الاقتصاد

كينز وهايك (5)

الغرب والغرب

كينز وهايك (5)
كانت فترة الثلاثينات فترة الركود الكبير ليس فقط في الدول الأوروبية التي خرجت منهكة ومفككة من الحرب العالمية الأولى وهذا شيء مفهوم ولكن حتى في امريكا التي شهدت سنوات الوفرة في العشرينات سقطت في كماشة الكساد الكبير.. 
ضرورة اكتشاف حل مستعجل أصبح الشغل الشاغل للسياسيين والناشطين الاجتماعيين.. ولكن هذا الحل يحتاج الى رؤية اقتصادية.. كان الامر بمثابة الانسداد.. يبدو الرأسمالية فقدت قوتها وهذا أعطى مبرر اكبر للطرح الاشتراكي والشيوعي الذي يفضل التحكم في الاقتصاد عبر التخطيط المركزي وتاميم الصناعات وهو الاتجاه الذي سيتفاقم في الثلاثينات في العالم بأسره.
وكان السؤال الكبير: كيف الخروج من هذا المأزق؟
رجال الاقتصاد يتناقشون فيما بينهم ورجال السياسة يبحثون عن الحلول العملية.
في أمريكا كان الرئيس الأمريكي هوفر الذي له خلفية مهندس يعتقد ان الاقتصاد يمكن تسييره بنفس الطريقة بشكل ميكانيكي.. ولذلك جمع حوله كبار رجال الاقتصاد مثل فورد للسيارات وديبون للكيماويات وسولان لجنرال موتورز واعطاهم جملة تعليمات على الرغم من ضعف الاقتصاد منها عدم تخفيض الرواتب، التوقف عن تسريح العمال، وفي حالة الاضطرار لتسريح العمال اقترح عليهم فكرة الاشتراك في العمل أي عامل يشتغل في الصباح والثاني في المساء او في يومين مختلفين وياخذان نفس الراتب مقاسمة. وبالمقابل ضمن لهم ان لا تكون هناك مطالبات عمالية بزيادة الراتب أو زيادة المنافع. وكأي سياسي ضعيف النظر قام هوفر برفع الجمارك على الواردات الى اقصى حد ممكن.. في نظره حماية للانتاج المحلي.. كانت تبدو حزمة مقترحات جيدة ولكنها فشلت في تحفيز الاقتصاد واستمرت فقاعة النقد في التناقص والاسعار في التراجع وزادت الأعباء على الصناعيين لان الحكومة رفعت أسعار الجمارك مما يجعل المنتجات أغلى مما كانت عليه بسبب ارتفاع سعر المدخلات المستوردة.. وردت الحكومات الأخرى برفع الضرائب على الصادرات الأمريكية مما أدى الى تراجع الصادرات الى النصف وهذا ايضا الى تراجع مداخيل الشركات من الصادرات. فزادت الأعباء على الشركات وطلبت السماح بتخفيض الرواتب وتقليص العمال فرفض هوفر الطلب. ولم يستمر الأمر طويلا فمع نهاية سنة 1931 انهار الاقتصاد.. عندها اضطرت الشركات القيام بالمحذورين في نفس الوقت تخفيض الرواتب وتوسيع عملية تسريح العمال فازداد الوضع سوءا. ووصلت شعبية هوفر الى الحضيض. حاول زيادة الانفاق الحكومي عبر فكرة المشاريع العملاقة مثل سد هوفر فاضطر الى رفع الضرائب لتمويل مشاريعه العملاقة فزاد الوضع سوءا على سوء. 
سقط هوفر الجمهوري وجاء روزفلت الديمقراطي ولكن لم تكن لديه أي نوع من الحلول سوى الاستمرار في نفس السياسات تحت مسمى جديد وهو النيوديل (New Deal).. لكن جماعة النيوديل كانت تتطلع هذه المرة للنموذج السوفيتي في الاقتصاد.. وقد ذكرت الدور الذي لعبه شاب امريكي زار الاتحاد السوفيتي في 1920 والتحق بحملة روزفلت وكان من العناصر التي ساهمت في صياغة النيوديل .. 
كل هذه المحاولات كانت مجرد تجريب هنا وهناك.. ولا تسندها رؤية عميقة..
كان واضحا أن الرأسمالية تختنق.. وأمام هذا الوضع يتطلع الجميع لنموذج نظري جديد..
اذا عدنا الى الحقل الأكاديمي فيبدو في مطلع الثلاثينات تفرغ كينز لكتابة اهم كتاب الذي سينقذ الرأسمالية من الرأسمالي ( Save Capitalism from Capitalist) وفي سنة 1935 بعث برسالة الى برنارد شو يخبره “انني بصدد تاليف كتاب سيقلب الطريقة التي يفكر الناس فيها في الاقتصاد”. كان واثقا من نفسه بشكل كبير.
كينز كان في يملك الادوات الكافية لفهم عمق المشكلة فهو رجل رياضيات بالدرجة الأولى ثم بيروقراطي متمرس في دواليب الادارة والحكومة ومهتم بالاقتصاد بحسب تقاليد كمبريدج.
وبالفعل لما أصدر كينز كتابه المشهور سنة 1936 النظرية العامة للعمل والفائدة والنقد (The General Theory of Employment, Interest and Money)، وكانه امد حبل الانقاذ للرأسمالية التي غرقت في الكساد الكبير..
كينز نظر للمشكلة من وجهة انعدام الطلب.. هناك كساد لأنه ليس هناك طلب على السلع وليس هناك طلب على السلع لان هناك مشكلة تشغيل وبطالة، المال غير موجود في أيدي الناس. وهناك مشكلة تشغيل وبطالة وقلة مال لأن هناك ادخار كبير وقلة استثمار.
هذا هو جوهر الاشكال الذي تسبب في هذا الكساد الكبير حسب كينز..
انتبه كينز الى ما سماه “الغريزة الحيوانية” (Animal Spirit) لدى الجموع، حيث الجميع ينخرط في مواقف متشابهة يتبع احدهما الآخر غرائزيا.. الكل يتخوف من سقوط الاقتصاد حتى ولو كانت الأمور جيدة. فتتحول الموجة سلبية مهما كانت الظروف ايجابية. ولذلك اذا تدخلت الحكومة بتحفيز الاستهلاك فانها تقوم عمليا بتغيير اتجاه الغريزة الحيوانية من السلب الى الايجاب لصالح النمو الاقتصادي.
اذا كان الطلب متدن كيف يمكننا تحفيزه.. وكيف نوفر المال في يد الناس بسرعة.. من يستطيع ان يخلق الوظائف والاعمال والمشاريع بسرعة.. 
الخلاصة من يستطيع ان يحرك الاقتصاد بسرعة..
الجواب عند كينز:
الدولة
الدولة هي الكيان الوحيد القادر على خلق الدينامكية بسرعة كبيرة.. 
تلقفت الأوساط الأكاديمية والشعبية والسياسية كتاب كينز بكثير من الحفاوة.. لقد أعطى للرأسمالية سلاحا نظريا.. يستلهم من الشيوعية بعض خصائصها ولكن يحاول ان لا تفقد جوهرها المبني على حرية التبادل.. 
الٌاقتصاد لم يعد مشكلة التبادل الفردي بين شخصين.. انه مشكلة كلية يقع في نطاق دولة.. ومنذ ذلك الحين تبلورت بوضح ملامح ما أصبح يعرف بالاقتصاد الكلي “الماكروايكونومي”.. وسعادة أوروبا بهذا الكتاب انتقلت الى امريكا حيث أوجد المبررات النظرية التي بدأها هوفر واستمر فيها روزفلت.. الدولة هي الحل… والانفاق الحكومي هو الحل.
مع صدور كتاب كينز أصبحت الدولة هي الناشط الاقتصادي رقم واحد، وقفزت الأغلبية الى سفينة كينز.. وبدأت تتبلور فكرة جديدة تسمى “رأسمالية الدولة” التي تحولت فيما بعد الى “دولة الرفاه”. 
كتب كينز”منذ وقت ساي وريكاردو تصور الاقتصاديون التقليديون أن العرض يخلق الطلب المناسب له.. الذين يفكرون بهذه الطريقة مخطؤون، لأنهم يفترضون أن هناك صلة تربط قرارات الامتناع عن الاستهلاك حاليا بقرارات الاستهلاك في المستقبل” (they are fallaciously supposing that there is a nexus which unites decisions to abstain from present consumption with decision to provide for future consumption)
من الواضح أن كينز يريد أن يفكك العلاقة بين العرض والطلب.. وهي النقطة التي مسكها هايك في مراجعة سريعة للكتاب:”فرضية كينز ان نسبة الادخار ونسبة الاستثمار ليست تلقائية ويمكن تعميم ذلك على أن نسبة الطلب ونسبة العرض ليست منسجمة وتنسى بشكل غريب الدور الذي يلعبه سعر الفائدة”.. رغم ان الفائدة من الفروض جزء من كتاب كينز..
ملاحظة سريعة: سعر الفائدة وفقا لهذه الرؤية الاقتصادية حتى يفهمني القراء هو بمثابة صنبور الماء بالنسبة للبنك المركزي.. كلما تفتح صنبور الماء يتدفق الماء اكثر وكلما تغلقه كلما ينقص مستوى التدفق.. كذلك سعر الفائدة كلما ينخفض سعر الفائدة كلما يزيد مستوى التدفق النقدي في الاقتصاد في شكل قروض.. وكلما يرتفع سعر الفائدة كلما يقل مستوى تدفق النقد في شكل قروض في جسم الاقتصاد.
يؤكد واب شوت ان كينز بعث نسخة من كتابه لهايك قبل حتى اصداره ولكن عندما صدر كتاب كينز اختارت مدرسة لندن شخصا آخر لمناقشته بدلا من هايك. لكن هايك طلب من كينز اذا كان هناك امكانية لان يكتب نقدا للنظرية في احد المجلات التي يشرف عليها. طبعا كينز فرح بالموضوع لانه كان يريد ان يثير الجدل حول كتابه حتى يلقى رواجا أكثر. ولكن الكتاب لقي رواجا دون الحاجة لضجة فقد كان الكتاب الذي يحتاجه الجميع.. وتروى طرائف ان الكتاب كان خاليا من أي رسم بياني ولكن احد اصدقاء كينز طلب منه ان يضيف رسما حتى يعطيه بعض المصداقية الاقتصادية. لقد كان كتابا متزامنا مع حاجة المجتمع السياسي والاقتصادي لشيء جديد.. بغض النظر عن عمق القاعدة النظرية..
في تلك الاثناء كانت الجبهات السياسية في اوروبا على صفيح ساخن والاجواء متفجرة. 
المجتمعات الأوروبية تعسكرت وظهرت الهتلرية والموسيلينية والستالينية وكل واحد له تجربته الخاصة في تسيير الاقتصاد.. ولم يعد واضح من هو الرأسمالي ومن هو الاشتراكي.. والسبب أن الجميع اصبح يوظف هذا الكيان الجديد المبهر: الدولة.. حتى في أمريكا مع تجربة فرانكيل روزفلت وكل ما قام به كينز هو ايجاد المبررات النظرية لخط متواجد أصلا.
ولفهم حجم الاختلاط والتناقض وحتى العجز عن تفسير الظواهر.. أن اقتصادي من جماعة الفابيان من معهد لندن للاقتصاد مثل ويليام بافريدج لما اراد ان يصف النموذج الاقتصادي النازي وصفه بانه آخر محاولة للدفاع عن الرأسمالية.. لكن هايك بعث له برسالة يخبره فيها ان “الوطنية الاشتراكية هي تيار اشتراكي قح” لا علاقة له بالرأسمالية.. 
المسألة أصبح اعمق من تجارب اقتصادية الى مشكلة فلسفية وفكرية يجب معالجتها.. نشر هايك منشورا صغيرا سنة 1938 بعنوان :”الحرية والنظام الاقتصادي” ثم وسع المنشور في واحد اكبر سنة 1939 بنفس العنوان.. وفي نفس السنة اندلعت الحرب العالمية الثانية اختلطت الخريطة الأيديولوجية العالمية.. فروسيا الشيوعية تحالفت مع بريطانيا وامريكا الرأسماليتان.. ضد هتلر الاشتراكي الذي من المفروض أقرب اليهم.. لكن السياسة لا تقبل التبسيط والخطوط الرياضية المستقيمة بل هي تعرجات دائمة ومستمرة. لانها ببساطة سلوك انساني وليس سلوك آلي.
وفي منعطف خطير في الحرب قرر الألمان والبريطانيون مهاجمة المدن التاريخية لمحو التاريخ.. وتم الهجوم على لندن وهدم اجزاء كثيرة بطلعات جوية من بين هذه الاجزاء معهد لندن للاقتصاد.. واضطرت الادارة الى اغلاقه والبحث عن مكان بديل ففتحت لهم جامعة كمبريدج اذرعها.. وفجأت أصبح هايك وكينز في مكان واحد.. وطيلة فترة الحرب كانا مع بعض.. كينز شخصية وطنية ورجل المرحلة وهايك اكاديمي مهاجر في بريطانيا.. ولا يملك المؤرخون شيئا كثيرا عن تلك اللقاءات سوى ما رواه هايك لاحقا.. كانت علاقتهما جيدة حتى على المستوى الأسري (كينز كان متزوجا بروسية بالمناسبة) ويروى انهما اشتركا في الحراسة في أيام الطلعات الجوية الألمانية وفي تنظيف آثار الحرب.. كينز مشغول بنشاطه الحكومي وهايك كان منشغلا بتأليف الكتاب الذي سيشغل الغرب فيما بعد..
قبل أن أصل الى كتاب هايك الذي قلب الرأسمالية ستكون لنا وقفة مع النظم الاقتصادية في العالم الغربي قبيل الحرب العالمية الثانية.
(يتبع)