– وجواز قرض المنافع.
– وصحة تعليق الوقف على الشرط.
– وصحة وقف المنافع.
– وصحة هبة المعدوم والمجهول.
– … وغيرها من عشرات المسائل الدالة على صحة أصول المالكية لدرجة التأثير في أئمة المذاهب الأخرى، كهذين الإمامين من أئمة الحنابلة.
فنتساءل: هل سيصبح المالكية أذكياء في هذه المسائل؛ لأنّ ابن القيم سيوافقهم فيها تبعًا لشيخه؟! أم أن المسألة معكوسة: ذكاء مأخوذ من ذكاء أكبر وأشمل وأوسع؟
وإلا متى نعرف أنّ المالكية أغبياء وابن القيم ذكي، أو أنهم أذكياء وابن القيم غبي؟! بأي منهج ومعيار؟! هل بضغوط المذاهب الاقتصادية الوضعية ورسوخ الربا فيها؟! هل بالتلفيق والتمحل في الفتوى؟! هل عند الأخ رياض منهج حاكم مطرد نعرف به الذكي والغبي بما أنه يدعونا أن نرمي التراث إلى البحر؟! هاه .. رمينا التراث وتخلصنا منه .. ما العمل الآن؟ بأي شريعة ونظام ومنهج نحاكم المعاملات المالية؟! وهذا ما يقودني إلى الوقفة الموالية.
الوقفة الثالثة: نناقش المنهج أم الجزئيات؟
التفكير العلمي المنهجي يقتضي أن يكون للعالم أصول وقواعد حاكمة على تفكيره الاجتهادي يرجع إليها باطراد، أما إذا غاب المنهج فيحضر التلفيق، ومن ورائه الهوى، أو الخوف، أو الجبن، أو المغلوبية والانهزام وغيرها من آفات العقل والنفس. ولذلك مهما انتقدنا فرعا فقهيا يجب أن يكون النقد وفق الأصول والقواعد لا وفق المزاج، وتوافق مصلحة جزئية قد تكون موهومة مع تلك المسألة الجزئية.
ولمزيد من التوضيح أرجع إلى مسألة الباب: المضاربة بالدين، ولنأخذ إحدى علل التحريم، وهي سد ذريعة التحيل على الربا، وهو أصل مالكي واسع التطبيق، أن كل معاملة تحتمل أن يتذرع بها إلى الربا، فالنظرية الاقتصادية المالكية تتوسع في منعها، وهذا قائم على أصل تقصيد الشريعة.
تقصيد الشريعة والعناية بالروح والمعنى، دون جمود على القوالب والألفاظ: كلام نحبه، ونلوكه صباح مساء، لكن المشكلة هي توهم البعض أن المقاصد شيء يخاط على مقاس الآراء، نرى الرأي الذي لا يتأسس على منهج اجتهادي صحيح، ثم نجعله أليق بمقاصد الشريعة قسرا وعنوة.
بينما المنهج التشريعي المعروف: أنّ مقاصد التشريع لا تتحقق إلا بموافقة مقاصد المكلّفين في تصرفاتهم لمقاصد التشريع، أمّا إذا احتال المكلف على مقصد الشرع، فتصرّف بصورة ظاهرها الموافقة وباطنها المخادعة، انهدمت مقاصد التشريع من أساسها بتصرفه، وإن كان الظاهر صحيحا سليما. لذلك نص إمام المقاصد الشاطبي أنّ مراعاة مقاصد المكلّفين شرط في تحقيق مقاصد الشريعة، والشاطبي فهم ذلك وأخذه عن المدرسة المالكية المقاصدية. وهذا الأصل: أنّ مقاصد المكلف معتبرة مؤثرة في صحة التصرف دلّ عليه من الأدلة العشرات التي لا تحصى في هذا الموضع، في الوقت الذي يدّعي أخونا رياض أنّ سدّ ذريعة التحايل على الرّبا في المضاربة بالدّين لا دليل عليه! وأنا أحليه في هذا الباب على كتاب (نظرية الباعث) لأستاذنا عبد الرحمن الكيلاني، ليقف على أصول النظرية في عشرات الأدلة.
على هذا الأساس التشريعي الكبير (مراعاة مقاصد المكلفين) نصّ المالكية على اعتبار التهمة أصلا من الأصول التي تبنى عليها الأحكام الشرعية واحتاطوا لكلّ ما عسى أن يكون طريقا إلى المفسدة.
هذا في الزمن الأول حيث كانت الجامعة الإسلامية قائمة، وكانت غالبة مهيمنة، وكان الصلاح غالبا، فما بالك إذا أصبح الشرع مهيمنا عليه، مزاحا بالكلية عن التدبير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، هل نكرس نحن هذا الاستبعاد؟
وهذا الأصل (مراعاة مقاصد المكلفين) يؤخذ مجرّدًا، ثم يحكّم في المسائل تحكيمًا معياريًا مطّردًا، لا تحكيمًا انتقائيًا. ولذلك فالأخ رياض سيتقبّل بأريحية تطبيق هذا الأصل على مسائل مثل: طلاق المبتوتة في مرض الموت، وزواج التحليل، والفرار من الزكاة، وقتل المورّث، وبيع السلاح زمن الحرب، وبيع العنب لمن يعصره خمرا. ولكن يبدو أن النظرية لن تعجبه في منع بيوع العينة التي هي تحايل على الربا، ومنع التورّق المنظّم، ومنع المضاربة بالدّين، لا لشيء إلاّ للوقوع تحت سطوة النظريات الاقتصادية الوضعية.
إنّ ما أعجبك هنا وأزعجك هناك؛ هو ذات الأصل الذي دلّت عليه ذات الأدلة، وهذه هي فائدة المنهج: الاطراد والجريان على ما يشتمل عليه بالقوة الذهنية، والقوة الحكمية، ولعمري هذا هو الدليل أنّ اجتهادات الفقهاء صادرة عن مشكاة النبوة، وعن ربانية المنهج، ليس عن الأمزجة والأذواق. ولا علاقة لذلك بالذكاء والغباء، ولا بالجهل بالمعاملات المعاصرة وعدم تخيّلها، فإنّ المعاملات المعاصرة مستوعبة في الكليات الناظمة للنظرية الاقتصادية في الإسلام، وإنما الاجتهاد في التنزيل والتخريج وتحقيق المناط.
الوقفة الرابعة: الغالبية الحضارية تكون بالعودة التدريجية إلى الأصول، لا بالتفريط فيها.
الحقيقة التي نشارك أحيانا في ردمها من حيث لا نشعر: أن النظريات الإسلامية مغيبة قهرا عن المشاركة في تدبير الحياة المعاصرة، فهل يمكن اتهام نظريا ت بالقصور والفشل وهي مقصاة عن التطبيق، أليس الأجدر أن تحكم أولا، ثم نرى هل هي فاشلة أم ناجحة؟ وبدل أن نتدرج في استعادة نظرياتنا المعرفية المستلهمة من الوحي وعلوم الدين، نقع في سب الفقهاء وتنقيصهم واتهامهم بأنهم لا يفهمون، لصالح من؟ إن لم يكن لصالح مزيد من التغييب والاستعاضة عن الشرع بأهواء الشرق والغرب؟!