الاقتصاد

سعر الصرف والاحتياط النقدي

رياض حاوي

عندما يتم تحويل بنكي من دولة الى اخرى.. بداهة يتم اقتطاع من رصيد الدولة بالعملة الصعبة وهو احتياطي بالدولار لدى البنوك في نيويورك.. حتى ولو في نفس الدولة وقام احدهما بتحويل الدولار الى حساب شخص آخر فان العملية الاصلية تتم في امريكا حيث الاحتياطي العالمي بالدولار..

ولتوضيح هذه العملية عادة اقدم هذه الصورة:

لو يقوم تاجر في اي بلد بطلب بضاعة من مصدر في الصين.. المصدر الصيني يرسل فاتورة بالدولار.. شئنا ام ابينا الدولار هو عملة التبادل العالمي.. ومحل ثقة كل الشركاء.. وهذا مصدر قوة الاقتصاد الامريكي حاليا… فيقوم التاجر في بلد الاستقبال بدفع قيمة البضاعة بالعملة المحلية التي يحولها البنك المحلي برعاية البنك المركزي الى دولار حسب سعر الصرف.. ويقتطع البنك المبلغ من رصيد التاجر بالدولار.. عمليا لا ياتي موظف من البنك الى بيت التاجر ويأخذ الدولارات في حقيبة ويرسل عبر الطائرة الدولارات الى المصدر الصيني.. عمليا تحدث اقتطاعات في بنوك نيويورك.. والاهم من ذلك ان الاقتطاع يحدث في رصيد البنك المركزي لكل بلد من احتياطي الدولار.. لو ياتي تاجر ويشتري بضاعة من الصئزشس3ين بقيمة ١٠ مليون دولار ولكن يدفع لبنك بلده بالعملة المحلية والبنك المحلي يحولها الى الدولار بحسب سعر الصرف.. 

كل تحويل خارجي او داخلي يمر عبر البنك المركزي للدولة.. قبل ان يمر الى البنك التجاري المحلي ثم الى حساب المستفيد..

وهنا ياتي دور البنوك المركزية في ضبط اسعار الصرف بحسب ما لديها من احتياطي من العملة الصعبة وبحسب العرض والطلب .. وبحسب معادلات وتخمينات تخطئ وتصيب.. وسعر الصرف هذا لا احد يستطيع ان يقول فيه القول الفصل.. 

ولكن من اين تاتي الدولارات التي يطلب تحويلها الى المصدر الصيني.. التاجر دفع اوراقا نقدية لا قيمة لها خارج اسوار بلده.. لو تاخذ عشرة مليون دينار جزايري الى مدغشقر لا احد يعيرها اهتمام.. وعشرة ارياري مدغشقري اغلى من عشرة مليون دينار جزايري في مدغشقر.. 

اذن من اين تاتي الدولارات؟؟…

تاتي من احتياطي البلد في العملة الصعبة وهو مجمل تعاملات التجارية وخاصة الصادرات سواء لقطاعات الدولة او الخواص وما يكسبونه من دولارات نظير ما يقدمونه من سلع او خدمات او مواد اولية مثل النفط.. وبالنفس الصورة الكاريكاتورية اعلاه.. ليس هناك طايرة تقلع من نيويورك وتحمل عشرة مليون دولار وتذهب الى المصنع الصيني وتقول له هذه دولارات الجزائري.. 

العملية كلها تتم الكترونيا في بنوك نيويورك مثل سيتي بنك او جولدمن ساش او غيرها…

هذا السيناريو يستوي فيه الصيني مع الهندي مع الروسي مع الياباني مع الفرنسي… وحتى اليورو عملة تخضع في التبادلات لسعر الصرف.. وبعض الدول الافريقية تخسر مرتين مرة بتحويل عمبتها المحلية الى يورو ومرة بتحويل اليورو الى دولار.. 

كلنا في هذا العالم نعتمد ونثق في البنوك الامريكية.. اذا قالت لنا فلان حول لك مبلغا وقدره كذا نصدقها.. ولا يلزمنا رؤية هذه النقود… فامريكا ضامن لاستقرار الاقتصاد العالمي..

هناك استنتاجات اساسية تنبني على ماذكر اعلاه..

*الدول التي لديها صادرات بقدر وارداتها.. لا تتاثر كثيرا عملتها.. ولا احتياطيها النقدي لان اقتصادها في اتجاهين..

*الدول التي يقوم اقتصادها على منتج واحد مثل النفط.. هي دول تنزف دائما.. لانها دول تغطي مصاريفها من احتياطيها الذي له مصدر واحد.. وكل دولار يخرج لا يعود.. مواطن يذهبيبصب الى محل بيع سيارات يعطيه مية الف دينار من العملة التي لا تساوي شيئا خارج الحدود من اجل اقتناء سيارة.. وهذا المبلغ يحول الى الدولار تحويل سياسي اكثر منه تقني.. ويقتطع فعليا من رصيد الدولار الذي وصل الخزينة مقابل النفط الذي تم بيعه…

*اما الدول التي لا تملك صادرات او لديها صادرات ضعيفة.. فهي ترزح تحت الديون ومثال ذلك المغرب وعشرات الدول الاخرى الذي بلغت ديونها مليارات الدولارات..

* الاستعراض الذي قامت به الجهات الامنية في مطاردة شباب يتاجرون في العملة كي يحلو مشكلات طارئة مثل حاجة احدهم للعملة الصعبة كي يشتري دواء.. او يقضي عطلة خارج الوطن.. او يعمل عملية في الخارج.. او يدعم دراسة ابنه.. هذه استعراضات تافهة تدل على غيبوبة صانع القرار او استغباء للراي العام.. فمهما كان حجم سوق العملة النقدي في السوق السوداء لن يصل حجم نزيف عقد واحد تقوم به شركة من الشركات المحضية التي تكدس العملة المحلية وتاخذ العملة الصعبة… وتستورد منتجات لا معنى لها…

* طيب كيف تنهار العملة؟

كلما نقص رصيد البنك المركزي من الدولار.. يحتاج البنك المركزي ان يطلب اكبر قدر ممكن من العملة المحلية ليعطي مقابلا لها اقل قدر ممكن من الدولار… وكلما نقص الاحتياطي.. كلما انهارات العملة.. 

وقد تلجأ الدول الى توقيف التحويلات.. كما فعلت الجزاير قبل سنوات عندما اوقفت القروض الاستهلاكية في عهد اويحي بسبب نزيف استيراد السيارات التجارية.. اذ بلغ الاستيراد سنويا ما يقارب ٨ مليار دولار وهو مبلغ كفيل ببناء عشر مصانع للسيارات داخل الوطن وتوظيف الاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة.. او ما فرضه البنك المركزي الجزايري.. لا تحويل الا باعتماد بنكي معزز.. للتحكم في تسرب العملة الصعبة المنفلتة.. والاعتماد البنكي يشترط وثيقة شحن حقيقية صادرة من شركة عالمية لتضييق الخناق على مهربي العملة عبر الفواتير المزورة..

وباختصار اذا لم يتم التحكم في الصرفيات بشكل عقلاني.. يذوب الاحتياطي النقدي بسرعة.. فتنهار العملة وتعجز الدولة عن الاستيراد وتغطية الاساسيات.. وتتوقف عجلة الاقتصاد..