فكر اسلامي

أخطاء قاتلة في تجربة الاتجاه الحضاري في الجزائر

الحركة الإسلامية ليست كيانا معصوما، وقد ارتكبت عدة أخطاء كتيار عام وككيانات وتنظيمات، بعضها اخطاء تتعلق بجوهر الخطاب الحركي، وبعضها اخطاء تتعلق بنقص التجربة ومحدودية استيعاب الرواد للمتغيرات، وبعضها أخطاء تتعلق بعدم ادراك معادلات الصراع بشكل واضح، وبعضها اخطاء تتعلق بعدم تقدير جيد لقوة وكيد الخصوم..
وإذا أراد الخطاب الحركي الدعوي ان يستكمل مسيرته في تحصين الجزائر وحمايتها من الانقسام والتشرذم، فهو مطالب بأن يعالج مكامن النقص والضعف وتجاوز عناصر الوهن..
يخطئ من يتصور أن بلدا واسعا وعريضا مثل الجزائر ليس تحت المجهر وليست هناك اطماع تجاهه، ومن يتوهم ذلك فهو يعيش في احلام اليقضة ولا يدرك قيمة الجزائر، فبلدنا قارة، وهو أكبر بلد مساحة في محور طنجة جاكرتا (حتى يتذكر من ما يزال يجهل هذا المعطى البسيط الذي تبنى عليه كثير من السياسات الدولية والمكائد)، وهو بلد غني بالثروات، على رأسها الطاقة البشرية الشابة المتدفقة، أي عمالة دينامكية قادرة على ان تنجز تغييرا سريعا اذا توفرت الشروط المناسبة وفي حقبة زمنية سريعة، فضلا عن الثروات الطبيعية ومنها الطاقة الشمسية المرشحة لتكون بديلا للنفط، وهو بلد متاخم للغرب، ويملك جالية فعالة لا تزال تحافظ على ارتباطها العاطفي والوجداني مع بلدها الأم رغم الحرص الشديد الذي تبديه الدوائر الغربية عموما والفرنسية خصوصا على سلخ هذه الجالية وادماجها وقد باءت كل هذه المحاولات بالفشل، بل ان الجيل الجديد من المهاجرين أكثر يقظة ووعيا بانتمائه للعمق الحضاري في الجزائر وشمال افريقيا عموما وهي عوامل شديدة الأهمية لمن يصنع سياسات مستقبلية.
بالنسبة لي على الأقل في هذا المنعطف التاريخي لا أرى خلاصا للجزائر من نزعة التقسيم وفتنة العنصرية التي بدأت في الاكاديمية البربرية وقبل ذلك منذ العهد الاستعماري ونشاهد آثارها في ذهاب روح الوطنية وانتشار الروح المناطقية والجهوية، وتمدد المسيحية في مجالنا الحيوي مما يدل على أن المشروع الاستعماري بدأ يؤتي أكله.. فعندما تصبح نتائج الباكالوريا في تيزي وزو وتوظيف العمال في سونطراك وتقسيم الأراضي في الجلفة والأغواط، والمنتجات الزراعية في واد سوف محل تساؤل وجدل وتراشق بمعطيات عنصرية وخلفية انقسامية حادة فهنا نصبح أمام حالة تدحرج كرة الثلج.. وعندها لن يكون بمقدور العقلاء لجم المجانين.. اذا ترك العقلاء المجال واسعا للمجانين يقودون مسار تفتيت الجزائر وتدميرها من الداخل.
كل هذه العوامل يجب أن لا تجعلنا نغفل عن اهمية مراجعة أخطاء الحركة الإسلامية وتقويم المسيرة والانطلاق في دينامكيات التغيير.. دون يأس ولا احباط..
واذا اردت أن الخص جملة من الاخطاء في خطاب الاتجاه الحضاري وتجربته في الجزائر فيمكن الاشارة الى بعض منها على النحو السريع:
• على الرغم من ان خطاب البناء الحضاري يختلف اختلافا منهجيا وبنيويا مع الخطاب السلفي. الخطاب السلفي مرجعياته في الشرق، ويختصر التراث الاسلامي في ابن تيمية وابن القيم والحنابلة وسقفه هو فتاوى هيئة كبار العلماء ومقولات المداخلة ذات الخلفية المخابراتية.. في حين تبنى رواد الاتجاه الحضاري كل اطروحات التجديد وفتح باب الاجتهاد، وتعاملوا مع التراث بأدوات التنقيح والتمييز بين غثه وسمينه.. بين تفسير الخازن وموافقات الشاطبي.. وقد سعت المدرسة عبر آليات مختلفة في تكوين عشرات الكوادر والكفاءات العلمية بشكل مباشر وغير مباشر، وقد حان وقت هذه الكفاءات بأن تلعب دورها وتخرج من قوقعتها وتدفع نظرية التجديد الى مداها التاريخي.. اذا اردنا ان نتجنب نكسة حضارية فان هذه الفعاليات يجب أن تحدث القطيعة المنهجية مع كل تراث التسلف الذي افرغ الإسلام من دينامكيته.. وحاصر المجتمع الجزائري وغيره من المجتمعات حتى أصبحت البدائل بين الجنة والنار وليس بين اجتهاد واجتهاد.. وهنا تكمن خطورة التسلف الاستخباراتي الذي اصبح في طوع الفساد والافساد.. ان فهما مريضا متحجرا للإسلام وتنزيلا ضيقا مريضا ليس خطرا على الأوطان فقط بل خطرا على الإسلام نفسه ومدى قناعة الناس به.
• الوعي باللحظات التاريخية والتحولات.. على الرغم مما كانت تتمتع به المدرسة من كفاءات شابة وتنوع في المشارب وتمثيل وطني يعكس التنوع الذي تتمتع به الجزائر ويضفي على الحركة الطابع الوطني لكن التردد الذي انتابها في تأسيس حزب خاص بها جعلها تدفع ثمنا غاليا في التباس خطابها مع الخطاب السلفي.. وقد استغلت دوائر الصراع وجمعت الاثنين في سلة واحدة..رغم الفارق الكبير بين الخطابين والتمايز في مفردات كل خطاب.. وهو تمايز يصل الى حالة من التعارض والتناقض.. لقد اثر هاجس توحيد الفعل السياسي كأولوية في معركة التحول الديمقراطي وأن الصفوف المشتتة لن تنجح في كسب معركة التحول.. هذا الهاجس حرم الحركة من الانتباه لخطورة الاقتراب من دائرة خطاب هجين لا تتقاطع معه.. واذا كانت محمدة تحسب لعبد الله جاب الله ومحفوظ نحناح وأحمد بن محمد وأسسوا احزابا تمثلهم وفي ذلك تمييز لأنفسهم عن السديم السلفي بل القطيعة مع الخطاب السلفي الامر الذي منح للحركة الإسلامية في الجزائر عموما مجالا للحركة اتسع أم قل.. وهذا من لطف الله بنا..
• الحركة الإسلامية يجب ان تخرج من خطاب المشروع والمسلمات، الى خطاب البرامج والأدوات، وهذا يحتم عليها ان تطور كثير من آلياتها الفقهية ومسلماتها التقليدية، فسعر الفائدة الذي يقرره البنك المركزي هو الربا أم هو آلية تنظيم تدفق الاصدار النقدي؟ والتأمين هو نوع من انواع التضامن بين شركاء المهنة ام هو احتيال على جيوب الناس؟ الرهان على البرامج.. من مشروع العقيدة الى مشروع التنمية والتقدم والتطور والازدهار واكتساب آليات النهوض..