سياسة

نداء الى الجيل الجديد.. 

احياء روح نوفمبر والحفاظ على مكتسباته واستكمال الاستقلال.. 

كل جيل له واجباته، وتطلعاته وخبرته التاريخية. كل جيل عليه ان يشق طريقه ويمسك بمشعل التغيير دون أن يعول إلا على ارادته ووعيه وقدرته على تنظيم شؤونه.

الانتظار والترقب والتمسك بالمبادرات الوهمية تعكس حالة التيه وفقدان البوصلة.

كل مرحلة تاريخية لها ادواتها في النضال وطرقها في التعبئة وأنساقها المفاهيمية والفكرية القادرة على التعبئة والحشد ومن ثم التنفيذ والتطبيق في حيز التاريخ.

ومن يقول بموت الجمهور فهو في الحقيقة يتحدث عن موت ادوات الاستشعار ووسائل التواصل لديه ولذلك لا يدرك ما بلغه الجمهور من وعي وهو بذلك عاجز عن التقاط مرتكزات اللحظة.

هناك حالة تكلس وانجذاب للانتظار والاكتفاء بسلوك الواقف على الرصيف وهو ينظر لقطار التاريخ يمر أمامه. أو ينتظر مخلصا ينقذ الوضع مما هو فيه، وعادة يتلخص نموذج المخلص في الشخصيات التاريخية حتى وان بلغت من العمر عتيا واصبحت عاجزة عن القاء كلمة فضلا عن اتخاذ موقف.. أو الفعليات الحزبية التي اشبعتها الدولة العميقة والكيان الموازي اختراقا وتشتيتا واضعافا..

وبوضوح أكثر تجربة أحمد طالب الابراهي قبل سنوات حينما التفت حوله نخب معطاءة مضحية معروفة بقدرتها على التواصل وتمثل عمقا اجتماعيا مزدهرا لم يواصل مسارات النضال بل وقف على باب السلطة ثم انسحب في هدوء وبقي في صمت مفضلا راحة الظل.. قد تلعب الروابط السياسية وعلاقات الزمالة بين نخب السلطة كعائق أمام تقدم الكثير منهم بمادرات فعالة.. ولذلك ماذا ننتظر من احمد طالب الابراهيمي وهو في هذه السن المتقدمة، الا اذا كان تحميله ما لا يطيق سنا ولا وجهة عمل.

وما يصدق على طالب الابراهيمي يصدق على يحي عبد النور.. أو الجنرال بن يلس.. أو غيرهم من الشخصيات العامة التي لا تتحمل أعباء أكثر من القاء كلمة هنا أو تقديم فكرة هناك أو طرح مبادرة سرعان ما تموت في مهدها..

اهتمامات ذلك الجيل وأولوياته وقراءته وقدراته تختلف عن اهتمامات جيل جديد بتطلعاته وأفكاره ورؤيته للتغيير، وشعوره بالمخاطر التي تحف الدولة الجزائرية وتقديره ان المستقبل الذي سيعيش فيه يختلف عن المستقبل الذي لن يعيش فيه من بلغ سنا متقدما..

وما يصدق على تصنيف الشخصيات التاريخية يصدق على الكيانات الحزبية التي أصبحت اكبر عائق امام انطلاق المجتمع وتحرير مبادرته.. كان المجتمع اكثر استعدادا للتهيكل والانتظام والنضال من أجل التغيير ولكن تم خذلانه حتى فقد الثقة في كل المؤسسات المدنية والمبادرات وأصبح يفضل البحث عن المبادرات خارج الأطر المعتمدة لأنها أطر تخترقها الدولة العميقة وقامت بتدجينها بمختلف الطرق والأساليب.. ادناها المال وأخطرها الاختراق العضوي بدس عناصرها في مؤسساساتها وهياكلها.

وقد رأينا كيف انبرت شخصيات مدنية من كل الاتجاهات الشكلية بما فيها أئمة مساجد والزوايا للادلاء بدلوهم في معركة العصب المتصارعة وترجيح كفة من ثبت تواطؤه على أمن الدولة وتهديده للوحدة الوطنية وزرعه للفتن بين أبناء الشعب الواحد كل ذلك من اجل مكاسب سياسية عابرة.

المعركة اليوم ليست معركة ايديولوجيات ما بعد الحرب العالمية الثانية تتصارع بينها، وهذا الاطار الموروث من زمن الحرب الباردة لم يعد قادرا على اشباع تطلعات المجتمع، فلا اليسار التقليدي قادر على التواصل مع المجتمع، ولا ممثلي الليبرالية لهم مشروع واضح المعالم خارج سطحية اقتصاد السوق التي يمثلها عصابات البازار الذين يغرفون من خزائن الدولة دون حسيب ولا رقيب.. ولا الحركة الإسلامية بمختلف اجنحتها لها إجابات واضحة لهموم جديدة وتحديات صاعدة.

اليوم الدولة في خطر وجودي، والسلطة رهينة عصب متقاتلة على الريع، وعلى كيفية استلائها على أكبر قدر من ثروات المجتمع، دون ان تراعي التحديات التي تحيط بالمجتمع والدولة وهي تحديات بلغت من الخطورة ما يجعلها تهدد الدولة في وجودها، واستقرارها ووحدتها امام تآمر القوى العالمية على الدول.

الاستسهال في طرق القضايا الحيوية وتبسيط التحديات امام تمدد الإستعمار الجديد واستغلاله لكل الاختلالات التي تمر بها دولنا خطر ما بعده خطر، والرضى بمواقف المتفرجين والاكتفاء بمتابعة فصول صراع ما بقي من الجيل المؤسس وهم يقضون على كل إمكانيات النهوض يجعل الخطر مضاعف والتحدي أعظم وأكبر.

المواقف السياسية تتطلب مواقف تستميت عليها، وليس وجهات نظر تطرحها، وفرق بين موقف ترعاه وتتبناه وتدعو له وبين وجهة نظر تطرحها في بحر وجهات النظر المطروحة.. الموقف السياسي يحتاج الى هياكل ومؤسسات وكيانات ترعاها وتمضي بها قدما في مسار التدافع السياسي.

هناك مسؤوليات تاريخية لجيل جديد عليه ان يتحمل مسؤوليته ويمضي قدما للمساهمة في الدفع لتحقيق مبادئ ومقتضيات بيان أول نوفمبر واستكمال حلقات الاستقلال الوطني وعلى رأسها الاستقلال الاقتصادي والثقافي وتحرير المجتمع من هيمنة الاقتصادي التواكلي الريعي.

الجزائر بموقعها الجغرافي، وبرصيدها التاريخي، وبقدراتها الاجتماعية وثرواتها الطبيعية تتوفر لها كل شروط النهوض السريع، لكن ذلك لا يتاتى الا بنخبة جديدة تنفض غبار التراجع والوجل والخوف والاستكانة وتنطلق في مسار التنمية كما انطلقت دول كانت ترزح في غيابات الفقر والاستدانة والتبعية.

سياسة المواقف لها ثمن من أوقات الناس وأعراضهم وأموالهم.. لها تكلفة باهضة من سجون واعتقالات ومطاردات في الارزاق.. لكنها سبيل الأحرار لم يستقم حال امة بلا تضحية.. ولم يتطور مسار مجتمع دون ثمن يدفعه رواده وقد يكون ثمنا باهضا وغاليا.. ومن أراد ان يسير في هذا المسار فما عليه الا أن يضع دنيا الاحجام والتفرج على بلد ينهار وراء ظهره ويستقبل دنيا التحدي والاقدام والصبر على ابتلاءات طريق التحرير وصعوباته والتواءاته، واستكمال حلقات الاستقلال.

اعتقد ان المرحلة تقتضي مبادرة جادة حتى لا نورث الفشل الذي ورثناه نحن الى جيل لاحق، منجز في مستوى التحدي القائم يستجيب لمتطلبات اللحظة الراهنة والتحديات القائمة..

الظرف يقتضي جيل جديد له أدواته وخبرته وقدرته على العطاء وخلق وسائله وأساليبه.. ويقدم برنامجه لعصر جديد.. يخرج من اسر الاستقطاب الأيديولوجي التقليدي، الى أفق جديد مركزا على خط نوفمبري أصيل، والحفاظ على مؤسسات الدولة مما تتعرض له من ضربات التهميش والتدمير الممنهج والتفكيك حتى تفقد قيمتها المعنوية وتفقد ثقة المجتمع فيها..

قيادات جديدة تنمي المكاسب الوطنية وترعاها وتحافظ عليها وتعيد ثقة المجتمع فيها.. قيادات من رحم المجتمع تساهم في استكمال حلقات الاستقلال ووضع أسس التنمية المستدامة حتى نضمن لمجتمعنا التطور والازدهار.. والرقي لدولتنا والتماسك والرفعة بين الدول بمنجزاتها الحضارية.

هل هناك من يبادر من الأجيال الجديدة.. في غرة نوفمبر المجيد..