التفكير كخبير اقتصادي: دليل القرار العقلاني (11)
اقتصاد الجريمة.. دروس سنوات الحضر.. Prohibition Years
تجربة حضر وتحريم الخمر في أمريكا تعتبر احدث تجربة في التاريخ المعاصر لتاطير السلوك الانساني ووضع القوانين المناسبة لمعاقبة المنحرفين..
والذي يطلع على تفاصيل هذه التجربة اكيد سيكتشف كثيرا من التفاصيل المثيرة منذ انطلاق الفكرة مطلع القرن التاسع عشر الى تعديل الدستور الامريكي (التعديل 18) سنة 1918 واعتبار بيع وانتاج الكحوليات منافيا للقانون.. بل معارض لمفهوم المواطنة لان التحريم اصبح جزء من الدستور الأمريكي..
التجربة فيها اخلاص المجتمع لمحاربة هذه الافة.. استجابة الحكومة والهيئة التشريعية بعد ان اصبح المطلب شعبي.. ولكن فيها ايضا الوجه الآخر وهو مدى قدرة القانون على تاطير السلوك البشري.. فبقدر ما كان هناك مطلبا شعبيا تجسد في تغيير الدستور ووضع القوانين المناسبة لتطبيقه.. لكن الانعكاسات كانت كارثية بعد وضع القوانين.. أسوأ مما كانت عليه قبل ذلك.. بل توسعت حزمة الجرائم لتتجاوز السكر الى جرائم أخرى اخطرها ظهور العصابات المنظمة التي تغذي رصيدها المالي من تجارة الكحول المحضور.
معركة الكحول في امريكا اثرت على التشريع وعلى كثير من المجتمع الأمريكي هو مجتمع المهاجرين.. ومنذ ان فتحها كولومبس ثم استقلالها عن التاج البريطاني ظل هذا البلد الى يوم الناس بلد الهجرة والمهاجرين.. على الرغم ان المهاجر القديم يعتبر المهاجر الجديد هو المهاجر فقط. وتبدأ القصة مع مطلع القرن التاسع عشر عندما ظهر تغير على منتج الخمر من حيث زيادة نسبة الاسكار وما صاحبها من ظهور الآفات الاجتماعية خاصة الاعتداء على الابناء في البيت والزوجات الذين تحملوا قسوة الرجال. لكن الأمر زاد عن حده وبدأت النساء تتشكل في جماعات مناهضة للخمور ورفعن شعارا طريفا “الشفاه التي تلمس الخمر لن تلمس شفاهنا”.. ودخل رجال الدين على الخط وحدث الانقسام بين الكنيسة البروتستانتية والكنيسة الكاثوليكية..
وهناك لوحة طريفة يعود تاريخها الى 1845 وتظهر مراحل تطور استهلاك الخمر من التجريب الى المتعة الى الضياع.. والضحية الأسرة والأبناء الأبرياء..
ومع تزايد الشباب المهاجرين الذين يتوافدون بكثرة ولا يجدون سوى الصالونات لقضاء الوقت واحتساء الخمر دخل الرجال في معركة الخمر وظهرت منظمة “ضد المخامر” (Anti-Saloon League) وانقسم المجتمع الناشء بين المهاجر القديم والمهاجر الجديد.. أصبحت المعركة ضد الخمر ليست فقط معركة النساء ضد مظاهر تفكك الأسرة بسبب ذهاب عقول الرجال والاعتداء على الاطفال الصغار بل اصبحت ايضا معركة ضد الشباب المهاجرين الذي يسكرون ويشكلون خطرا على امن وتماسك المجتمع.. وتطورت المعركة بشكل غير مسبوق.. واعتبر المهاجرون الوافدون خاصة من اصول المانية ان الحرب على الخمر هي الحرب على ثقافتهم وتقاليدهم الالمانية العريقة التي يجب ان يحافظوا عليها.. وكانت معظم معاصر الخمر يديرها المهاجرون الالمان خصوصا ولحق بهم الايرلنديون الكاثوليك..
ولعل المعركة ضد الخمر في امريكا هي جزء من تاريخ نضال النساء وظهورهن على مسرح الاحداث.. ان الرجل الذي يعود الى بيته تالف العقل ثم يعتدي على الاطفال الصغار وعلى المراة المسكينة لا يمكن احتواء المشكلة بالبقاء في البيت بل يجب ان تخرج المراة من البيت من اجل تنظيم نفسها ضد هذه الآفة الرجالية الخبيثة. ويبدو ان معركة المعركة في الحرية والمساواة بدأت أو تعززت من الحاجة الى محاربة الخمر. ولم تتوقف المعركة في هذا المستوى الاجتماعي.. فقد قويت شوكة الجماعات المناهضة للخمور وسرعان ما فهم الجميع ان المعركة لا يجب ان تتوقف في حدود المجتمع بل يجب ان تنتقل الى المجال السياسي.. وانتقلت اصداء المعركة الى خارج امريكا خاصة الدول الناطقة بالانجليزية ودول اسكندنافيا.. 
الحكومة الفدرالية كانت تحصل على 70% من مداخيلها من الضرائب على الخمر، لكن الجماعات الرافضة لبيع الخمور قدمت مقترحات لتعويض هذه المداخيل ومنذ ذلك الحين ظهرت فكرة الضريبة على المداخيل بدلا من استعمال اموال ضرائب الخمور..
تطورت المعركة السياسية واصبحت بمثابة الصراع بين الامريكان القدماء والامريكان الجدد خاصة الألمان.. لكن الحرب العالمية الأولى وتورط الألمان فيها اعطت احسن فرصة لجماعات محاربة الخمر وانكمش الالمان المهاجرون في امريكا.. وتوجت المعركة السياسية بادخال التعديل الثامن عشر على الدستور الأمريكي “إنتاج ونقل وبيع المشروبات الكحولية المسكرة غير القانوني” على أساس بعد تجفيف منابع الانتاج والنقل يصبح الاستهلاك ضعيفا الى ان يعدم نهائيا وهذا هو الغرض. وتم إرساله إلى الولايات للتصديق عليها، وفي 19 جانفي 1919 تحصل على ثلثي الموافقة من الولايات الأمريكية وأصبح جزءا من الدستور.
كانت معركة اخلاقية قانونية سياسية اجتماعية.. النساء ضد الرجال.. المهاجرون القدماء ضد الجدد.. البروتيستانت ضد الكاثوليك.. معركة متعددة الجوانب دامت تقريبا مئة سنة..
هذا هو الوجه الايجابي للمعركة.. لكن سنوات الحضر والتي تمتد بين 1919 الى 1933 كانت بمثابة المفتاح لدخول باب جديد انعكس بتغيرات عميقة على بنية المجتمع الأمريكي وظهرت ظواهر عجيبة غريبة لم يتوقعها ايا ممن كان يحارب الخمر في بداية المعركة..
الخمر كان جزء متجذر من الثقافة الأمريكية وجزء من شخصية الانسان الغربي وتقاليده يتربى عليه منذ نعومة اظافره وبني المجتمع وهو يتعايش مع الخمر.. حتى ولو كانت كل الاحصاءات تدل على انه يذهب العقل ويتسبب في تزايد نسبة الطلاق وتفكك الأسر وافساد اخلاق الفتيان وابعادهم عن التركيز على الدراسة ويدمر مسارهم المهني ويخرب علاقاتهم..
في الأشهر الستة الأولى، دمرت الآلاف من معاصر الخمور غير المشروعة التي يديرها المهربون. ولا يزال التاريخ يحتفظ بصورة تلك الحملة الوطنية التي سخرت لها الشرطة والاعلام ورجال الدين ومنظمات المجتمع المدني..
لكن الغريب أنه بمرور الوقت كانت هناك ظاهرة عجيبة، فالمجتمع الذي كان يحارب الخمر ويخرج في مسيرات ويتجمع امام المخامر ويوزع المنشورات هو نفسه المجتمع الذي بدأ يبحث عن احتساء بعض الجرعات الخفيفة من الخمر.. هنا بدأ ينمو تناقض عجيب في الجتمع.. حيث بدأت ظهارة البحث عنه ولم يكن متوفرا غير المجرمين العقلانيين الذين لهم القدرة على توفيره وهنا بدأت ظاهرة نمو الجريمة المنظمة وتوسع نشاطها في كل امريكا. وقد بنى المهربون الكبار مثل آل كابوني في شيكاغو إمبراطورية إجرامية من جهود توزيع الخمور غير القانونية، وفي نفس الوقت فقدت الحكومة الأمريكية ملايير الدولارات التي كانت تتلقاها من جراء عائدات الضرائب المفروضة على بيع واستهلاك الخمور..
التعديل الدستوري منع صناعة وتسويق الخمر ولكنه لم يستطع ان يمنع استهلاك الخمر..
وهنا توفرت فرصة “اقتصادية” واضحة، وهي صعود الطلب على الخمر مع تقلص العرض وضموره.. ومن يريد ان يدخل اقتصاد عرض الخمر فسيعرض نفسه الى مشكلة مع القانون.. ولذلك ليس من حل سوى العمل خارج نطاق القانون.
وبدأت تزدهر تجارة تهريب وتوزيع الخمور، ونشأت العصابات وازدهرت وتوسعت وقوي عودها وبدأت تجني اموالا كثيرة جدا مما وسع من سلطتها التي امتدت الى كل مجالات الحياة العامة من رجال الصحافة الى رجال الشرطة والقضاة والسياسيين. ويروى ان آل كبون قال بصريح العبارة..” مثلي كأي انسان آخر. كل ما اقوم به عرض وطلب” لم يكن يجب ان يدرس اقتصاد حتى يفهم ما يحدث بالضبط.
على الرغم من ان ملايين الامريكيين قلصوا من استهلاك الخمور او على الاقل قلصوا منها لكن ملايين اخرى لا تزال تحن لتعاطي الخمر وفي ظل هذه الشروط التي تفرضها الدولة الناشئة والطلب المتزايد على الخمر تشكلت فضاءات خاصة اصبحت حتى النساء ترتادها بعد ان كانت المخامر قاصرة على الرجال، وظهرت موسيقى السود الجاز التي ازدهرت في هذه الفضاءات.. وظهرت صناعة الخمر منزليا وباستعمال مواد خطرة.. ويتم بيع بعض المكونات مع تعليمات خاصة كيف تتخمر منزليا.. منظومة اقتصادية كاملة تشكلت بسبب قانون الحضر..
ولعل النساء اللواتي قدنا حملة ضد الخمور بسبب العنف المنزلي المسلط عليهن لم يتصورن ان طريقة تطبيق هذه القوانين ستكون طريقا لاستباحة جسد المرأة كليا.. ففي الفضاءات السرية التي تشكلت لتعاطي الخمر وتسمى (Speakeasy) او تسمى الخنزير الاعمى او النمر الاعمى استعمل التجار المرأة كوسيلة ترفيه خاصة من المهاجرات. وكانت تلك الفضاءات تدار تحت حماية الشرطة وقوات الأمن المرتشين الذين باعوا ضمائرهم لتجار الخمر غير الشرعيين. وهناك من يعزو لسنوات الحضر اثر بالغ في تغيير الثقافة الأمريكية من محافظة الى منحلة.. فبعد ان كانت النساء يتجمعن امام محلات صالونات الخمر منددين بهذه الآفة أصبحنا سلعة في نفس الفضاءات..
كانت صيغ التحايل على تطبيق القانون تتمثل في مظاهر من النفاق فكل الشرطة وقوات مكافحة الخمر الذين يقومون بتكسير الزجاجات والبراميل يقومون في الليل في سبيكايزي باستهلاكها او رعايتها..
كيف تحولت امة من محاربة الخمر الى تعاطيه.. ومن نبذ شاربه الى توسع استهلاكه.. تبق من القضايا التي دفعت الى التعمق اكثر في علاقة القانون بالتنفيذ بالأخلاق وبالعمل العام بالدولة بقوات الامن بالصحافة. حزمة قضايا تشتبك مع بعض.
بعض الاحصاءات تؤكد ان الاستهلاك تراجع بنسبة 30% في السنوات الأولى لكنه سرعان ما قفز الى 60%-70% مقارنة من سنوات ما قبل الحضر.. وتحولت الامة من رافضة عن للخمر الى باحثة عنه باي ثمن..
ولكن الاخطر على الاطلاق هو ازدياد منسوب الجريمة المصحوبة بالقتل أخطر مما كان عليه الحال سابقا. كانت جرائم السرقة والاعتداء على المنازل محدودة ولا يمكنها باي حال تحويل السارق الى غني لكن هذا النوع الجديد من الجرائم جعل تجار الممنوعات من كبار الأغنياء.
وظهر على السطح المهاجرون الروس والطليان الفقراء المستعدين ان يقوموا بأي عمل من أجل الأكل والشرب، وقامت عصابات المافيا باحتوائهم.. وقصة آل كبون مثيرة لأن الحكومة الفدرالية وجدت نفسها امام حالة عجيبة شخص مجرم يقتل ويتاجر في الممنوعات ومع ذلك ولمدة سنتين لم تستطع ان تثبت عليه تهمة واحدة.. لا قتل ولا سرقة ولا تجارة في الممنوعات. كل شيء كان يتم بالكلمة.. الكلمة هي كشف الحسابات وهي فاتورة التسليم وهي سند القبض كل الاموال في الخزائن وفي الصناديق.. فضلا عن سيطرته المطلقة على كل المحيط من الشرطة الى الصحافة الى القضاة كلهم يدفع لهم.
وبعد تحريات دقيقة ومتواصلة لم يجدوا سوى تهمة التهرب الضريبي فاستدعي للقضاء بناء على 22 تهمة تتعلق بالتهرب الضريبي. واثناء المحاكمة كان ال كبون واثقا من نفسه لان رجاله بكل بساطة قدموا رشاوي لكل لجنة المحلفين ومن لم يقبل الرشوة قاموا بتهديده. والقاضي الذي كان يواجه المتهم قرر في آخر لحظة تغيير لجنة المحلفين كاملا.. وتم محاكمته بتهمة التهرب الضريبي والحكم عليه في اكتوبر 1931 باحدى عشر سنة سجنا وهي اعلى مدة لهذه التهمة في ذلك الوقت.
وتبقى من أغرب القضايا في التاريخ، رغم ان الرأي العام شعر بالارتياح من ابعاده عن مسرح الجريمة لكن الألسن لم تتوقف لانها اعتبرت العقوبة تمت على أقل جرائمه فهو قد فلت من الاعدام بسبب جرائم القتل او الامر بالقتل مثلا. بل البعض اعتبرها ذكاء وتآمر من اجل حمايته.. ومات ال كبون بامراض جنسية.
ولكن أغرب ما في القضية ان ما كان يعتبر جريمة اثناء المحاكمة تحول بعد سنتين الى عمل عادي وتم الغاء قانون الحظر وتعديل الدستور للمرة 21 في ديسمبر 1933..
هل كان المجتمع الأمريكي وخاصة فئة النساء مخلصين في مكافحة ىفة السكر وتعاطي الخمور؟ نعم كان مخلصا.. هل المجتمع القانوني والسياسي وجهاز الشرطة وفروا كل الشروط لكي يتخلص المجتمع الأمريكي من هذه الآفة؟.. نعم يبدو الأمر كذلك..
اذن ما الذي حدث بالضبط؟
لماذا انحرف المسار وظهرت آفات أخرى اشد من تعاطي المسكرات.. عصابات القتل المنظم.
كانت تلك التجربة مهمة جدا في عدة مستويات:
• مدى قدرة الدولة على فرض القانون
• العلاقة بين القانون والاخلاق والضمير الجماعي وسلطة الاكراه واحتكار القوة الذي تتمتع بها الدولة.
• العلاقة بين الجريمة والسلوك العقلاني
• ما هو القانون الذي يمكن للدولة كجهاز ان تفرضه..
• كيف تعالج الجرائم بشكل صحيح
المسألة ليست مجرد مسطرة قوانين يجب تطبيقها.. وليست مجرد مواعظ يجب ان نسمعها للناس وليست فقط جهاز شرطة وكفاءة المحققين.. انها شيء متداخل.
ولذلك قام غاري بيكر بنقل الاهتمام من المجرم (كانسان مشوه او مريض كما يقول علم النفس) الى المحيط العام الذي يوفر الشروط الموضوعية لنشأة الجريمة والمعيار هو القرار العقلاني بين الربح والخسارة والمخاطر..
كثيرا من الناس يعجز عن فهم لماذا هناك سجون فارغة في هولندة وفي السويد.. وبعض الاعلاميين يقدمون المشاهد من هذه السجون دون ان يفهموا ما يحدث بالضبط فيغالطون أنفسهم والرأي العام معهم.
والواقع ان هناك تحول في التشريعات في هذه الدول.. كثيرا من التصرفات تعتبر جريمة في أمريكا مثلا ولكن ليس كذلك في هولندة ومنها حاليا جريمة التعاطي بالمخدرات مثلا..
هناك شريحة كاملة من المساجين لو كانوا في هولندة فانهم لن يسجنوا.. هناك شريحة كاملة من السلوكات تجرم في أمريكا ولا تجرم في هولندة..
واذا دخلنا الى عالم المخدرات، ففي المجتمعات الغربية تشكل جريمة المتاجرة وصناعة وتوزيع وبيع المخدرات مصيبة مركبة.. فقد بلغت تجارة المخدرات رقما خياليا حيث تقدر بحوالي 1.7 ترليون دولار سنويا.. اعلى من الناتج المحلي التركي بـ70% وكلها تدور خارج النظام المالي المعترف به..
تقريبا ما حدث في العشرينات مع مكافحة “البوز Booze” (الخمر) يتكرر حاليا مع ظاهرة مكافحة المخدرات.. وكثير من الملاحظين يعتبرون ان “الحرب” التي تقودها الدولة الأمريكية بشكل مشبوه هي المسؤولة عن ظهور انواع كثيرة من المخدرات التجارية والصناعية بسبب الحوافز التي توفرها الدولة لمصنعي هذه الموبقات، في الحين انها تريد منعها حفاظا على الصحة العمومية.
ولعلاج الجريمة هناك عوامل يجب ان تعالج:
• مداخيل المجرم في حالة قيامه بعمل قانوني
• مداخيل المجرم من عمل غير قانوني
• احتمال القاء القبض عليه
• تكلفة العقوبة..
هذه هي الخيارات المطروحة امام المجرم..
وهنا يتدخل المفهوم الاقتصادي مفهوم الهامش.. ما هو الهامش المقبول من الجريمة الذي يجب ان لا يتجاوز تكاليفها على المجتمع تكلفة الجريمة نفسها.. أي كم ستكلف الجريمة المجتمع.. وهنا نستحضر الجريمة وتكلفتها في المثال الياباني الذي بدأنا به هذه المقالة.
يقول بيكر :”نسبة الجريمة لا تحدد فقط بالخيارات العقلانية للمجرم، ولكن بالمحيط الاقتصادي والاجتماعي الذي يتشكل بناءا على السياسات الحكومية العمومية بما فيها المصاريف المخصصة للعقوبة والمكافأة والتعليم والتدريب”
فالجريمة في المنظور الاقتصادي سلوك عقلاني، ربما يجدر ان نستثني جرائم المرضى نفسانيين، هذه تخرج من هذا التصنيف، ولذلك لمكافحة كثير من الجرائم يبرز أهم أسلوب وهو وضع تكلفة مالية (الغرامة) على كل جريمة.. بدلا من السجن.. ولذلك يرى بيكر أن الغرامة افضل من السجن، الغرامة أكثر فعالية في تحقيق الهدف، لانها تكسر حلقة الربح المستهدف من الجريمة.. وبدلا من أن يكلف المجتمع مبلغا من المال مقابل وضع المجرم داخل السجن فانه يقوم بدفع مبلغا من المال للمجتمع (الخزينة العامة) بسبب ارتكابه الجريمة.
بعد سنوات من التجارب في السجون وفي كل العالم فان التكلفة المباشرة التي يتحملها المجتمع هو ان السجن مدرسة لتطوير مؤهلات السجين الاجرامية وجعله يتكيف اكثر مع جرائم جديدة في أغلب الحالات..
في البرتغال قامت الحكومة منذ 2001 بتوقيف عملية تجريم تعاطي المخدرات. ولفهم الصورة الاجمالية فان المخدرات بلغت مستويات عالية في البرتغال في الثمانينات بحيث ان شخص من كل عشرة اشخاص يتعاطى اخطر انواع المخدرات كالهرويين.. أي 10% من المواطنين.. الأمر خطير جدا.. وقد مس كل شرائح المجتمع.. الطالب الجامعي والاستاذ وموظف البنك وبائع النسيج وحتى جهاز الأمن وكان الناس يحقنون انفسهم في كل مكان وفي قارعة الطريق.. لن تكفي سجون اوروبا كلها لوضع هؤلاء بعيدا عن الانظار.. وما هي التكلفة.. وهل السجن وحده هو الحل.. خاصة ان العصابات اخترقت كل شرائح المجتمع وكل الطبقات.
ولتصور المشكلة بشكل جيد
تخيل حكومة في الجزائر مثلا تقرر منع التدخين.. بسبب الاضرار التي يتسبب فيها..
او تقرر منع القهوة نظرا للاضرار التي تتسبب فيها.. الخمر والمخدرات في هذه المجتمعات اصبح تتعاطى مثلما نشرب نحن الماء كل يوم.. وبنسب عالية جدا..
طبعا كل الدول قامت بمحاربة التدخين.. وكثيرا منها نجح في ذلك.. نجح في تقليل الاستهلاك ولم ينجح في المنع المطلق.. منع التدخين في الاماكن العامة.. في الجامعات والمدارس والمؤسسات والبنايات ووسائل النقل العمومي.. وفرض غرامات للمخالف.. ومنع الاشهار والدعاية للتدخين ووضع الصور المقززة للتاثير على نفسيات المدخن.. وفي المطارات اذا اردت ان تدخن عليك ان تدخل الى غرفة خاصة مثل الحمار الاجرب..
هذه السياسات التكاملية لم تمنع التدخين كليا لكنه قلصت الاستهلاك واوجدت اجيالا لا ترى في التدخين شيئا يستحق التعب.. لا تنسى انه في وقت سابق كانت سيجارة المالبور او روثمان ترمز للرجولة الكاملة..
سنلاحظ في اشكالية الجريمة والعقاب ان الامور متشعبة ومتداخلة وليست بالشكل البسيط الذي يبدو في الظاهر..
فبيع البنزين عمل مشروع
لكن بيع البنزين المدعم جريمة
وهذا ما يجعل السلوك البشري متناقض.. ربما بسبب ضعف التعليم.. فهو لا يفهم المعادلات الرياضية التي تجعل بيع البنزين المدعم خارج الحدود هو سرقة لمال اخوانه من افراد المجتمع.. وما تعتبره جريمة في “مجتمع” قد لا يكون جريمة في مجتمع آخر ومنها تعدد الزوجات بالنسبة للمسلمين ومنعه في الغرب والمخادنة بالنسبة للغرب ومنعه عندنا..
وسنكتشف ان الجهد الأساسي لمكافحة الجريمة يبدأ في تغيير التصورات نحو سلوك ما.. وهذا ما تفيده تجربة تقليص استهلاك الدخان عبر العالم..
ان يكون الاستهلاك في مستوى صفر تقريبا غير ممكن.. لكن تقليص الاستهلاك لمستويات مقبولة الى الحد الأدنى هو الأمر المعقول والممكن..
وفي الاخير كحوصلة فان الجريمة بالنسبة للمجتمع هي ما يكلف المجتمع أكثر مما يستفيده.. والموازنة بين الجريمة والعقاب يجب ان تكون بمراعاة هذا التوازن.. لانه لا يعقل ان تكون قيمة الجريمة دولارين وقيمة مكافحة الجريمة 78 الف دولار. والعقوبة المثلى للجريمة هي العقوبة المالية ويمكن التامل في الدية، وهي القيمة المالية الواجبة بجناية على النفس او ما دونها.. بدلا من السجن.
وبالنسبة لـ”سوق الجرائم”، يجب ارباك الطلب، فاذا كان هناك طلب متزايد على منتج ما فيجب معالجة اشكالية الطلب.. عبر التوعية من جهة وهذه ضرورية او يحدث نفس الامر الذي حدث في سنوات الحضر ويحدث حاليا مع مكافحة المخدرات..
وثانيا عبر المعاقبة، المخفية، المابعدية لنتائج استهلاك هذا المنتج.. مثلا ترفض شركات التامين التامين على صحة من يستهلك الدخان او ترفع عليه القسط 5 أضعاف مقارنة مع غير المدخن.. او لا يستفيد المريض بامراض ناتجة عن استهلاك الممنوعات من مجانية العلاج..
بمعنى آخر تجعل المستهلك يفكر مرتين في عواقب ما يترتب عن استهلاك الممنوعات.. والانسان عقلاني بطبعه سيختار ما ينفعه..
واذا علمنا انه حتى في المجتمعات التي لا تحرم الخمر من وجهة النظر الدينية والاخلاقية ولا تحرم استهلاك الدخان فان هذه المجتمعات ايضا مرت بتجربة منع هذه الموبقات ومكافحتها باقصى ما هو ممكن.. لان تكلفة علاج الآفات الاجتماعية المترتبة عنها عالية جدا جدا.. وتجربة الحضر وتجربة مكافحة المخدرات ومكافحة التدخين كلها تدل دلالة مباشرة على ان هذه المجتمعات ايضا تفكر بشكل عقلاني في مكافحة هذه الآفة.
وفي التجربة الامريكية بالرغم من الغاء التعديل في الدستور القاضي بمنع توزيع وبيع هذه الآفات فان المجتمع استفاد عدة أشياء من بينها التحكم في مقدار الكحول المسكر في هذه المحرمات.. فقد تم تحديد نسبة الكحول المقبولة بنسبة 2% وقد استمرت ولاية المسيسيبي في منع الخمور الى سنة 1966 واستمرت ولاية الكنساس في منع بيع الخمر في المناطق العامة الى 1987.
في كلمات موجزة..
القوانين تتبع المجالات.. ما يعالج بمجال الأخلاق العامة يجب ان يعالج بادوات الاخلاق العامة بحيث يحدث تغير في القناعات الجماعية تجاه مشكلة ما.. مثل الاعتداء على الأطفال القصر.. هناك اجماع عالمي على بشاعة هذه الجريمة واستنكارها.. والقوانين الصارمة تقريبا محل اجماع أيضا في مكافحة هؤلاء المجرمين..
وهذا ما فهمته كثير من الدول تجاه مشكلة التدخين مثلا.. حيث هناك علاج بعيد المدى لتغيير القناعات أولا قبل تدخل القوانين.. فرجال السياسة مثلا لا يظهرون في الأماكن العامة واثناء اداء مهامهم الرسمية يدخنون وهذا من الصورة العامة للسياسي المعاصر.. وفي كثير من الملتقيات الدولية والمؤتمرات يخرج المدخنون خارج الصالة مثل الشخص المنبوذ.. وحققت الشعوب تقدما في هذا المضمار..
المقاربة الاخلاقية ايضا يمكن ملاحظتها في المجموعات البشرية خاصة فئة المتدينين حيث بسرعة تلاحظ انعدام التدخين مثلا.. اما التفكير في الخمر فهذا من علامات الساعة بالنسبة لهم.. ومؤخرا ظهرت مجموعات الفيجان (العشبيين) الذين يرفضون اكل اللحوم مهما كان نوعها… وهم يتوسعون في عدد الانصار عبد التوجيه الاخلاقي والعلمي والتفاعل الفكري مع الناس وليس عبر القانون والشرطة فقط.. ولو اراد احدهم ان يفرض عدم اكل اللحوم فانها ستقوم حرب عالمية في نفس الدولة.. مهما حاول ان يقنعنا بان اللحوم مضرة بالصحة..
المقاربة الاقتصادية للجريمة هي مقاربة قبلية وبعدية ولكن دون وازع اخلاقي عالي ودونآىليات صحيحة لمكافحتها تراعي جميع الأبعاد ستبق الجريمة سيدة الموقف حتى ولو في بلد قوي بحجم امريكا.
ولذلك تحديد طبيعة الجريمة التي يمكن مكافحتها عبر الدولة امر مهم جدا..
وبالمقابل نستحضر محاولات العلمانيين العرب منع اللباس الشرعي او الحجاب في تونس بقوة القانون في عهد زين العابدين بن علي.. ورغم كل جهودهم وسنوات طويلة من المحاربة لكن كانت النتيجة عودته القوية بعد الثورة التي اطاحت بالدكتور الغبي ونظامه الأعوج.. ونفس المسار في فرنسا.. المجتمع دخل في حزمة مشكلات ومضاربات قانونية واخلاقية لا بداية ولا نهاية لها..