الثقافة

من الفكرة الى المشروع

رياض حاويidea

قد يكون الباحث في مجال العلوم الدقيقة متقنا لكل النظريات العلمية وقادر على حل كل التمارين فوق الكراريس، لكن الدخول الى المخبر وانجاز تجربة صغيرة يصبح أمر جلل، لانه ببساطة عليه ان ينتقل من فسحة التنظير الى واقعية الانجاز ومن تصورات التجريد الى تعقيدات التطبيق العملي.

قد يكون المنظر الاجتماعي ملما بتاريخ المجتمعات مستوعبا للفكر النظري في التغيير الاجتماعي دارسا لنماذج وتجارب شعوب مختلفة ولكن الانخراط في حركة التغيير يقتضي وضع النظري في سياق التجربة العملية والتحول من الأفكار الى المشاريع ومن الرؤى الى الانجازات المشاهدة في الواقع.

وهنا بالضبط تجد الفارق بين الشعوب والمؤسسات والدول.

الفارق في كيفية وضع الأفكار محل التطبيق، وتحويل التطلعات والتصورات الى مشاريع وانجازات في الواقع وليس في الخيال.. وحشد ما يلزم من الطاقات البشرية والامكانات وخلق الظروف المناسبة لنمو المشاريع وازدهارها وحمايتها من كل العوائق وتجاوز الصعوبات التي تقف في طريقها.

وإذا استعرضنا تجارب المصلحين الاجتماعيين والعباقرة المخترعين والفلاسفة ذوي الاستشراف سنجد أن التحولات الحقيقية تبدأ بالضبط في ظهور أول الخطوات العملية.

فالحركة الإجتماعية التي غيرت وجه التاريخ في مجتمع ما بدأت مجموعة أفكار ثم تحولت الى مجموعة خطوات عملية بسيطة ثم مجموعة مشاريع تتفاعل مع المجتمع ثم مجموعة انجازات ثم نتائج فتحولات اجتماعية وتغيرات تاريخية عاصفة.

وكذلك عالم في مخبره يطارد فكرة من الأفكار المجنونة ويجتهد لتفسير ظاهرة كونية وحل ألغازها، يصل الى نتائج مهمة تقلب فهمنا للظواهر. لكن هذه الفكرة المجردة ستبق حبيسة المخبر ودفاتر الباحث مالم تتحول الى انجازات تغير وجه التاريخ.

ولو رجعنا الى استلهام التجربة الجزائرية سنلاحظ أن التاريخ تغيّر بالأفكار التي تحولت الى مشاريع، فلقاءات المدينة المنورة بين الرواد ابن باديس والبشير الابراهيمي كانت لقاءات فكرية واطروحات نظرية وآمال وأحلام ولكن الارادة الصلبة والقناعة التامة باهمية تحويل الفكرة الى مشروع هي التي جعلت جلسات المدينة المنورة تتحول الى مدارس عامرة بالتلاميذ وجرائد تدافع عن هوية الشعب الجزائري وجحافل من الخب الجديدة التي تكونت وحملت مشعل التغيي.. أي تحولت الى واقع حي لا تزال آثاره الى يوم الناس هذا.

ونفس الأمر يستشفه القارئ لمذكرات مصالي الحاج، سيلاحظ تلك الروح المتوثبة المتطلعة التي تملك مجموعة من الأفكار ولكنها لم تكتف بتلك الأفكار في عالم التجريد بل هي روح قادرة على جمع الناس لتحقيق أهداف وبناء مشاريع وتشكيل تيار فكري استقلالي وبناء مؤسسات حزبية وتدريب الأجيال الصاعدة على فنون النظال السياسي بل العسكري أيضا والذي جرف الاستعمار وطرده من الديار.

كل التجارب الناجحة هي مجموعة أفكار تحولت الى مشاريع، ولم تبق حبيسة الحلقة النظرية. واخراج الفكرة من عالم التجريد الى عالم الانجاز يحتاج الى مهارات فنية وقيادات عملية وخطوات واقعية. كل خطوة تؤدي الى ما يليها وكل لبنة ترفع جدار التغيير بمقدار يتأسس على السابق ويمهد للاحق.

انها مهارة تكييف الأفكار مع اللحظة التاريخية التي يمر بها المجتمع، وحشد الطاقات البشرية والنواة الفاعلة التي على كاهلها يقام صرح التغيير المنشود، وتوفير الامكانات والموارد اللازمة التي تحقق المشروع. والإمكان هنا ليس فقط الجهد المالي، حيث كثيرا ما يحصر فيه، ولكنه يتجاوزه الى عدة جوانب أخرى وخاصة وضع الخطط الواقعية حسب المراحل وتوفير الموارد البشرية والرجال القادرين على الانجاز الحضاري.

من الفكرة الى المشروع أصبحت مواد تدرس في المعاهد المتخصصة ومحاضرات وهموم معرفية تتقاطع في عدة مجالات من العلوم السياسية الى العلوم الاقتصادية الى العلوم الاجتماعية الى علوم الادارة والتسيير، وهناك نظريات تتداول وتناقش وطرق عملية تتعلم ومهارات تكتسب طبعا بالممارسة والتطبيق.

ماذا نسمي المثقف الذي يعجز عن الانتظام والتهيكل والانخراط في العمل الجماعي.. بكل ما يعنيه من ادارة الطاقات البشرية، وتحديد الأهداف والسهر على انجاح برنامج العمل، وتحمل صعوبات الأمزجة والأفكار المتعددة والكفاءات المختلفة والتقديرات للامور التي تتعدد.. وتنظيم الموارد البشرية وتفعيل الأداء العملي؟

سر تحولات التاريخ بالضبط تكمن في هذه المفردات: من الفكرة الى المشروع.. ويمكن ان نقول هذه هي الحلقة المفقودة.

نشر في جريدة البصائر على هذا الرابط

http://www.albassair.org/journal/822.pdf

basair1