الاقتصاد

كينز.. وهايك (9)

الغرب.. والغرب.. 
هايك ميلتون ريغن وسيليكون فالي
******************************
التاريخ متعرج، وعلينا ان نعترف أن الاعلام قادر على تشكيل الصورة النمطية للاحداث وتفسير الظواهر.. 
وكل جهد متعمق يصبح جهد القلة التي تبحث عن مفاتيح للتفكير الجديد.. 
عندما انتقل هايك الى جامعة شيكاغو في مطلع الخمسينات كانت الموجة الثقافية العامة هي موجة الدولتية، وفقا للنيوديل الروزفلتي، والنيوديل ليس الا شكل من أشكال الاشتراكية المتناسبة مع الميراث الأمريكي.. وفي السنوات التي قضاها هناك تبلورت “مدرسة شيكاغو” وظهر العديد من الأسماء التي تتناول الاقتصاد بشكل مختلف.. وعلى صعيده الشخصي فقد طور أكثر من اطروحة ووسع مجال التناول خارج حقل الاقتصاد الضيق واشتغل بشكل مركز على واحد من أهم كتبه الذي نشره مطلع الستينات “دستور الحرية”.. وهذا الكتاب أصبح دستور السياسيين المعارضين “للنيوديل”.. وهو الكتاب الذي حفظته “تاتشر” واصبحت تستشهد به في حلها وترحالها. وفكرة الكتاب بكل بساطة :”سلطة القانون هي التي تحمي الحريات” من تعسف السلطة أو الحكومة.
هايك المهاجر النمساوي الذي بقي عدة سنوات في بريطانيا ثم عدة سنوات في أمريكا بدأ يشعر بتقدمه في السن فقرر مغادرة امريكا بعد ان تحصل على عقد عمل في ألمانيا.. لكن الهايكية التي أصبحت فريدمانية بدأت تشتغل بشكل أكثر عمقا وتجد انصارا كل يوم في أمريكا..
كان فريدمان ميلتون، الذي تعرف على هايك وعمل معه في جامعة شيكاغو، اكثر شبابا وأكثر ادراكا لمتطلبات المرحلة في بلده فنشر كتابا في الثقافة العامة ولكنه مشبع بالطرح الاقتصادي المقبول لكل الناس “الرأسمالية والحرية” سنة 1962 وهكذا اكتملت الأسلحة المعرفية وبدأ جيل جديد من السياسيين يتكون في أمريكا.. فهناك “الطريق الى العبودية” و”دستور الحرية” لهايك و”الرأسمالية والحرية” لميلتون.. ثلاثة كتب في بلورة الفكرة الأساسية: “كلما تتضخم الحكومة فمعناه تضخم مصاريفها ومعناه تضخم الضرائب لتغطية المصاريف أي بالتبعية افقار للمجتمع أكثر واضعاف حرية المجتمع”. 
كان ميلتون في بلده في امريكا وله تطلعات أكثر وطور اطروحته “النقدية” التي أصبحت اهم سلاح يستعمل ضد الكنزية باعتبارها تؤدي الى التضخم.. رغم انه كان هو نفسه كنزيا قبل أن تتعارض الحقائق مع الفرضيات الكنزية كما كان يردد.. وعالج موضوع التضخم وأسبابه وتبنى قراءة هايك في دورة الاقتصاد وتجاوزه في قضايا وتفاصيل أخرى.. 
ولكن التحول الأهم في مسار هذا الأكاديمي الاقتصادي هو الانخراط في المجال العام.. وكان ذلك تحولا هاما في تاريخ السياسات العامة.. 
في سنة 1962 قام احدهم بربط العلاقة بين فريدمان والسيناتور “جولدووتر” وكانت لقاءات الثلاثة تدور حول كيفية جعل افكار “هايك” قابلة للتطبيق خاصة ان السناتور كان معجبا بكتاب “الطريق الى العبودية” وقرر هذا السناتور الترشح للرئاسيات.. وفي سنة 1964 أصبح فريدمان من ضمن فريق العمل وبدأ الناس يسمعون أفكارا جديدة ومصطلحات جديدة منذ ذلك الحين. لأول مرة يسمعون مثل هذه العبارة:”سيطرة الحكومة المركزية على الاقتصاد.. لم تحقق الحرية.. ولم تحقق تحسن في مستوى المعيشة” وهنا تزايد الطلب على هذا الاقتصادي حتى يشرح هذه المصطلحات ويقربها من الجمهور.. وبدأ اسمه يسطع ليس كرجل اقتصاد استحق جائزة نوبل لاحقا بل كرجل تعبئة وخطابات ونقاشات عامة لا احد يستطيع ان يغلبه في نقاش الا زوجته “روز” كما علق الرئيس ريغن في احدى المرات.. 
هايك فريدمان وآبل.. سنوات ريغن وكاليفورنيا..
******************************** 
كان هناك سياسي مغمور درس الاقتصاد أول حياته.. ولم يجد عملا فتحول الى ممثل في هوليوود قبل ان يتم التخلي عنه بعد تقدمه في السن وحقق مكاسبا جيدة ذهبت كلها بسبب الضرائب.. وقد اطلع على كتاب هايك “الطريق الى العبودية” كغيره من الجمهور الأمريكي ووجد في الأفكار الجديدة تفسيرا لهذا الخلل.. هذا الشخص هو”رونالد ريغن”.. 
رونالد ريغن بدأ حياته السياسية ديمقراطيا له أفكار مثله مثل غيره من جيل ذلك الزمن.. يدافع عن العمال ومتحمسا للأفكار الاشتراكية ولكنه كان يلاحظ ان نظام التامين الاجتماعي لا يعمل كما يدعي البعض.. وتكوينه في الاقتصاد كان يسمح له بفهم بعض الأرقام التي يتم تداولها. مشكلة الضريبة التصاعدية أي كلما ازداد دخلك فانك تدفع نسبة أعلى لاحظ من خلال تجربته قدرة اصحاب الدخل على التحايل على هذه القوانين العبثية.. ومن جهة اخرى كيف تجعلهم يتنقلون من ولاية الى ولاية بحثا عن ضرائب أقل.. فنظام الضريبة بدلا من أن يكون نظام للخدمة العامة يصبح نظام لتدمير الحوافز ومن ثم افقار الخدمة العامة.. وقد تطور فهم الضرائب حتى جاء الاقتصادي لافر (منحنى لافر) وبينه بشكل واضح لكن في ذلك الوقت كانت الامور في بداياتها.. وليس غريبا ان يعترف ريغن أنه بالفعل قرأ لميزس وهايك.. 
غير المركب والتحق بالحزب الجمهوري وانظم الى حملة المرشح الرئاسي “جوولدووتر” في انتخابات 1964 . 
سطع نجم ريغن بعد الخطاب الذي ألقاه في ولاية كاليفورنيا ممثلا لحملة المرشج الجمهوري. وكان عنوان الخطاب “حان الوقت للاختيار” (موجود في اليوتوب).. ورغم خسارة جولدووتر فقد فاز ريغن برئاسة ولاية كاليفورنيا سنة 1967. 
ومن يستمع لخطاب ريغن ويكون ملما بأفكار هايك وأسلوب فريدمان ميلتون فإنه ببساطة يكتشف التقاطعات الكبيرة بين الخطاب والأفكار التي طورها هؤلاء. وخاصة بصمات فريدمان واضحة جدا.. (سأنشر ترجمة لبعض ما جاء في ذلك الخطاب لاحقا)
خسر الجمهوري “جوولدووتر بوب” امام الديمقراطي “جونسون”.. ولكن الأفكار الجديدة بدات تتسرب وهنا وهناك.. حاولت الهايكوفردمانية الانتصار في معركة رئاسية لكنها فشلت.. بيد أن معركة اخرى انطلقت في مكان آخر.. في كاليفورنيا..
لا يمكن بأي حال ان ينجح اقتصادي مثل هايك في برنامج تلفزيوني ليشرح اشياء معقدة بلغة رتيبة وغير مفهومة للجمهور.. لكن ريغن لعب هذا الدور وحول افكار هايك وميلتون الى خطاب سياسي يغير رؤية الجمهور لمشكلات الاقتصاد.
عندما استلم ريغن رئاسة ولاية كاليفورنيا قام بتوظيف فريدمان وطلب منه العمل الحثيث على اصلاح الخلل الاقتصادي في الولاية وخاصة تقليص الميزانية ومساعدته في ترويج الأفكار الاقتصادية الجديدة والدفاع عنها..
كانت الأفكار هي نفسها.. تقليص الانفاق الحكومي السماح بتشكل المقاولات الجديدة (ظهور السيلكون فالي وآبل لم يكن من فراغ) تقليص الضرائب.. وانتقلت العدوى الى ولايات اخرى.. أوكلاهوما، ميشيغان، ماين، نبراسكا وغيرها..
ومن ولاية كاليفورنيا انتقل ميلتون الى حملة نيكسون الرئاسية التي أصبح فيها نيكسون رئيسا واصبح جزء من الفريق الرئاسي كمستشار في القضايا الاقتصادية. لكن نيكسون كان يهمه اكثر الافكار التي يتم بيعها للجمهور وليس الأفكار التي تُصلح الاقتصاد.. 
وقد علق مرة رافضا افكار ميلتون “فريدمان لن يترشح للانتخابات” لأن أفكار ملتون تبدو غير شعبية وغير ديماغوجية في بعض الأحيان.. 
وبالفعل اتخذ نيكسون أسوأ القرارات التي يستحيل ان يوافق عليها فريدمان ميلتون وهي تسقيف الأسعار.. وحسب رواية ميلتون:”التقيت نيكسون.. فبادرني قائلا لا تلوم شولتز على قرارات مراقبة الأسعار” فرددت عليه:”لا سيدي لا ألومه.. أنا ألومك انت” ثم غادر فريق المستشارين.
كان من الواضح أن الطموحات السياسية والخطابات الشعبوية تقف سدا منيعا امام أي تقدم في المسار السياسي خوفا من ردات الفعل الجماهيرية.. لأن الخطاب السياسي في كثير من الأحيان يقوم على المغالطات ودغدغة العواطف وليس على الحقائق.. 
بعد ان غادر ريغن ولاية كاليفورنيا التي مسكها لعهدتين واصبحت ولاية نموذجية في الدينامكية الاقتصادية متفوقة على الولايات الأخرى بما فيهم العاصمة واشنطن قضى عدة سنوات مشاركا في البرامج الحوارية ومرددا نفس الحزمة من الأفكار.. 
اما فريدمان ميلتون فقد تحول الى شخصية عامة مشاركا في النقاشات الاقتصادية ويقيم المحاضرات العامة وكثير منها متوفر في اليوتوب وكثير منها نلاحظ نقاشات بين شباب ذوي توجه اشتراكي يتناسب مع افكار تلك المرحلة.. لكن ميلتون انتبه لأهمية التلفزيون فقام باعداد برنامج تلفزيوني مع زوجته “روز” “حرية الاختيار” وتم بثه منذ جانفي يناير 1980 وهذا البرنامج كانت له شعبية كبيرة جدا ليس فقط في الولايات المتحدة بل حتى في آسيا.. حاول ميلتون تبسيط كثير من الأفكار الاقتصادية ووضعها في سياق تاريخي من خلال تجارب واقعية لتقريب المفاهيم من الجمهور الواسع (البرنامج متاح في اليوتوب).
وفي نفس السنة قرر ريغن الترشح للرئاسيات في مواجهة الديمقراطي “كارتر” ووصل الى البيت الأبيض وفي خطاب الاستلام ردد نفس العبارات “الحكومة لن تحل المشكلة.. لأن الحكومة هي المشكلة”. 
ومنذ ذلك التاريخ كتب للأفكار الهايكية والميلتونية ان تجد منبرا عاليا من فوق منصة البيت الأبيض. وحسب مؤرخي العولمة انه منذ ذلك الحين تغيرت التبادلات العالمية ودخلت مرحلة جديدة.
ريغن في أمريكا وتاتشر في بريطانيا.. 
وانهزمت الكنزية بعد ان سقطت في اهم معقلين لها بريطانيا وامريكا
في الحلقة القادمة سأقوم بترجمة مقاطع من خطاب ريغن منذ سنة 1964 ومن لديه بعض الالمام والمعرفة باسلوب هايك واسلوب ميلتون يستطيع ان يجد تقاطعا كبيرا بينهما الى درجة التطابق. ثم أمر الى التجربة البريطانية.