تعليقات

تراجيديا الطبيب في الجزائر

تحديات المشروع التنموي

ليس هناك مهنة تعرضت للظلم وسوء التقدير الى درجة الاحتقار مثل مهنة الطب.. وليس هناك شخص يتحمل مشاكل منظومة كاملة مثلما يتحمل الطبيب..

الطبيب عندنا يعيش تراجيديا..

وطالما وضع القطاع الصحي كما هو فان هذه الماساة ستستمر وبعدها نتساءل لماذا يغادر آلاف الاطباء سنويا الى الخارج وخاصة الى فرنسا.. ويتعرض القطاع الصحي عندنا الى نزيف حاد..

بدون طبيب لن يكون هناك قطاع صحي..

وهذا القطاع أيضا يعاني من ازمة المفاهيم..

نحن لا نعرف بالضبط: هل الطب مهنة؟..

أم عمل خيري؟

هل عندما نقول ان الاطباء هم ملائكة الرحمة معنى هذا ان الطبيب مثل الملاك لا ياكل ولا يشرب ولا يتزوج ولا يشتري سيارة..

هل الطبيب يستحق المكافأة اذا كان مجدا؟

أم لا يستحق المكافأة لأنه لا يصح ان يتربح من مأساة الآخرين؟ كيف تريد من الطبيب أن يربح من مريض تعرض لحادث مرور ودماءه تسيل واحشاءه في الخارج؟…

صورتين متقابلتين في التفكير الجماعي للمجتمع.. صورتين متداخلتين في اذهاننا ولا يمكن الفصل بينها..

هكذا توضع قضيتين متغايرتين في نفس المكان.. ولا نشعر بانهما لا يصح ان يوضعا بهذا الشكل؟

تبدا مأساة الطبيب من سنواته الأولى، فهو عادة طفل مميز، طموح مثابر على دراسته، أقل الناس مشاغبة.. 99% من سيرة الاطباء هي التفوق المدرسي عبر مسارههم التعليمي كله منذ ان تطأ أقدامهم الحضانة الى الشهادة الثانوية التي تؤهلهم للدخول الى كليات الطب.. سيحرم نفسه من كل متع الطفولة من أجل ان يصبح طبيبا.. وفي باله أن يقدم خدمة راقية وينقذ ارواح المواطنين.. ليس هناك طبيب الا وهذا هو مساره التعليمي وتطلعاته الداخلية..

وهل مساره العلمي في الجامعة يقل اجتهادا ومثابرة وتفوقا؟

ابدا سيقضي أطول فترة في الجامعة.. واذا اراد ان يلتحق بالتخصص فستمتد سنوات اضافية.. يخرج من الدراسة تقريبا وقد انتهى عقده الثالث اذا التحق بالتخصص زيادة على الطب العام..

هذا النوع من التضحية المنقطعة النظير يجب ان تقابل بمكافأة عالية جدا.. تتناسب مع الجهد الذي بذل على الصعيد الفردي..

وأي نظام اقتصادي لا يكافأ هذا الجهد هذا النظام مشبوه.. هناك شيء غلط بكل تاكيد..

لكن هل هذا ما يلاقيه الطبيب عندما يلتحق بمؤسسات العمل.. ويصبح طبيبا يريد ان يحقق طموحاته.. وينال ثمرة سنوات عمره من الكفاح العلمي المستمر؟..

ما هي نوع المعاملة التي يتعرض لها في مجال عمله؟ معاملة من الادارة ومعاملة من المجتمع طالب الخدمة؟

ما هي الظروف التي يعمل فيها عموما؟

ما هو سلم الحياة الذي يمكن ان يصعد فيه الطبيب كأي انسان.. عمي احمد صاحب البقالة يصعد وينزل في سلم الحياة باستمرار لكن الطبيب يجب ان ينزل للشارع ويقوم بمظاهرات وتسيل دماءه انهارا.. ويسمع سبابا وشتما من اجل أن يعمل في ظروف تشبه قليلا عمي احمد صاحب البقالة.. وباحترام وكرامة..

اذا طالب بزيادة الراتب فهو عمليا يطالب بأن يدخل يده في جيب المواطنين لان راتبه ياتي من الضرائب التي يدفعها المجتمع.. واذا امتنع وصبر وسكت كيف يستطيع ان يجاري دينامكية وحركية الحياة من حوله..

كيف سيشتري سيارة وكيف سيتزوج وكيف سيبني بيتا..

قبل ايام حدثني صديق عن طبيب جراح في مدينة داخلية يشرف على احد المستشفيات يعيش مأساة في سكنه.. كل ما استطاع ان يصل له هو سكن اجتماعي من السكنات التي توزعها “البيروقراطية” على الشعب دون ان تراعي سنوات العمر التي قاها هذا المسكين يحصل العلوم والمعارف حتى يشرف على مستشفانا ويعالج مرضانا… أسوأ انواع الظلم الاجتماعي..

لكن لان المنطق مقلوب.. يعتبرون سكن الطبيب في حي شعبي هو قمة المساواة والعدالة الاجتماعية.. مثله مثل الذي قضى حياته يتسكع في الشوارع..

تراجيديا يتقاسمها مع الطبيب الأستاذ الجامعي والمعلم في المدرسة.. هو أيضا يستحثق ان نكتب عنه مأساة مهنة التعليم في كل المستويات..

لماذا لدينا نظام اقتصادي يجعل المعلم يلجأ للدروس الخصوصية من اجل ان يكمل احتياجاته المعاشية؟

هل فعلا كما يقول الاعلام المريض ان الجشع والطمع هو الذي يدفعه لذلك؟

مهنتين بشكلها الحالي تقتل الطموح.. تدمر نفسية المهني.. مهنتين بدون حوافز سوى بعض الفتات الذي يسمح به جدول التنقيط في الوظيف العمومي.. مهنتين يتساوى فيها المجد والكسول الناجح والفاشل.. وكلا المهنتين يضطر فيها الطبيب والأستاذ والمعلم النزول للشارع والقيام بالمظاهرات والتوقف عن العمل من اجل تحسين الاجور.. من أجل أن يأكل ويشرب يجب ان يبكي ويشتكي ويخلق ازمة اجتماعية شاملة.. من اجل ان يشتري سيارة او يقتني بيتا..

هل الاقتصاد معقد لهذه الدرجة حتى لا نعرف كيف نحل هذه المشكلة المأساة..

لن اتحدث عن الحلول حتى لا اتهم بانني ليبرالي متوحش..

لكن علينا ان نفكر بجد في تفكيك هذه الألغام.. واخطرها لغم المفاهيم..

هل الطب مهنة ووظيفة مثلها مثل مهنة عمي احمد صاحب البقالة فيها حوافز هذا يقدم خدمة تتعلق بالصحة وذاك يقدم خدمة تتعلق بالبطن.. أم عمل خيري لأن الطبيب ملاك؟

واذا كانت مهنة؟

كيف ننظمها حتى يكون اقتصادنا قادر على مكافأة ابناءنا واخواننا الذي قضوا شطرا من اعمارهم يتعلمون حتى يعالجوننا ويرعون صحتنا..

وهل النظام الصحي في سنغافورة واليابان وكوريا الجنوبية متوحش وغير انساني؟؟