الاقتصاد

كينز.. وهايك.. 7

كل هذه التحولات التي تحدثنا عنها سابقا جعلت فريدريك هايك يدرك أن مشكلة تدخل الدولة في الاقتصاد، أو تسيير الاقتصاد عبر البيروقراطية لم تعد مشكلة شيوعية او اشتراكية بل مشكلة كبيرة جدا وعامة والجميع يتبناها دون وعي.. التخطيط المركزي والتخطيط الوطني بدلا من كل شخص يخطط لنفسه هي الموجة الثقافية السائدة.. ولا يمكن حلها بأي مناقشات اقتصادية ذات طابع تقني.. وعليه يجب اقتحام المجال العام.. واعادة تغيير المفاهيم.. 
حتى ولو انهزم هتلر فان العسكرة هي الحل بشكل مباشر. والحرب العالمية الثانية عززت هذا الاتجاه وأصبحت الدولة هي الحل.
ولذلك قرر هايك اقتحام المجال العام وفتح نقاش في دائرة اوسع من دائرة الاقتصاد وتبسيط المفاهيم وبناء رؤية شاملة. اما النقاشات التقنية الدقيقة ستكون بمثابة صرخة في واد ولن يسمع بها أحد. 
اعتكف هايك على تطوير اطروحته: الطريق الى العبودية. بعد ان نشر بعض الدراسات والمقالات في نهاية الثلاثينات.
الطبعة الاولى للكتاب ظهرت في بريطانيا في ماي 1944، وقام باهداء الكتاب على هذا النحو “إلى أصدقائي الاشتراكيين من كل الأحزاب” في بريطانيا. من خلال هذا الاهداء نفهم ان هايك يعتبر الفكرة “التدخلية مرادفا للاشتراكية” (تدخل الدولة في الاقتصاد او تسيير الاقتصاد عبر البيروقراطية) هي فكرة مبثوثة لدى كل الاحزاب على الرغم من الوانها السياسية التي تبدو متباينة.
ولفت الكتاب بعض الاقتصادين في امريكا وعلى رأسهم هازلت فقاموا بالاتصال بالناشرين التجاريين ولكن معظمهم رفض طباعة الكتاب.. ووفقوا في اقناع مطابع جامعة شيكاغو (والتي ستحتضن مدرسة شيكاغو في الاقتصاد لاحقا حتى نفهم كيف جاءت وتطورت مدرسة شيكاغو).. وكانت المفاجأة فبعد طبعة اولية ازداد الطلب على الكتاب حتى وصل عدد المبيعات في وقت قصير 40 ألف نسخة ولولا ظروف الحرب التي كانت تضع حدا لاستعمال الورق لتم طباعة أكثر من ذلك. وبمعايير تلك المرحلة يعتبر أول كتاب تنشره مؤسسة اكاديمية ويحقق مبيعات بهذا الرقم الخيالي.. 
وبسبب شهرة الكتاب قامت مطبعة اخرى بطباعة نسخة مختصرة فحققت مبيعات منقطعة النظير بلغت 600 ألف نسخة.. وعندها انتبهت مجلة ريدر ديجست (Reader Digest) الى هذا الكتاب فقررت نشره كملحق واذا علمنا ان المجلة تملك 7 ملايين مشترك ثابت سنعلم حجم الانتشار الذي حققه الكتاب.. فقامت باعداد نسخة مختصرة في شكل ملحق ونشرتها مع عدد أفريل 1945 وتفاجأت المجلة بطلب متزايد على الكتيب وقامت باعادة طباعة مليون نسخة اضافية. ل
لم يشهد كتابا حجم مبيعات بهذا الشكل وفي وقت قياسي في العصر الحديث. حتى أن شركة شركة موتورز لصناعة السيارات قررت نشر نسخة مختصرة في شكل رسوم لتبسيط الأفكار والمفاهيم للراي العام. 
الكل يريد ان يستثمر في الكتاب.
وحسب تصنيف لمجلة ناسيونال انترست فانه من ضمن العشرة كتب غير الادبية التي اثرت في العالم هناك كتابين لهايك وكتابين لجورج ارويل وكتاب لميلتون فريدمان في هذه القائمة الذهبية.
مجلة ريدر ديجست كان لها قراء في بريطانيا من بينهم طيار متقاعد يعمل في الزراعة اسمه انتوني فيشر كان يقتني المجلة شهريا.. فلما اطلع على ذلك العدد واعجب بالكتاب الملحق فرح فرحا شديدا عندما قرا بأن مؤلف الكتاب مقيم في لندن قريبا من مكان عمله فقرر زيارته فورا.
ولما التقى بهايك ابدى له اعجابه الشديد بالكتاب وبافكاره وقال له لقد قررت خوض السياسة من أجل أن أنشر هذه الأفكار.. فقال له فريدريك هايك دعك من السياسة علينا أولا تغيير الأفكار… 
واعجب انتوني فيشر (Antony Fisher) بهذا الجواب (الذي لا يتذكره هاييك بالمناسبة فقد نسي الحادثة) وذهب الى امريكا باحثا عن فرض استثمارية وجلب مزارع الدواجن الى بريطانيا وعندما حقق بعض الثروة أسس سار على خطى الفابيان الذين اسسوا معهد “معهد لندن للاقتصاد” فأسس “معهد “الشؤون الاقتصادية” بلندن.. ويقال ان فيشر هو العقل الملهم لما يسمى بيوت التفكير في الغرب (Think Tank House) والتي انتشرت اكثر وأكثر في أمريكا لاحقا.
وبسبب هذه الشهرة الكبيرة التي لم تخطر على بال.. قام أصدقاء هايك في امريكا بترتيب زيارة للتعريف بالكاتب والكتاب.. كان هايك يتصور ان تكون مجرد لقاءات عابرة تضم 50 شخصا في قاعة اكاديمية واذا به يستقبل اسستقبال المشاهير ووجد عشرات الميكروفونات ووسائل الاعلام التي تغطي زيارته. وامتدت الرحلة بضعة اشهر بدلا من بضعة أيام. 
يجب ان نفهم الاجواء الثقافية في أمريكا في ذلك الوقت.. 
أمريكا كانت لا تزال أرض المهاجرين ولذلك كبار المفكرين والمثقفين الى غاية وقت قريب كانوا لا زالوا يتكلمون انجليزية متأثرة باللغات الأصلية.. مثل هنري كيسنجر السياسي وهربرت ماركوزة في الفلسفة وايان راند الكاتبة من اصول روسية وادورنو في علم الاجتماع، وابنهيمر صاحب القنبلة النووية وانشتاين وغيرهم من الشخصيات التي اثثت المشهد الثقافي والعلمي والسياسي الأمريكي فقد كانت بلد مهاجرين.. ولا تزال.. ولذلك كانت ثقافيا تتطلع لكل ما يصدر من المركز الأوروبي.. وتعتبر أن انبياء الفكر هم بالضرورة من دول المركز الحضاري بأوروبا.. 
لماذا حضي هذا الكتاب بشعبية كبيرة وشكل تيارا في أمريكا واحتل جامعة شيكاغو حيث درس فريدريك هايك والتي شكلت ما اصبح يعرف لاحقا بمدرسة شيكاغو للاقتصاد تظل قضايا سيتحدث عنها المؤرخون كثيرا.. 
ولكن أهم شيء هو أن الكتاب حظي بمقروئية غير عادية وكانه وفر سلاحا ثقافيا وفكريا لكل من كان يعارض النيوديل الروزفلتي وهيمنة الدولة على الفضاء العام. عندما صدر الكتاب كان روزفلت قد توفي وحل محله ترومان.. وكانت افكار كينز قد انتشرت واصبحت سياسات عامة في معظم الدول.. ولم يكن هناك مكافئ ثقافي الا بما وفره هذا الكتاب الصغير.
قوة الكتاب تكمن في انه لأول مرة ينشغل رجل اقتصاد بقضايا الشان العام او السياسات العامة.. وجوهر فكرة الكتاب أن التسامح مع لفياتان هوبر:الدولة والسماح لها بالتدخل سيحولها الى غول بضرورة الأشياء وستستولي على حرية الناس ويكون ذلك طريقا معبدا للعبودية وغياب الحريات.
يقول هايك في احد الحوارات:”الظروف الخارجية المحيطة بنا (وقت الحرب العالمية الثانية) جعلتني اقتنع بضرورة ان أشرح لزملائي في بريطانيا ان هناك خطا في فهم طبيعة حركة هتلر” فجوهر “الوطنية الاشتراكية” والشيوعية واحد وهو نفي الحرية واعطاء دور اكبر للبيروقراطيين الذين يسيطرون على الدولة لتنظيم شؤون الناس.
وهذا ما دفع هايك للخروج من حقل الاقتصاد التقني الى فلسفة السياسة والقانون ونظرية المعرفة وحتى علم النفس وقراءة تاريخ الاقتصاد.. وهي الحقول التي عالجها طيلة نصف قرن منذ صدور كتابه: الطريق الى العبودية حتى وفاته سنة 1992. تناول هذه الحقول وأظاف لها مدخلات رجل الاقتصاد.. فقدم اضافات مميزة ووفر الأسلحة الفكرية لدعاة الليبرالية.. وهذا ما جعله محل جاذبية كبيرة لكل من قرأ له.. 
كينز كان بطل الحقل السياسي والاقتصادي والسياسات العامة في بريطانيا ومثل بريطانيا في بريتن وودز.. ويبدو امريكا وجدت في هايك وكتابه طريق الى العبودية الكتاب والفيلسوف الذي سيعطيها الكثير مما تحتاجه لبناء نموذجها.. رغم ان السياسات العامة كانت كنزية طيلة ثلاثين سنة بعد الحرب العالمية الثانية وينسب القول الى نيكسون في مطلع السبعينات عندما قال:”كلنا كنزيون”.
اذا كان اليسار له البيان الشيوعي لماركس فان اليمين له “الطريق الى العبودية” لهايك.. وأكاد اجزم لو أتيح لبومدين أو عبد الناصر أو سوكارنو ان يطلع على مضمون هذا الكتاب لتغيرت أشياء كثيرة في عالمنا المتخلف. 
ماذا تضمن هذا الكتاب حتى يلقى هذه الحفاوة.. هذا ما ساتطرق له في الحلقة المقبلة.
واختم هذه المقالة بالحديث عن ذكريات هايك مع كينز في أواخر عمره.. أعطى له نسخة من كتابه ليطلع عليها وجمعت بينهما نقاشات وحوارات.. وقال كينز لهايك.. نتفق كثيرا في الجوهر وربما اذا اختلفنا فهو في الخط الفاصل بين تدخل الدولة وعدم تدخلها في الاقتصاد. وفي حوار لهايك موجود في اليوتوب (الرابط) سأله الصحفي المحاور سنة 1977:
* فريدريك هايك اعظم فيلسوف اقتصادي في هذا العصر.. وأجروء على القول قبل عشرين سنة كان سيعطى لك لقب آخر.. كيف ترى الاحترام الذي بدأت أفكارك تحظى به في السنوات الأخيرة.. 
هايك: اتصور ان النقطة الأساسية هي تراجع سمعة كينز. لمدة ثلاثين سنة منذ ان كتبت الطريق الى العبودية كان فقط كينز هو المهيمن وتم تجاهلي. فشل الكنزية بسبب التضخم وعودة البطالة ادت الى تاكيد توقعاتي في الحقل الاقتصادي وثانيا دراساتي السياسية نبهت كثير من الناس الى المشكلات السياسية التي بدأت تزعج الناس بشكل جاد. ولعل هذا هو السبب الذي تم اعادة اكتشافي اذا صح التعبير.
المحاور: لو بقي كينز حيا اليوم كيف سيكون المناخ السياسي
هايك: بكل تاكيد سيكون بشكل مختلف. كينز لديه القدرة الكبيرة على تغيير قناعته. في الحقيقة كان مستعدا لذلك لما تحدثت معه آخر مرة.. كان شديد النقد لبعض اصحابه الذين يدفعون باتجاه للتضخم. واكد لي انه في حالة اصبحت الوضعية خطرة سيغير نظرة الرأي العام في لحظة. بعد ستة اسابيع توفي ولم يستطع القيام بذلك. وما استطيع قوله انه كان عبقري بالحدس حتى ولو لم يكن يتمتع حقيقة بالاستدلال المنطقي. لكنه استجاب لحاجات الوقت والمرحلة. اعتبره عبقري عظيم وان كنت لا اعتبره اقتصادي عظيم كما تعرف. ولكن ما انا متاكد منه سيعارض الاتجاه الذي جعل الناس يصنعون من فكرته” 
اما ميلتون فريدمان فقد علق على دور كينز بكلمات يجدر ذكرها هنا:
الكنزية هي منتوج الحرب العالمية.. ورغم ان كينز كان مهتما بالتضخم الا ان الكنزيين كان اخر اهتمامهم التضخم.. وحتى الذين حافظوا على تسمية الكنزية فان المضمون تغير.. فبعد الحرب لا احد كان مهتم بالكتلة النقدية ولكن اليوم لا احد يتجاهل الكتلة النقدية.
ساله وليام باكلي: “هل تعتقد ان مقاربة الكنزيين مقاربة ثيولوجية بدلا من علمية؟
ميلتون: كينز شخصيا رجل علمي.. اتصور انه اخطا في عدة أشياء.. ولكن له مقاربة علمية.. وانظر للامر باعتباره تراجيدا أنه توفي في الوقت الذي توفي فيه.. لان واحدة من أعظم خصائصه هي المرونة.. سيكون قادرا على التغيير اذا تغير الزمن. لو بقي كينز حيا فان ما يسمى الكنزية لن تتطور بالشكل الذي حدث”
توفي كينز سنة 1946 وبقي هايك حيا حتى سنة 1992.. انتشرت الكنزية وهيمنت على السياسات الحكومية شرقا وغربا.. ولم يكن من الممكن التغلب عليها حتى بدأت تظهر نتائجها البعيدة في التضخم في السبعينات. عندئذ بدأ الغرب يبحث عن اداة فكرية جديدة للخروج من مازق الكنزية.. فوجدها عند هايك.
في الحلقة القادمة ساتحدث عن كتاب هايك: الطريق الى العبودية.. الذي يمثل المانفستو الفكري للبرالية.. واهمية ما جاء فيه من افكار..