هايك وكينز (4)
الغرب والغرب
هايك وكينز (4)
لازلت هنا مع حلقات للحديث عن تحولات الأفكار وكيف تكون الممارسة والتجربة حقلا أساسيا لانتاج المعرفة وتوليد الأفكار التي تتحول الى واقع وتجارب حية تؤثر على البشرية.. وهي محاولة للفت الانتباه لأهمية الأفكار وأن العالم يتغير بالأفكار.. وليس فقط بالقوى الغامضة التي تسيطر على العالم كما يتوهم البعض..
****************
كانت أسهم كينز عالية جدا فهو من كبار رجال كمبريدج وسمعته بلغت الآفاق حول اوروبا وهو في نفس الوقت من كبار رجال الحكومة البريطانية حيث كان عضوا في دائرة الاقتصاد والصناعة كمستشار كان الوضع في بريطانيا متوقفا تماما.. وكينز يفكر في هذا الوضع.. وفي سنة 1926 نشر مقالا بعنوان “نهاية دعه يمر” (“The End of Laissez Faire”) معبرا عن بعض الأفكار التي اصطلح عليها في وقت لاحق بالتدخلية (interventionist)..
هذه الشهرة جعلت الشاب فريدريك هايك يبعث له رسالة يبحث فيها عن احد الكتب سنة 1927 ووجد كينز بعض الوقت ليرد على هذه الرسالة ونسخة منها محفوظة لدى معهد هوفر في جامعة ستانفورد.
منذ ذلك الحين يبدأ تاريخ جديد في معركة الأفكار في الغرب
الشاب هايك من خلال عمله في المعهد الصغير في فينا نشر كتابه الأول سنة 1927 الذي عمق فيه بعض اطروحات أستاذه ميزس.. بعنوان “النظرية النقدية ودورة التجارة” (Monetary Theory and the Trade Cycle) محللا اثر التوسع في القروض كنوع من الاصدار النقدي على الاقتصاد. ذلك الكتاب جلب انتباه ليونيل روبينز من معهد لندن للاقتصاد الذي كما ذكرنا اسسه الفابيان، الذين سيتحولون مع مرور الوقت الى رواد دولة الرفاه.. استدعاه ليونيل ليقدم عدة محاضرات.. وكان الهدف هو احداث بعض التوازن مع عملاق كمبريدج كينز..
هذه المحاضرات جمعت لاحقا في كتاب نشر سنة 1931 بعنوان “النظرية النمساوية في دورة التجارة” (“Austrian Theory of the Trade Cycle,” Prices and Production (1931), ) وهو احد الكتب التي ذكرت في رسالة استحقاق هايك لجائزة نوبل للاقتصاد سنة 1974.
لم يقصر هايك في مهمته ورغم ان انجليزيته كانت ضعيفة مقارنة مع النمساوية والالمانية التي كان يكتب بها ويتحدثها ولكنه قدم عرضا خارج المألوف في التقاليد البريطانية في الاقتصاد.. فالحديث عن تضخم الاصدار النقدي عبر زيادة القروض والتي تكون بسبب تخفيض سعر الفائدة بقرار سياسي لها اثر وخيم على الاقتصاد ذلك انها تعطي اشارات خطأ للمجتمع فيزيد الطلب اكثر مما هو مطلوب ويزيد الاستثمار اكثر مما هو مطلوب لان المستثمر يشجعه سعر الفائدة المنخفض فيتورط في مشروع لا يكون ناجح الا بسعر فائدة منخفض.. ويزيد الطلب الذي لولا سعر الفائدة المنخفض لما كان موجودا.. فتعطي الحكومة اشارة خطأ للمجتمع فيحدث الارتفاع والصعود (الفقاعة) وهذا يعقبه انفجار في الفقاعة لاحقا..
حزمة جديدة من المصطلحات والادوات والرسومات البيانية التي كان يخطها هايك فوق الصبورة مخالفا التقاليد البريطانية التي لا تزال اسيرة الاقتصاد الكلاسيكي أو ادوات ماركس مع تعديلاتها الفابيانية..
يبدو فكرة ليونال روبنس كانت صحيحة.. هذا الشاب هايك.. سيكون وراء أهم نقاش معاصر وهو نقاش لا يزال مستمرا الى اليوم.
القى هايك اول محاضرة في كامبريدج امام جمع من حواريي العملاق كينز.. وامام دهشة الحضور كانت بمثابة الانقلاب الفكري الذي زرع بذور النقاش الجدي.. الاقتصاد ليس فقط الأفكار الرنانة الكبيرة ولكن الأهم هو التفاصيل الدقيقة.. فما يبدو ممكنا بالأحلام سيصبح مستحيلا لم تعد ما تملك من دراهم.
ليونار روبنسن قرر أن يطلب من هايك ان يستقر في معهد لندن كاستاذ وعمره حينها 32 سنة. أول مهمة كلفه بها هي مراجعة كتاب لجون مينار كينز.. وأبدى هايك سعادته بهذه المهمة لان ذلك سيجعله يلفت انتباه كينز عندما يناقشه في جوهر فكرته التي تقتضي توسيع الانفاق الحكومي عبر الاقتراض من اجل توفير العمل للناس البطالين. وكما ذكرنا انجليزية هايك في ذلك الوقت لم تكن جيدة ولذلك كانت العبارات المستعملة في مراجعته قاسية ومباشرة وفيها كثير من الحدة. وهذا ما جعل كينز يرد بكل قسوة وحدة ايضا كان ذلك في سبتمبر 1931 ولمدة ثلاث أشهر استمر النقاش مثل قطين متصارعين وقد ذكر المؤرخون ان حتى في اعياد المسيح في ديسمبر تم تبادل ثلاث رسائل بين الرجلين واستمر النقاش الى شهر جانفي حتى تعبوا من الكتابة.
هايك الآن متواجد في المكان المناسب رغم انه في رعاية خصومه الذين سيقوم لاحقا بتفكيك كل نظريتهم الاقتصادية، جماعة الفابيان وهم رواد دولة الرفاه وهم في الحقيقة كانوا أقرب الى كينز من هايك.. وربما ادركوا ذلك متاخرا بعد أن اصبح لهايك تلاميذ ومدرسة ممتدة ليس في لندن ولكن في أمريكا الدولة الصاعدة في ذلك الوقت..
(استعنت في هذا العرض بمداخلة للاري وايت ونيكولاس وابشوت)