الثقافة

بين صناعة الرأي.. وتهييج الشارع

حدث وفاة الدكتورة عائشة رحمها الله بلدغة العقرب والجدل الحاصل حول ظروف الوفاة والتصريحات الغبية لوزير القطاع الذي زاد من تهييج الرأي العام.. يجعلنا نقف وقفة مهمة حتى نميز بين صناعة الرأي العام.. وتهييج الشارع.. وخطورة وسائل التواصل الاجتماعي اذا لم يكن صناع الرأي العام يمييزون بين صناعة الرأي من اجل بناء دولة والحفاظ على قيم العيش المشترك وبين تهييج الشارع.. وهنا تتدخل القوى وراء الستار للعب دور الاستثمار لأغراض أخرى خارج عن طموح الإرادة الشعبية البناءة..

حدث وفاة الدكتورة عائشة:

**************

لا ادخل في التفاصيل فقد ظهر تباين بين صناع الرأي واهل الاختصاص.. فصناع الرأي كان وجهة نظرهم أن هذا النظام وهؤلاء المسؤولين لو يخرجوا أيديهم خضراء من الجنة فلن يصدقوهم.. ولو وقف معهم عمر ابن الخطاب وسيدنا الخضر.. فلن يصدقوهم.. ولذلك كانت الموجة العامة هي الادانة والبحث عن المبررات والاعذار لاثبات للمرة المليون انهم صعاليك واهل فساد ونظام فاشل يجب ان يزول..

لكن حتى هذا الموقف ظهر التباين.. وهذا ما يجب ان نقف عنده..

البعض حصرها في فشل وزارة الصحة والمسؤولين.. البعض اعتبرها بسبب نقص الوسائل وقارن بين تمثال عين الفوارة وامكانيات مستشفى ورقلة.. وكيف هب المسؤولين لحمايته وتخصيص الاموال لاصلاحه..

وهذا مقبول

لكن البعض كيفها كصراع جنوب.. شمال.. شعب الدرجة الاولى في الشمال.. وشعب الدرجة الثانية في الجنوب..

وهنا بدأت علامات الانحراف والانزلاق..

ثم تدخل بعض الاخوة اهل الاختصاص من نفس المدينة وهم أهل الميدان منهم الدكتور محمد العيد والدكتور جمال معمري والدكتور سليم عبادو..

ووضعوا النقاط على الحروف.. وتكلموا بلغة تقنية وعلمية وكخبراء في الميدان لتتجلى بعض الحقائق.. وقد تكلم هؤلاء الاخوة ولا يصح ان نجادلهم فيما يفقهون فيه.

هؤلاء الاخوة ليسوا هم الدولة.. وليسوا هم وزارة الصحة.. ولا طاقم الوزير.. هم اهلنا وناسنا واخواننا وحرصهم على صحتنا لا يقدر بثمن..

فهل توقف النقاش عند هذا الحد..

للأسف لاحظت ان بعض صناع الرأي لم يقفوا عند هذه التوضيحات التقنية.. وهنا الخطورة..

انه تحول خطير في الاداء الثقافي والفكري والسياسي..

صناعة الرأي العام تقتضي الحرص على اكساب الرأي العام قدرا من العقلانية والتحليل الموضوعي والوقوف عند الحقائق وهذا يتنافى مع ثقافة الحشد والجموع المندفعة بدون قيادة العقل..

لقد لاحظت في تلك النقاشات، وهي بالمناسبة نقاشات صحية وجاءت في وقتها لاننا في ورشة كبيرة نتفاعل مع بعض من اجل بناء مستقبلنا.. وهذا ليس ادانة لاي شخص.. انه فقط تحليل لطريقتنا في صناعة الرأي العام وبناء المواقف..

النظام والحكومة واويحي ووزراءه يستحقون كل ما ينالهم من ادانة لانهم معدومي الكفاءة وكل سلوكهم ينم عن ضعف شديد في اداء الطاقم الحكومي..

ماذا لو اكتفى الوزير بالترحم على الفقيدة والتعاطف مع اهلها.. رغم ان هذا ليس من مهمته كوزير… والا يصبح ملزما بالترحم على كل موتى الجزائريين في كل لحظة وثانية.. ولكن لان قضيتها اصبحت قضية فيسبوك ورأي عام ماذا لو ترحم عليها.. واكتفى بالقول انني في انتظار التوضيحات اللازمة من الطاقم الطبي بورقلة وسيتم ابلاغ الرأي العام.. ثم كلف ناطق باسم المستشفى في ورقلة لتقديم التوضيحات.. وعلينا ان نستمع بهدوء.. لكن بكل أسف الوزير جاهل بقواعد التواصل الاعلامي.. فزادة في اشعال نار التوتر..

لكن ما يهمني في هذه المعمعة هو الجدال بين صناع الرأي العام وأهل الاختصاص.. هذه الظاهرة غير صحية.. خاصة اهلنا وناسنا وابناءنا واخواننا.. ما ننقمه على اويحي اليوم ووزراءه غدا ستتغير الموازين.. وتكون حكومة وطنية وقيادة راشدة وستواجه صعوبات حقيقية وتقدم كل التبريرات المنطقية والواقعية والعقلانية لكن اذا غاب العقل فان ثقافة الحشد والتعبئة ستعرقل اي ارادة للاصلاح خاصة اذا كانت القرارات صعبة مثل الجراح الذي يسأصل الأورام..

بناء الرأي العام العقلاني المتوازن هو المهمة الحقيقية لصانع الرأي المسؤول الذي يكتب ويناقش ويعبا بمنطق رجل الدولة.. وليس بمطق الصعلوك او البلطجي الذي يحشد الناس من اجل تسجيل النقاط او جمع اللايكات..

مرسي وليلى علوي

**********

المشهد الأول:

عندما استلم مرسي رئاسة الجمهورية وفي اطار العلاقات العامة استقبل الممثلين والممثلات وطيب خواطرهم بكلمات طيبة على حماية السينما المصرية الرائدة.. وخرجوا في التلفزيونات يثنون على تلك الكلمات وذلك اللقاء مع الرئيس مرسي الاخوان المتهمين بانهم اعداء الفن..

المشهد الثاني..

لازلت اذكر صعلوك من الصعاليك الذي شغل الرأي العام المصري بصورة ليلى علوي فوق السرير وكيف كان يطوف من قناة الى قناة ويتهمها بكل الموبقات ويذكرها بماضيها التعيس بل ذلك الوقح عديم الضمير طبع صورها واستغلت قنوات الثورة المضادة تصرفات هذا الوقح ولعبت به ولغمت الرأي العام بمحاكمات وفوضى عارمة.. وذهب لقاء مرسي مع الفنانين في المجاري بسبب تصرفات هذا الاحمق..

وتذكروا مداخلة الكتاني رئيس البرلمان في مصر ضد صعلوك سلفي خبيث عديم الضمير رفع الآذان في قبة البرلمان والفيديو لا يزال موجودا في اليوتوب.. ويمكن تستمعوا لتلك الملاسنة بينهما..

النهضة وعصابات السلفيين في تونس

***************

وصلت النهضة الى دوائر الحكم في ظروف الربيع العربي الصعبة.. وكان مفهوما حالة الفوران والمطالب التي لا تنتهي.. وكأن الحكومة يمكنها ان تحل كل المشاكل بين عشية وضحاها الحرية الى نوع من الفوضى وعلق على ذلك الغنوشي بقوله هذا مقبول فنحن سنة اولى حرية.. وحاول تمرير قانون لاعتماد كل التيارات الاسلامية واخراجها من الدهاليز الى العلنية.. وفسح المجال الى كل التيارات.. بما فيها صعاليك المتشيعة وصعاليك السلفية.. لان الافكار التافهة مثل الزبدة اول ما يطلع النهار تذوب..

وبدلا من تركيز الجهود للبناء كان كل همهم اثبات ان النهضة منحرفة وضالة وخارجة عن الملة المحمدية..

وكانت قوى الثورة المضادة تلعب بهذه المجاميع وتستغلها وتوظفها في لعبتها المدمرة.

بن كيران رجل الدولة

***************

في نفس السياق استلم حزب العدالة والتنمية المغربي رئاسة الحكومة بأغلبية بسيطة وبتحالف انتخابي واسع في ظل مشهد الربيع العربي.. وفي ظل نظام مغربي يعتمد على ازدواجية السلطة التنفيذية.. ويعطي الفتات للحكومة المنتخبة مقارنة مع صلاحيات..

لكن بكل المقاييس ذلك التحول ايجابي وخطوة في الاتجاه الصحيح.. والبناء يحتاج الى سنوات..

وانا اتابع النقاشات والتحولات بدأت أشعر ان الحكومة المغربية الجديدة وخاصة رئيسها معزول ويتعرض الى هجمات مركزة.. وهو يقاوم العفاريت والتماسيح كما كان يسميهم ويتحرك في ارضية ملغمة كل خطوة ينفجر في رأسه لغم.. وعصابات الثورة المضادة المستفيدة من المخزن تتحين الفرص من اجل اسقاطه..

ما حز في نفسي هو نأي كثير من صناع الرأي بانفسهم عن الدفاع عن الحكومة وخياراتها.. وبناء روح العقلانية لدى الرأي العام.. فالاصلاح الهيكلي للمجال العام ليست مهمة سهلة.. وهناك اولويات.. ولكن كثير منهم بدلا من أن يقف الموقف المتوازن ويحاول شرح ملابسات الحدث.. والأهم هو نشر الثقافة العقلانية والموضوعية حتى نتقدم ونتطور.. فضل وضع رأسه في التراب.. وتكرار خطاب العشوائية والغوغائية..

وانا الجزائري كتبت مقالا في تلك الظروف ادافع عن بن كيران المغربي رجل الدولة لما رأيته من خذلان المثقفين المغاربة ورجال الرأي حتى لا تتلطخ صورتهم.. ولا يتهمون بانهم ضد الشعب..

مسايرة الحكومة ستتهم بانك شيات.. الدفاع عن قرارات ترى انها مصلحة وطنية لكن لا تحظى بالشعبية ستتهم بانك مرتزق.. ضد المصلحة الشعبية.. عندما كنت في المعارضة كنت مع الشعب وعندما اصبحت في الحكومة اصبحت ضد الشعب..

هذا هو الاختزال الخطير

وساذكر هنا مثالين من التجربة المغربية حسب ما بقي عالقا في الذاكرة

الغاء صندوق المقاصة ورفع الدعم عن بعض المواد الاستهلاكية..

*****************

لاحظت الحكومة الجديدة ان هناك خللا كبيرا جدا في اموال الدعم الموجه لبعض المواد الاستهلاكية ومنها السكر والبنزين.. فجوهر فكرة الدعم انه موجه للفئات الهشة ذوي الدخل المحدود.. لكن كم تشتري عائلة مغربية من كيلوا سكر في الأسبوع الواحد.. 2 كيلوا 3 كيلوا.. لكن نفس السكر الموجه للاستهلاك يستفيد منه اصحاب مصانع العصير والمشروبات الغازية والتي يشكل السكر نسبة لا تقل عن 30% من المنتوج في بعض الاحيان.. والكارثة ان هذه المنتجات تصدر للخارج.. فاموال الدعم الموجه للسكر يستفيد منها المصانع اكثر من المستهلك المواطن العادي.. والاخطر هذا الدعم يوجه لدعم اسعار المنتج في دول اخرى ايضا..

فطرح بن كيران قضية صندوق المقاصة ووجوب الغائه.. وتوجيه الدعم مباشرة الى الفئات الهشة..

وهنا ثارت القوى المضادة المدعومة من رجال المال والأعمال المستفيدين من هذا الوضع الكارثي.. ويعرفون ما معناه شراء السكر بسعره الدولي..

وللأسف تحرك الاعلام المضاد لاتهام بن كيران انه جاء لتطبيق الرأسمالية المتوحشة ولتمرير القرارات التي يعجز الملك عن تمريرها.. وغيرها من الكلام العشوائي الغير منطقي والمخالف للعقل وللمصالح الوطنية..

التوظيف بدون مسابقة

*********

ورثت الحكومة لغما من الحكومة السابقة وهي تاهيل اطارات وضمان مناصب العمل لها.. وهنا وجدت الحكومة نفسها في مأزق.. كيف يتم توظيف الناس بدون مسابقة.. وهل يجب تعميم هذا الامر على كل القطاعات.. واتخذ رئيس الحكومة قرارا شجاعا برفض قرار الحكومة السابقة..

وهنا ايضا تحركت عصابات الخفاء لاضعاف الحكومة واستغلال هذه النقطة بتوظيف المواطنين المستضعفيين من اجل لي ذراع الحكومة وكسر هيبتها واسقاط الرمزية المعنوية لريس الحكومة..

مقالع الرمال ولاجريمات..

*****

وهنا تذكرت نقطة اخرى، وهي ما يسمى في المغرب لاجريمات.. حيث كان المخزن يشتري كثيرا من الصمت ويغدق على بعض السياسيين باعطائهم ما يسمى بلاغريمات وهي رخص خاصة لتسير حافلات النقل او طاكسيات او مقالع الرمال.. ويقومون هم ببيعها للمستضعفين وتحصيل مال وهم نائمون.. وهذا مخالف لحرية المنافسة.. وهو ملف شائك.. ومعالجته تحتاج الى تفكيك كثير من الألغام.. وليس بالامر السهل..

وبدا الضغط على الحكومة لحل المشكل فورا وبدون تاخير او تتهم بانها موالية للمخزن وانها ضد الشعب..

هذه امثلة واقعية ذكرتها من تجارب حية..

واذا لم نوطن انفسنا على احترام اهل الاختصاص.. وضرورة الانخراط جماعيا في بناء الوعي العقلاني وليس الشعبوي والغوغائي.. فاننا سندفع الثمن غاليا لاحقا عندما تكون هناك حكومة وطنية وارادة للخروج من المازق.. فلن نجد العقل الذي يسعفنا وسنبقى ندور حولنا لاطفاء حرائق الثورة المضادة وحرائق ثقافة الحشد والجموع وثقافة الاستهتار باهل الاختصاص واحتقار الكفاءات والتشكيك في كل شيء..

وها انذا اعرض جملة من التصورات لقرارات يجب ان تتخذها اي حكومة وطنية جادة في الجزائر تريد انقاذ ما يمكن انقاذه من توازناتنا المالية:

• فرض رسم على طلب الخدمة الطبية من 500 دج الى 1000دج ورسم اعلى على خدمة اهل الاختصاص.

• توجيه هذه الاموال لتوظيف طواقم جديدة من رجال النظافة والممرضين وتحسين الخدمات. (وهذا سيعتمد على كفاءة التسيير في كل مؤسسة طبية وادارة جيدة للموارد وتظهر المنافسة) مع الحفاظ على مستويات الدعم الحالي لرواتب الاطباء وتكاليف الخدمات الطبية

• تخفيض واردات القمح من 8 مليون الى 6 مليون وتوجيه فارق الاستيراد لدعم الزراعة..

• فرض رسوم على قطاع التعليم مع توجيه الاموال الى تحسين هياكل التدريس في كل المؤسسات.. مع الحفاظ على مستويات الدعم الحالي من تحمل الميزانية العمومية لرواتب القطاع وميزانية الهياكل.

• بالمقابل خفض الرسم على القيمة المضافة من 19% الى 5%

• الغاء الدعم نهائيا عن البنزين والخبز والسكر والزيت وتقليص الواردات من هذه المواد..

• بالمقابل رفع رواتب القطاع العام بنسبة تتراوح بين 5% الرواتب العالية الى 10% الرواتب المتدنية (لتعويض فارق سعر السكر والزيت وغيرها.. ويمكن الاستغناء عن هذا الاجراء في حالة تخفيض الرسم على القيمة المضافة الى 5% بدلا من 19% اي نزول الاسعار تلقائيا بـ15% على الأقل)..

هذا نموذج لقرارات يجب ان تتخذ.. وستكون لها انعكاسات جزئية تبدو سلبية.. ولكنها ستحرر جزء كبير من الميزانية العمومية للتفرغ الى اصلاح صارم وهيكلي للاقتصاد.

كيف سيواجه صناع الرأي العام هذه القرارات؟؟

هل سيدفنون رؤوسهم في التراب حتى لا يتهمون بانهم ضد الشعب؟

هل يتهمون الحكومة انها ضد الشعب لانها تريد توقيف اهدار الموارد العامة والسرقات وبيع الدواء بطرق غير مشروعة.. وتهريبه للخارج.. وتحسين الخدمات الطبية والتعليمية؟

ام يتحملون مسؤوليتهم ويدافعون عن العقل والمنطق..

تاملوا في هذا المشهد..

**********

هناك بعض المصانع تستولي على 3 او 4 مليار دولار سنويا لدعم الخامات التي تشتريها باموال النفط من الخارج.. وتوظف 200 عامل.. في حالة الغاء الدعم ورفض تمويلها من اموال النفط فستقوم باخراج مئتي عامل تبلغ اعلى اجورهم 24 الف دولار سنويا.. وستركز قنوات الثورة المضادة على اسرهم وعوائلهم والامراض التي يتخبطون فيها والسكنات التي يملكونها..

ولكن قنوات الثورة المضادة لن تذكر ان هذه المصانع تستولي على 3 مليار دولار من اموال الشعب الجزائري اي تستولي على رزق 40 مليون جزائري وليس 200 عامل..

المعركة جد وليس لعب..

واذكر الجميع بنصيحة استاذي احمد بن محمد

اذا كتبت فاكتب كرجل دولة واذا تكلمت فتكلم كرجل دولة..

دغدغت العواطف تحول السياسة الى بولتيك كما قال بن نبي رحمه الله