تنمية

التجربة النيوزيلاندية.. دروس مستفادة

قد يكون مستغربا ان كثيرا من السياسات النيوليبرالية تبنتها احزاب يسارية تقليدية.. وهذه دينامكية النخب الغربية.. تتبع الطرق المختصرة في التاريخ وليس لديها الفوبيا لتغيير قناعات ظهرت خاطئة.. ولذلك تداخلت المفاهيم بين اليسار واليمين.. نحن مثلا ننظر لأمريكا كبلد رأسمالي ولا نفرق بين سياسات الحزب الجمهوري والديمقراطي.. والواقع ان الامريكيون يعتبرون الحزب الجمهوري يميني والديمقراطي يساري.. وللخروج من مازق التصنيف يتم التصنيف بالحزب التدخلي (تدخل الدولة في الاقتصاد) والحزب غير التدخلي.. وقد تمر فترات تاريخية يصبح الحزب الجمهوري يتبنى سياسات تدخلية..
وكما حدث في كندا فانه بعد فشل الحزب الليبرالي (يسار تدخلي) اقتصاديا وخسارته للانتخابات صعد على السطح الحزب المحافظ وقام بتبني السياسات الليبرالية ولكن باحتشام بسبب الارث الكبير الذي يحمله المواطن الكندي عن دور الدولة بعد سنوات من الرعاية الاجتماعية.. وفهم الحزب الليبرالي الدرس وبمجرد ما رجع للسلطة في 1993 حتى توسع في البرنامج الاقتصادي النيوليبرالي كما ذكرنا في المقال السابق..
وهذا ما يجعلني دائما أقول ان الاقتصاد يتجاوز الايديولوجيا.. وعلينا ان نتوقف كثيرا عند قواعد الاقتصاد الحيادية.. او قواعد السوق..
ما حدث في كندا تكرر في نيوزيلاندة..
كانت الاشتراكية والكنزية والتدخلية سيدة الموقف.. كما هو الحال في كثير من الدول وتسمى في بعضها دولة الرفاه او دولة الرعاية الاجتماعية.. (دولة الصدقات). شرحت اكثر من مرة ميزانية دولة الرفاه.. وهي تجميع الاموال عبر الضرائب واعادة توزيع

ها بحسب هوى البيروقراطيين.. بدلا من ان يقوم المواطن نفسه بتخصيصها حسب حاجته. الاقتصاد نفسه اصبح ضحية الاقتصاد المدرسي الذي تهيمن عليه النظرية الكنز

ية.
في نيوزيلاندة ايضا كانت الدولة متضخمة الشركات الحكومية التي توظف الاف العمال، مع تراجع الفعالية، وتوسع برنامج الخدمات الاجتماعية، وفي

انتخابات 1984 كانت رياح التغيير تفرض نفسها.. وبالفعل صعد الحزب العمالي الى سدة الحكم وقدم الى الواجهة الاقتصادي دوجلاس روجر ومعه نخبة من رجال الاقتصاد الذين كانوا مقتنعين ان التغيير حتمية..
حزمة دوجلاس لم تخرج عن الحزمة الشهيرة لمدرسة شيكاغو وافكار هايك.. التي اصبحت رسميا في واجهة التغيير في بريطانيا التاتشرية وامريكا الريغانية..
تخفيض ضرائب القطاع الخاص
جلب الاستثمارات الاجنبية
تخفيف القيود عن حركة العملة الصعبة
تحرير الرواتب
الغاء الضرائب الحمائية
خوصصة الشركات الحكومية
تخفيض الانفاق على الحماية الاجتماعية
تقليص تدخل الدولة والحماية التي تمارسها لرعاية الاقتصاد
نجح الحزب في الانتخابات وكان اول لقاء مع البنك المركزي وتم الاتفاق على تعويم العملة بنسبة 20%..
حتى لا ننسى كل هذه السياسات يطبقها حزب يساري، لان الغرب بدأ يفهم الدرس.. الاقتصاد يجب ان يتحول الى فوق الايديولوجيا.. الارقام تحكم المواقف وليس العكس..
وطبعا ككل السياسات التي تاتي بعد سنوات من الفوضى.. الاصلاح يبدا بالجرعة المرة من الدواء.. فكثير من العمال فقدوا وظائفهم..
حزب العمال بدا حربا واسعة على البيروقراطية الجامدة.. كل نشاط حكومي يمكن ان يقوم به السوق افضل من البيروقراطية يتم تجميده وتوقيفه فورا.. بدون عاطفة فارغة.. قرار الخوصصة في كل القطاعات التي تعجز الحكومة عن تسييرها. الحكومة تسير الفنادق والطيران والقطارات والمناجم لماذا لا تتركها للمجتمع يديرها بالكفاءة اللازمة.
يقول دوغلاس روجر.. “نظرت للمسألة من وجهة نظر المستهلك (المواطن)، بغض النظر عمن يوفر الخدمة.. سواء كانت الحكومة أو القطاع الخاص.. طالما نوفر في مال الضرائب ولا نضيع مال الشعب”
ما بقي من مؤسسات حكومية فرض روجر على هذه المؤسسات ان تعمل في نفس الشروط التي تعمل فيها المؤسسات الخاصة.. ويعطى مثال بوكالة مراقبة الطرقات التي كانت تكلف الدولة مليار دولار نيوزيلندي سنويا اصبحت توفر مليار دولار بعد دفع التكاليف والضرائب. ويعطى مثال بدائرة المرور التي كانت توظف 5600 عامل ولما انتهوا من الاصلاح بقي 53 فقط.. ودائرة الغابات كانت توظف 1700 عامل وبعد نهاية الاصلاح لم يبق سوى 17 موظف.
والاصلاح الثالث هو اعادة النظر في حزمة القوانين المتراكمة والتي تعرقل الحياة العامة بغرض التبسيط والغاء كل ما لا لزوم له..
رئيس الوزراء لنجويني الذي قال في اول المشوار اعترف انني لست رجل اقتصاد، بدأ يتدخل في القرارات.. وعندما ضربت ازمة البورصات في اكتوبر 1987 وتاثرت بورصة نيوزيلاند قام روجر بتقديم قرارات ومنها زيادة تخفيض الضرائب والقيود على الاستثمار الاجنبي والتفكير في بيع ما بقي من مؤسسات مثل الاتصالات.. وهنا قرر رئيس الوزراء بعد عطلة اعياد المسيح عكس كل القرارات.. ثم اقال وزير المؤسسات الحكومية الذي كان يريد ان يبيع ما تبقى منها. وهنا استقال الوزير روجر دوقلاس. لكن الحزب تضامن مع الوزير ضد رئيس الوزراء.. واعاده لقيادة الحزب.. وعندها استقال رئيس الوزراء فاسحا المجال لمزيد من الاصلاحات.
وكما حدث في كندا.. في 1990 عاد الحزب الوطني المحافظ الى الحكم ولكن هذه المرة مسلحا بافكار جديدة.. وهي التوسع في الاصلاحات الاقتصادية..
نيوزيلاندة التي تتمتع بمعدلات نمو جيدة هي نفسها نيوزيلاندة التي مرت على صراط التغيير وشرب الدواء المر حتى تتعافى