الاقتصاد

الدينار الدولار والحكومة

ستظل الحكومة تعيش في وهم كبير اذا لم تحل مشكلة علاقة الدينار بالدولار، لن يكون هناك لا تصدير ولا قدرة على تقليل الواردات طالما مؤشر العلاقة بين العملة الوطنية وعملة الاحتياطي غير صحيحة. ولذلك كل تصدير سيكون دعم للمستورد الأجنبي وكل استيراد هو استنزاف للعملة الصعبة التي مصدرها الوحيد هو النفط.

تحدثت في منشور سابق أن الدولار يجب أن يكسب قوة عملة صعبة عالمية مثل الدولار، ولا يوجد غيره لأن معظم احتياطي العملة الجزائري بالدولار، بحكم صادراتنا النفطية ولان معظم تعاملاتنا العالمية بالدولار، سواء مع الصين المورد الأول أو مع روسيا او البرازيل.

المسألة ليست أسرارا لا يعرفها سوى جماعة وول ستريت أو رواد بورصة لندن

كل ما في الأمر هو بعض الانضباط الحكومي في تسيير الكتلة النقدية بالدينار في علاقتها بعملة الاحتياطي النقدي الدولار. 

الاستمرار في الوضع الحالي سيؤدي إلى تآكل متسارع لاحتياطي العملة الصعبة، والأمر يحتاج بعض الانضباط الحكومي والقدرة على تبليغ المعلومات للمواطنين بشكل سلس وصحيح.

الاقتصاد الوطني يحتاج إلى عملة وطنية قوية لتشجيع الصادرات وتقليل الواردات التي لها بديل محلي وبتكلفة أقل. 

كلما كان سعر الصرف غير واقعي أي سعر اداري بيروقراطي كلما أعطى معلومات غير صحيحة. وجعل منتجات محلية رخيصة تبدو غالية في مقابل منتجات مستوردة تبدو رخيصة بسبب وجود سعر صرف غير صحيح ولا يعكس حقائق السوق. 

للأسف السعر القائم حاليا يعكس دائما دعم الواردات خشية ارتفاع الأسعار محليا، وهذا يدمر كل فرص التصنيع المحلية لان الواردات تبدو رخيصة.. وكل عملية تصدير بمدخلات مستوردة منخفضة التكلفة تؤدي إلى اعادة اخراج للدولار في شكل اسعار غير صحيحة ومدعمة بسعر الصرف الرسمي. فالبلد يخسر مرتين. 

وقد وضعت جدولا صغيرا في الصور لتوضيح هذا الأمر بالأرقام. 

فالعصير المستورد أرخص من العصير المنتج محليا بسبب وجود سعر صرف اداري غير صحيح، وبمجرد تصحيح سعر الصرف يصبح العصير المنتج محليا رخيصا بفضل تواجد سعر صرف حقيقي وواقعي. والأهم يصبح قابل للتصدير لان معطيات الانتاج كلها محلية بمجرد ما تتحول إلى الدولار تصبح أقل من السعر في دول اخرى لديها تكلفة انتاج اعلى من الجزائر وتكلفة عمالة اعلى من الجزائر فيصبح المنتج قابل للتصدير.

وهذا الذي يفسر حرص كثير من الدول على تخفيض قيمة العملة لتشجيع الصادرات على حساب الواردات ونزيف العملة الصعبة.

والأخطر من ذلك في غياب انضباط حكومي تظهر اجراءات ادارية لمحاصرة السوق أو وضع قائمة لمنتجات لا يمكن استيرادها أو وضع قائمة بالمستوردين الحصريين وكلها إجراءات بيروقراطية ستزيد الفساد بشكل او بآخر في حين يستطيع سعر صرف منطقي يعكس قوى السوق الحقيقية أن يقوم بالعمل المناسب دون تدخل إداري. يشجع الصدارات لما تكون الصادرات قابلة للتسويق الدولي ويقلل الواردات لما تكون الواردات لها بديل محلي بتكلفة أقل.

الهدف دائما أن يكون الدينار لديه نفس قوة الدولار رصيدنا الاحتياطي من العملة الصعبة.

وكل تأخر سيؤدي إلى تآكل العملة الصعبة، وهي تتآكل بوتيرة متسارعة بسبب الاستمرار في العجز في الميزان التجاري. كل عجز هو تحويل جزء من الاحتياطي إلى الخارج لتغطية الفارق.

وكما ذكرت ربط الدينار بالدولار ربطا محكما يجعل الدينار يكتسب كل خصائص قوة عملة الدولار.

بشرط انضباط البنك المركزي والحكومة.

فرضيات المقالة للتبسيط

احتياطي العملة الصعبة: 57 مليار دولار

الكتلة النقدية: 15 ترليون دينار جزائري.

سعر التوازن لسعر الصرف هو 260 دينار لكل دولار.  (14 ترليون دينار قسمة 57 مليار دولار)

(هناك من يقول أنه لدينا فقط 5 ترليون دينار متداولة يعني سعر الصرف في حدود 90 دينار لكل دولار.. الامر يحتاج إلى تدقيق في المعطيات من مصادرها هذه فقط فرضيات عامة للشرح)

هناك سيناريوهات كلها مرتبطة بمدى انضباط البيروقراطية في تسيير الشأن العام. 

أولا: السيناريو الكارثي في حالة لم ينتبه صانع القرار لأهمية تغيير سلوكه الاقتصادي

*سعر صرف إداري لا يعكس التوازن بين الكتلة النقدية بالدينار والاحتياطي بالدولار

*تآكل الاحتياطي من العملة الصعبة بسبب الاستمرار في العجز في الميزان التجاري، علما ان التآكل في السنوات الماضية تجاوز 20% سنويا وهذا مؤشر خطير (300 مليار قبل سبع سنوات والباقي حاليا 57 مليار).

*زيادة في الإنفاق الحكومي بسبب الاستمرار في عجز الموازنة العامة. الارقام تقول انه بمجرد أن يبلغ الاحتياطي 30 مليار دولار فان سعر الصرف الحقيقي يكون قد تضاعف بشكل كبير جدا (الجدول الأول). اذا تم التمسك بسعر الصرف الإداري (الذي يتغير ببطئ) فان الكارثة تكون أعمق واخطر.

ثانيا: الحفاظ على الكتلة الحالية بالدينار (عدم زيادة العجز في الإنفاق الحكومي أكثر من هذا المستوى) ولكن إلغاء العجز في الميزان التجاري وتحقيق زيادة في تراكم العملة الصعبة  فتتحسن مستويات سعر الصرف (الجدول الثاني)

ثالثا: الحفاظ على الكتلة الحالية مع تراجع احتياطات النفط وهذا يؤدي إلى تراجع سعر الصرف الحقيقي والذي سيخفف من مشكلة تآكل أسرع في حالة اعتماد سعر صرف أقل من مستوى التوازن.

ثالثا: الحفاظ على كتلة الحالية بالدينار ولكن عدم التحكم في الميزان التجاري وهذا يؤدي أيضا إلى تراجع سعر الصرف الحقيقي وتزيد نسبة الدعم للمواد المستوردة من الاحتياطي الدعم المباشر والدعم غير المباشر علر سعر الصرف المدعم.

رابعا: السيناريو المثالي:

*إلغاء العجز في الميزان التجاري ومراكمة الفائض (لا نشتري أكثر مما نبيع)

*إلغاء العجز في الإنفاق العمومي وامتصاص الفائض من الكتلة النقدية

(الجدول الثالث)

*النتيجة المباشرة: 

يتحسن سعر الصرف إلى مستويات أعلى، ومن ثم يتحسن مستوى المعيشة وتتحسن القدرة الشرائية للمواطن الجزائري. 

لو يرتفع الاحتياطي بالعملة الصعبة إلى 70 مليار وتنخفض الكتلة النقدية بالدينار المتداولة بثلاثة ترليون دينار يرتفع سعر الصرف من 260  إلى 160. بمعنى لو راتب مواطن جزائري هو 26000 دينار بما يعادل مئة دولار (بسعر صرف 260) بمجرد ما يرتفع سعر الصرف تصبح قوة الراتب تعادل 162 دولار بزيادة لا تقل عن 60% دون ان تتغير كتلة الراتب بالدينار. فالأصل ليس كمية العملة ولكن كم تستطيع ان تشتري من سلع وخدمات داخليا وخارجيا.

في كل هذه السيناريوهات يطفو على السطح الحل المثالي والقابل للتطبيق: 

* إنشاء مجلس النقد أو مجلس العملة داخل البنك المركزي

* إعطاء صلاحية الاصدار النقدي لمجلس النقد أو مجلس العملة حصريا

* الربط بين الدينار والدولار ربطا وثيقا (كل دينار يقابله دولار)

* دخل الحكومة هو الجباية لا غيرها

* البنك المركزي هو بنك الدولة وليس بنك الحكومة: الحكومة عليها ان تلجأ للسوق (البنوك التجارية) في حالة العجز ولا يمكنها ان تطلب من البنك المركزي تغطية عجزها لان البنك المركزي هو بنك الدولة (جميع المواطنين وجميع الشركات والمؤسسات التي يملكها المواطنون والحكومة تملك حسابا كغيرها) وليس بنك الحكومة.

* إلغاء السعر الإداري لسعر الصرف فورا (تصحيح سعر الصرف)، وذلك عبر جعل كل إصدار نقدي بالدينار يقابله احتياطي من العملة الصعبة. 

* التحكم في العجز في الميزان التجاري، يجب أن لا يكون هناك عجز. (اشتري على قدر ما أبيع)

* إلغاء العجز في الميزانية العامة (الحكومة تصرف على قدر مداخيلها). 

* لا يزيد الاصدار النقدي إلا بقدر ما يزيد الاحتياط من العملة الصعبة. 

* لا يمكن للحكومة ان تتوسع في المصاريف الا اذا توسعت في المداخيل وحققت فائضا في ميزانيتها

* لا يمكن الاقتراض الاستثماري إلا بزيادة الاحتياطي من العملة الصعبة. الإقراض بالدينار مجرد وهم. لانه سيتم تحويله إلى العملة الصعبة لاقتناء الحاجيات ووسائل الانتاج والمواد الخام من الخارج. فالاقراض يتوسع بتوسع الاحتياط من العملة الصعبة.

ويتم ذلك بقرار واحد جعل الدينار كعملة وطنية قوية بقوة الدولار، لا يمكن للسياسي ان يلعب به. يعني يجب ان يحترم العملة الوطنية ويعاملها بتبجيل مثلما يحترم الدولار ولا يستطيع العبث به أو طباعته في مطبعته الحكومية.

من النتائج المباشرة القضاء على التضخم المحلي.

وكذلك القضاء تلقائيا على سعر الصرف الموازي. لان الدينار يعادل نسبة من الدولار وقابل للتحويل رسميا. فليس هناك حاجة للسوق الموازي فتزول الحوافز.