هل الدولة تستطيع ان تخدم الفن؟
هل هناك شخص يستطيع ان يخبرنا عن مجال واحد نجح فيه النظام الجزائري..
ما هو القطاع الذي أفلح فيه وبناء على ذلك يمكن ان نبايعه..
قطاع الصحة؟ قطاع التعليم؟ قطاع الأشغال العمومية؟ السكن؟ الفلاحة.. الادارة العمومية.. القطاع المالي ونشاط البنوك.. 13 وثيقة لفتح حساب بنكي.. 
حيثما يممنا وجهنا وجدنا الفشل والبؤس.. بعض ما يتصور نجاحا (توزيع السكن) لو تنظر له بنظرة أعمق ستجد انه اكبر اهدار مالي واهدار الفرص التي تتعلق بآلاف النجاحات الضائعة لو تم ادارة اموال السكن بطريقة صحيحة.. اما استعمال اموال الجباية البترولية وتوزيعها على الشركات الاجنبية فتاتي بالعمالة وبمواد البناء وتنجز سكنات وتقبض مالا وتذهب دون ان يستفيد اقتصادنا الكلي من هذه الورشة الضخمة فذلك هو الضياع نفسه.. بدعوى تلبية الاحتياجات المستعجلة..
ولذلك ادعو اخواني الفنانين ورجال المسرح والممثلين والمنتجين السينمائيين ان لا يعولوا على الدولة.. بالعكس عليهم ان يناضلوا كي ترفع يدها عن القطاع وتتوقف عن توزيع الريع بطرق غامضة، والغاء وزارة الثقافة..
رجال السلطة اليوم هم من يحدد الفنان الناجح والمخرج الناجح والسيناريست الناجح والمغني الناجح لانهم هم من يمدوه باسباب الحياة ويقطعون له اموال من دافعي الضرائب دون وجه حق.. والامثلة كثيرة..
بينما الفنان الناجح والممثل الناجح والفيلم الناجح والمقطوعة الفنية الناجحة هي التي يقبل عليها الجمهور..
هناك عبث كبير وقد ادى الى موت عشرات الكفاءات لمجرد ان رجال السلطة اختلفوا معها.. في الجزائر فقط لا يزال الفنان موظف قطاع عام بخلاف كل المنطق..
تركيا قادت في سنوات قليلة ثورة سينمائية غزت القارات الخمس حتى الهند وجنوب شرق آسيا.. رغم ان الانتاج السينمائي الهندي متفوق على التركي ومتقدم عليه ولكن استطاعات السينما التركية “غزو” العالم بمواضيعها وادائها الفني.. الانتاج السينمائي ارتفع من 15 فلما في السنة الى 80 فيلم في سنوات معدودة.. ومن اشكال التمويل الذاتي التي قرات عنها في تركيا هناك موقع يقدم فيه السيناريست او المخرج مشاريعهم ويطلبون دعما ماليا في حدود 25 ليرة تركية كحد ادنى ويحددون الميزانية التي يريدون ان يصل لها المنتج.. 60 الف ليرة 30 الف ليرة.. 100 الف ليرة..
دولة مثل الدنمارك لها 5 مليون نسمة يباع فيها سنويا 13 مليون تذكرة سينما بمعدل 2.7 تذكرة لكل مواطن..
ماليزيا وتايلاندا وكوريا الجنوبية واندونيسيا والفلبين ونيجيريا كلها دول تزدهر فيها الصناعة السينمائية والفنية وهناك اقبال على المنتوج الفني متزايد.. فقد تحسن تقنيات الانتاج وانخفظت التكاليف بسبب ثورة الكمبيوتر والأهم لانه بكل بساطة لا تخضع لنزوات رجال السلطة فيحابون معارفهم ويحددون من يستحق الدعم ومن لا يستحق.. ويعبثون بالمال العام.. والنتيجة العجز عن انتاج افلام تليق بسمعة الجزائر وتتناسب مع روح العصر.. وقد نشرت الصحف في حينها ان بوتفليقة لما عرض عليه فيلم بن بولعيد تذمر وقلق بسبب الميزانية المرصودة التي لا تتناسب مع المنتوج ولما خرج قال للمخرج “طويل بزاف” هذا شريط مش فيلم..
كل ما هو مطلوب ان يتم فتح مجال الاستثمار السينمائي بدفتر شروط واضح للقطاع الخاص.. والجمهور هو الحكم..
ويمكن استقطاب شركات دولية لادارة دور السينما بشكل محترف وفقا لدفتر شروط محدد.. وهناك تجربة ماليزيا حيث تشترط على الشركات دبلجت الأفلام او كتابة النص باللغة الماليزية والصينية وكذلك احترام ثقافة المجتمع فيمكننا ان تتفرج على الفيلم في السينما وانت مرتاح البال في جو عائلي دون ان تخشى شيئا.. وبمرور الوقت ازدهرت حتى السينما المحلية ولها مواسم الاعياد الوطنية والدينية ويقبل الناس على الاستهلاك وقد ضحكت كثيرا من سلسلة افلام حققت شعبية في ماليزيا عندما انتج احد المخرجين شخصية “الوزغة” (بوبريص المنتشر كثيرا في ماليزيا) وحوله الى “سبيدرمان” الماليزي..
الدولة تستطيع ان تخدم الفن في حالة واحدة فقط.. ترفع يدها عنه.. وتبتعد عنه ولا تعبث باموال الضرائب.. فقط تقوم بما تحسنه وهو وضع التشريعات التي تخدم القطاع وتوفير المناخ المناسب للاستثمار الخاص في القطاع.. وربما كمرحلة اولى وضع صندوق دعم تقتطع له جزء من ضريبة النشاط الفني (في فرنسا الضريبة تقدر بـ(5.5%)).. كما هو الشأن في كثير من الدول..
ستكون هناك صعوبات كما هي اية بداية الأمر ليس سهلا.. فنحن نبدأ من تحت الصفر.. ولكن بمرور الوقت ستتشكل المدارس الفنية وستظهر الاتجاهات الفنية وعندها يمكننا ان نحلم بمسلسل مثل ارطوغل الذي غزى العالم.. او على الأقل فيلم أربعة في مهمة رسمية في نقد العبث البيروقراطي وعبث الادارة او فيلم البيضة والحجر في نقد الشعوذة والمشعوذين او احنا بتوع الاتوبيس في نقد مصالح الامن والشرطة او لعب الكلب لدينيرو في نقد السياسات الامريكية الدولية.. او المدينة المجنونة لهوفمان في نقد عبث الاعلام المعاصر او ساحات البيع لمورفي او نتوورك أو كونتا كنتي وغيرها من الروائع العالمية التي اصبحت ايقونات في الضمير العالمي تكاد تكون قد اطرت الفكر البشري..
اذا بقت البيروقراطية والسياسيين الفاشين هي التي تشرف على الفن فمستحيل ان يتطور وستسبقنا دول أخرى لا نراها اليوم ولكن سنصبح عالة نستهلك منتوجها وتساهم في صياغة وعي جمهورنا شئنا ام أبينا..