الاقتصاد

الفرص المتاحة في خضم الأزمة الاقتصادية العالمية!

بقلم: رياض حاوي

في عالم الاقتصاد هناك وجه مشرق لكل أزمة اقتصادية تماما مثل حركة الليل والنهار، فظلمة نصف الأرض تتزامن دائما مع اشراق النصف economic-crisisالثاني، وإذا كان الناس هنا يغطون في نوم عميق فإنهم هناك في حركة دائبة ونشاط مستمر، ولذلك كثير من اللاعبين الكبار في بورصات آسيا يستفيدون بشكل رائع واستثنائي من نتائج بورصة نيويورك ولندن التي تغلق قبل بضعة ساعات من افتتاح بورصة نيكاي في طوكيو لتتلوها بورصات الصين وتايوان وهونكنغ وسنغافورة وماليزيا والهند وكذلك يستفيد محركي بورصات الغرب في لندن وألمانيا والولايات المتحدة من نتائج بورصات الشرق. حتى كاد يغيب المؤثر والمتأثر إذ كلاهما يؤثر ويتأثر في حركة دائرية.

الوجه المشرق للأزمة الاقتصادية قد لا يكون كذلك بالنسبة للعماليق الكبار ولكنه بالنسبة للاقتصاديات الهامشية قد يتحول إلى فرصة تاريخية وهناك مقولة مأثورة ومتداولة مثل القانون الثابت لدى صانعي الاقتصاد أطلقها المستثمر العالمي وارن بوفي:”إذا كان الناس في حالة خوف فإنني أكون في حالة طمع! وبالعكس إذا كانت هناك حالة طمع تجتاح الجميع ينتابني الخوف!”

بمعنى آخر ان الأزمة السوداء تخفي جانب أبيض مشرق لا يتفطن له كثير من الناس وهذا الجانب يبدأ بتراجع الأسعار المرجعية لعشرات المواد الخام الاستراتيجية وينتهي في تكاليف الانتاج والبناء وغيرها، وبينهما سلسلة من الأنشطة الاقتصادية التي كلها تنخفض أسعارها وبالتالي تصبح فرصة فالنقل البحري مثلا قد تراجع إلى مستويات متدنية جدا وهو بكل تأكيد كارثة على الناقلين الكبار مثل مارسيك ودالماس وايفرقرين وغيرهم ولكنه فرصة ذهبية للاقتصادات الهامشية التي تستفيد من نقل ما تحتاجه من مختلف بلاد الله بسعر التراب.

والركود الذي ضرب الصناعة في ألمانيا وخاصة قطاع صناعة الصناعة هو فرصة ذهبية للاقتصادات الضعيفة لاقتناء ما تحتاجه من آلات وتجهيزات ومصانع بأسعار تقل بنسبة 60% عن تكلفتها قبل 8 أشهر.

وتدهور الصناعات الصغيرة في أوروبا وبداية موجة التسريح والاغلاق هو فرصة لانشاء الصناعات البديلة في دول جنوب البحر المتوسط والتي تستفيد من عمالة رخيصة وعملة متدنية وبالتالي تكاليف تنافسية يكون لها ما بعدها في حالة تعافي الاقتصاد العالمي.

والواقع أن ما يسمى بالأزمة الاقتصادية هو في كثير من الأحيان يشبه حالة اختناق مروري في طرق عاصمة كبيرة بينما طرق البوادي والهوامش والضواحي تنعم بالراحة والهدوء ولذلك كثير ما يقوم الأذكياء بتوقع حالة الاختناق فيختارون بنجاح الخروج إلى الضواحي وبناء سكناتهم هناك وهي بدورها ستصيبها نفس حالة الاختناق ولكن بعد دورة زمنية كاملة للاقتصاد عندما تلحقها عوارض النمو والتطور السريع.

إن حالة الكساد العالمي والأزمات التي تمر بها البنوك تتيح فرصة ذهبية للقيام بعمليات الاستحواذ على حصص في أسهم شركات عملاقة والحصول على تراخيص التصنيع من شركات ذات سمعة عالمية هي في أمس الحاجة لسيولة نقدية والدخول في شراكة واسعة مع كبار الشركات بعرض مشاريع تسيل اللعاب وتفرض على الجميع تقليص التكاليف بأكبر قدر ممكن إلى درجة يصبح التركيز على انجاز المشروع وتغطية تكاليفه دون كبير التفات للأرباح الممكنة والمتوقعة للحفاظ على وجود الشركة قبل أن يطرق أبوابها المصفون وطالبي أقساط القروض.

لا نريد ان نقلب المنطق ونقول ان الأزمة العالمية الراهنة هي فرص كلها فالركود والكساد ليس جيدا بالنسبة للجميع لأنهم لا يعرفون متى بالضبط ينتهي هذا الكابوس المزعج ولكنه بالنسبة للإقتصادات الكبرى أشد ضررا وأكثر تأثيرا بالمقارنة مع الاقتصادات البسيطة ذات البنية البدائية التي قد لا تتأثر اطلاقا بما يحدث هناك في عالم الكبار.

وإذا حاولنا ان نحدد باختصار بعض ملامح الفرص التي تتيحها هذه الازمة العالمية فيمكننا ان نوجزها فيما يلي:

تراجع أسعار المواد الخام:

وهذا يعتبر فرصة ثمينة بالنسبة لكل مشروع جديد يريد ان يدخل على خط الانتاج، فالمواد الخام تراجعت بصورة دراماتيكية وقد بلغت في بعض المواد نسبة 80% كما هو حال القصدير وبلغت 60 إلى 70% كما هو الزيوت النباتية. دون ان ننسى المحرك الكبير للخامات وهو خامات النفط التي تهاوت إلى حدها الادنى وهذه المواد تجعل تكلفة الانتاج والتشغيل تتراجع بنسبة كبيرة جدا وهذا في واقع الامر فرصة حقيقية لبناء مصانع صغيرة من كل صنف.

تراجع أسعار مواد البناء:

مما يؤدي تلقائيا إلى انخفاض تكاليف البناء ومن ثم تحسن فرص تطوير العقار الصناعي والاجتماعي والإداري، إنها فرصة ذهبية خاصة لاعادة التفكير الجدي في دخول عالم العقار ولكن بمنظور استثماري وليس بمنظور ريعي خاصة إذا علمنا ان الركود قد أصاب أولا قطاع العقار في الدول الكبرى ومن ثم امتدت شرارة الجحيم إلى باقي العقارات ، وهذا يجعل الشركات العقارية المطورة تبحث عن فرص لتقديم خدماتهم بأسعار جد تنافسية مقارنة مع ما كان عليه الحال قبل أشهر قليلة فقط.

من يفك الحصار عن الكساد في أوروبا؟

الميزان التجاري للصين مع العديد من الدول بما فيها الدول الأوروبية كان دائما لصالح الصين ما عدا ألمانيا أحد أكبر المصنعين للمصانع والآلات الانتاجية حتى ان الصين كانت لفترة طويلة ثالث شريك لألمانيا في مجال استيراد المصانع والآلات بعد الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة، وذلك لأن الصين كانت في حاجة للخبرة الألمانية في مجال بناء المصانع وآلات الانتاج أكثر من حاجة ألمانيا للمنتوجات الصينية ومعلوم أن ألمانيا تعتمد بدرجة أساسية على قطاع صناعة السيارات وقطاع صناعة المصانع والآلات. ولكن الزمة العالمية الراهنة انعكست ظلالها على هذا القطاع بشكل كبير وهو يشكل المصدر الثاني للدخل في هذه الدولة العملاقة.

هذا الوضع الراهن الذي تسببت فيه الأزمة العالمية هو بمثابة الفخ لألمانيا ولكنه فرصة لكل من يريد أن يستفيد من خدمات وخبرات هذه الدولة التي عرفت بتصنيع المصانع. ويكفي ان نعلم أن كثير من المصانع التي تشتغل في الهند اليوم هي بالأساس مصانع مستعملة تم تفكيكها ونقلها إلى الهند بتكلفة قليلة وفائدة عظيمة. وهي مصانع وآلات تبلغ تكلفتها أقل بنسبة 40% إلى 60% من تكلفة الآلات والمصانع الجديدة. إن اقتناء مصنع جديد قد بتكنولوجيا جد متطورة قد يتطلب فترة تسليم بين 6 و 12 شهر إن لم يكن أكثر بينما اقتناء مصنع مستعمل أو آلات مستعملة قد يجعله يدخل حيز الانتاج في غضون شهرين بين الاتفاق والنقل والتركيب. وحتى بالنسبة للمصانع الجديدة فإن سعرها أصبح تنافسيا بدرجة كبيرة جدا ذلك أن ألمانيا أمام خيارين إما أن تنهار هذه الصناعة التي تصنف على أنها المصدر الثاني للدخل والتشغيل أو تقدم أسعارا تفضيلية وتنافسية للحفاظ على الوجود ويكفي ان نظيف لمعلوماتنا أن هذه الصناعة تراجعت بنسبة 60% في سنة 2008 حتى تكتمل لنا صورة الفائدة الممكنة.

العرب قديما قالت بحق:”مصائب قوم عند قوم فوائد”.. يبقى فقط ان نبحث عمن هو مؤهل كي ينهل من هذه الفوائد التي تزخر بها مائدة الأزمة الاقتصادية العالمية!