حوار مهم الكنزية والهايكية في أمريكا
بناء الامم ليس بالأمر الهين.. وعلينا ان ندخل مضمار التاريخ متسلحين بالعلم والمعرفة وفهم ما يدور حولنا بعيدا عن كل أسلوب تبسيطي..
التطور يأتي بالعمل والنجاح يتحقق بالمثابرة والاصرار..
وما أشير له باستمرار انه ليس هناك وصفة نهائية ختامية ولا مسار واحد في التاريخ اذا سلكته ستصل الى بر الامان..
معظم الدول حاليا تعتمد سياسات هي مزيج من المدرستين الأكبر في الاقتصاد مدرسة كينز ومدرسة هايك.. والفرق بين دولة وأخرى هو مدى ميلان الكفة لأحد هذين العلمين الكبيرين في الاقتصاد المعاصر..
وعلى الرغم من وجود دعاية بأن الرأسمالية والنيوليبرالية المتوحشة تسيطر على الاقتصاد الأمريكي والبريطاني والفرنسي.. ولكن ذلك ليس صحيحا البتة.. بل لا تزال الكنزية هي سيدة الموقف في السياسات العامة لانها تعطي صلاحيات غير محدودة للسياسيين للعبث بمال دافعي الضرائب سواء في أمريكا أو أوروبا..
جوهر الكنزية هي استعمال السياسات النقدية وسعر الفائدة وسعر صرف العملة للتاثير على توازنات السوق ولا تبالي بزيادة الانفاق ولو على حساب توازنات المالية العامة.. وهذا حال امريكا.. بينما كندا أقرب الى هايك من أمريكا.. لان الحفرة التي حفرها روزفلت لم يستطيعوا الخروج منها رغم كل الجهود.. واصبحوا مضطرين للتعايش مع هذا الوضع البائس..
الهايكية لها حضور أكثر في دول آسيا.. وهذا لا يعني تبني مطلق لكل المفاهيم الهايكية.. لان تبني هذه المفاهيم سيجرد البيروقراطي والسياسي من مظاهر قوته.. فهايك يدعو الى الغاء البنوك المركزية لانها تساهم دائما في ارباك الحركة الطبيعية للسوق.. ولحد الساعة لا احد كانت له الجراة على تبني هذا الموقف مع استثناء دولتين.. هونكونغ وبدرجة أقل سنغافورة اللاتان تملكان هيئة التسويات النقدية.
من من السياسيين مستعد أن يحرم نفسه من المطبعة السحرية لطباعة النقود؟ راجعوا موقع السلطة النقدية لهونكونغ وسنغافورة.. كلاهما يسميانها السلطة النقدية.. (The Hong Kong Monetary Authority (HKMA) )
اعيد وأكرر يجب ان نفهم جيدا ما يدور حولنا في عالم الأفكار والتجارب.. حتى لا نقع في الأخطاء.. ولا نفسر الظواهر بشكل عشوائي…
هناك نقاش رائع جدا جدا.. أتمنى من الشباب المهتمين بعالم التنمية والتطور والاقتصاد ان يسمعوه بدل المرة الواحدة عشر مرات.. حوار من الساحة الأمريكية بين علمين من اعلام الاقتصاد احدهما ينتمي لخط النمساوية الهايكية الميلتونية.. بول رون.. والثاني ينتمي لخط الفابيان كينز والنيوكينزية وهو بول كروجمان الحائز على جائزة نوبل..
العالم ليس كتلة صماء.. والعالم يجرب بشكل مستمر.. هناك دينامكيات عالمية يجب ان ننخرط فيها حتى نستطيع ان نعالج اختلالاتنا البنيوية ونساهم في اخراج بلداننا من وضعها المزري..
سأقدم ترجمة سريعة لهذا الحوار التلفزيويني بين الرجلين وكلاهما ابناء التجربة الأمريكية.. وسنكتشف في هذا الحوار الدينامكيات الفعالة داخل المجتمعات مثل النموذج الأمريكي.. ليس هناك أفكار نهائية على الرغم من الدعايات التي تحاول ان تختزل تجارب الانسانية فيصبح كل الامريكان نسخة متطابقة لبعضهم البعض.. هذا ليس صحيحا..

الترجمة:
******
المذيعة: هذه اللحظة كلنا ننتظرها.. انها المرة الأولى في التلفزيون.. لم يحدث من قبل ان هذين الركيزتين في الفكر الاقتصادي تواجها في حوار مباشر تلفزيوني.. وسمينا هذا بول في مواجهة بول.. من جهة رون بول عمدة السياسة المالية المحافظة وتقليص الدين العام وتقليص حجم الدولة ومن جهة اخرى بول كروجمان الحائز على جائزة نوبل الذي ينادي بحكومة فعالة ونشطة ويؤمن بالانفاق عبر العجز في الموازنة وهو صوت الجيل الجدي من الاقتصاد الليبرالي. مرحبا بكما.. نريد أن ندخل مباشرة الى جوهر الاختلاف ولنبدأ بالبرلماني بول انت تعلم اين يقف البروفسور كروجمان لماذا تختلف معه في نظرته للحكومة..
بول رون:
حسب ما قرأت هو يؤمن بحكومة كبيرة وانا أؤمن بحكومة صغيرة.. انا اركز على الحريات الشخصية ولا احب اقتصاد مسير سواء عبر التخطيط المركزي أو السياسات المالية.. انه اختلاف كامل من الناحية الفلسفية. السوق يجب ان يعمل بطريقة طبيعية حتى في تحديد نسبة الفائدة لا اريد من الحكومة او البنك المركزي ان يحدد سعر الفائدة وهذا هو تحديد السعر او مراقبة السعر وهذا لن يعمل بطريقة صحيحة وسيكلف مالا. وفكرة ان شخصا ما او مجموعة أشخاص يعلمون احسن من غيرهم ما هو حجم النقود الصحيح أو نسبة الفائدة الصحيحة انها نوع من الافتراض. لا ادري من أين حصلوا على هذه المعرفة. هايك يقول ان هؤلاء يتوهمون انهم يعرفون ولكن الحقيقة انهم لا يعرفون شيئا. عندما نتكلم عن انتخاب رئيس او الكونجرس لتسيير الاقتصاد بشكل افضل انهم يخطؤون اهم نقطة.. الحكومة ليس من المفتر ان تسير الاقتصاد الناس هم من يسيرون الاقتصاد..
المذيعة:
ما هو الخطأ بروفسور جروجمان اذا قمنا بابعاد الحكومة من المعادلة
بول جروكمان:
لا يمكن ابعاد الحكومة من المعادلة ومن السياسات النقدية.. أن تسير لوحدها هذا لن يحدث.. الحكومة والاحتياط الفدرالي والبنك المركزي سيكون دائما مسؤولا عن الاشراف على السياسات المالية.. اذا كنت تتصور انه يمكنك تجنب ذلك فانك تعيش في عالم 150 سنة قبل اليوم.. النقد ليس هو فقط قطع ورقية عليها صورة رئيس متوفي النقد هي ثمرة النظام المالي الذي يتضمن أصول متنوعة. لسنا حتى متاكدين من الخط الفاصل بين ما هو نقد وما هو ليس بنقد. انظر التاريخ يخبرنا ان اقتصاد غير متحكم فيه هو عرضة لتقلبات شديدة.. عرضة لنزول شديد.. اعرف ان هناك اسطورة تقول ان الكساد الكبير (في 1929) تسببت فيه الحكومة وتسبب فيه الاحتياط الفدرالي ولكن هذا ليس صحيحا.. الحقيقة انه كان هناك الهروب الكبير الذي حدث مرارا وتكرارا في القرون الماضية. انا أؤمن باقتصاد السوق.. أنا أؤمن بالرأسمالية واريد ان يبقى اقتصاد السوق حرا قدر الامكان.. ولكن هناك حدود.. نحن في حاجة الى الحكومة للتدخل من اجل فرض الاستقرار.. الكساد الاقتصادي يحدث في الرأسمالية ودور الدولة ان تساهم في عدم حدوثه واذا حدث ان لا يستمر طويلا.
المذيعة:
كونجرسمان رون تحدثنا اليوم كثيرا عن التضخم وهي سياسة يعتبرها البروفسور كروجمان اننا في حاجة لشيء قليل من التضخم حتى يبقى الاقتصاد يسير ماذا تقول.
بول رون:
التضخم سرقة.. تسرق قيمة مدخرات المواطنين اذا كان هناك 2% او 10% فان قيمة النقد قد ضاعت. حقيقة انها تدمر اهم خصائص الاقتصاد وهي الادخار. الادخار يخبرنا بشيئ ما.. انه يخبرنا بأن الرأسمال متوفر.. فكرة ان الرأسمال ياتي عبر توسيع الاصدار النقدي فكرة لا تصلح. بروفسور كروجمان يقول اننا نريد ان نعود 150 سنة الى الوراء هذا ليس صحيحا.. نريد ان نحسن الامور.. ولكنه يريد ان يعيدنا ألف سنة الى الوراء. او الفي سنة الى الوراء.. مثلما فعل الرومان واليونان وغيرهم عبر تعويم نقودهم لم يكن لديهم كمبيوتر ..
المذيع:
هل يمكن ان تشرح لنا ماذا تقصد بالعودة الف سنة للوراء
بول رون:
ماذا فعل الرومان بنقودهم.. لقد دمروها قاموا بوضع سقف على الاسعار ثم تعويم النقود.. لقد تصوروا ان الثروة يمكن ان تاتي بخداع الناس.. اليوم من يريد ان يرسل ابناءه الى الجامعة بعد عشر سنوات هل تريد ان يضع نقوده في محفظة الذهب او في سندات الخزينة التي تحقق 1% او 2% لن يستطيعوا مقاومة التضخم او تعويم النقد.
بول كروجمان: انا لست مدافعا عن هذه السياسة
بول رون:
لا انت بشكل ما مدافع عن هذه السياسة
كروجمان:
انا مدافع عن السياسات الاقتصادية التي اتبعناها بعد الحرب العالمية الثانية.. لقد انتجت احسن جيل للنمو الاقتصادي التي شهدتها امريكا.. هناك هناك تحكم في التضخم كانت هناك قوانين حكومية ضابطة للنظام المالي ولم يتجه بشكل وحشي كما حصل بعد رفع هذه الضوابط لدينا سياسات جبائية تحفز الاقتصاد لدينا سياسات دعمت نمو الطبقة الوسطى بدلا من استعمال ما يسمى قوى السوق التي ادت الى البلوتوكراسي (دولة يحكمها الأغنياء) انا احب امريكا التي جعلت ابائي يتفوقون فيها وعلينا ان نعيد ذلك.
بول رون:
هناك اسباب لذلك لو تذكر كيف اعتذر برنانكي (مدير الاحتياط الفدرالي) لفريدمان بسبب اطالة عمر الكساد انت تعرف انه بعد الحرب العالمية الثانية تم تسييل كثير من القروض.. لا تنسى ان الجنود عادوا الى البلاد بعد الحرب ملايين عادوا الى البلاد الحكومة الكبيرة للبراليين كان لها برنامج لتوفير عمل للعائدين قمنا بتخفيض الانفاق بنسبة 60% وتخفيض الضرائب مما ادى الى نهاية الكساد تسييل القروض هو الذي جعلنا نعود الى العمل.
بول كروجمان:
اريد ان اقول شيئا ما عن فريدمان هنا.. قال ان الاحتياط الفدرالي كان مسؤولا عن الكساد الكبير لانه لم يتدخل بما فيه الكفاية وعندما تحدث برنانكي على مثال الهلكوبتر فقد اخذه من فريدمان (فريدمان قال ان الاحتياط الفدرالي يقوم بعمل يشبه طائرة هيلكوبتر تقف في السماء وتقف بالنقود الى الناس.. فياخذونها ويعتقدون ان ذلك لا يحدث الا مرة واحدة.. لكن مشكلة الاحتياط الفدرالي انه يكرر العملية اكثر من مرة.. برناننكي استعمل هذا المثل الخيالي وطور الفكرة اكثر) فريدمان يعتبر من اقسى اليسار..
بول رون:
النقطة هي ان الاحتياط الفدرالي سواء قام بالقليل أو الكثير فهو لا يستطيع. لا يملك رصيدا ايجابيا.. لقد اخذوا 98% من قيمة العملة منذ سنة 1918 هذه سرقة للقيمة من الناس لماذا يجب على الناس ان يتنازلوا عن 1% من قيمة النقد بدون أي مقابل. لماذا قام البنك الاحتياطي بانقاذ البنوك. اذا كان مهتما بالفقراء لماذا لم يعطيها لاصحاب القروض المنزلية. اذا استعملنا طائرة الهيلكوبتر المفروض تاتي النقود للمواطن.
المذيعة:
ماذا يجب ان يفعل البنك الاحتياطي. ميلتون قال يجب تغيير البنك الاحتياطي بالكمبيوتر..
بول رون:
انا معه.. حتى في كتابي (End the fed) قلت لا يمكننا انهاء عمل البنك الاحتياط في يوم واحد ستكون صدمة. ولكن ما نريد عمله هو وقف الاحتكار.. يجب وضع تشريع لاحداث منافسة مشروعة بين مختلف العملات.. اذا كنا نقبل بعملات حول العالم لماذا لا نقبل بعملات لها رصيد من الذهب والفضة. لماذا يخاف البنك الفدرالي من هذا؟ لا تختفي خلف الاحتكار. الناس اليوم اذا استعملت الذهب والفضة سيتم ادخالهم للسجن.
كروجمان:
الحقيقة لدينا كثير من المنافسة بين النقود. هذه الأزمة جاءت بسبب توسع الاصدار النقدي عبر الهيئات الخاصة التي لا تراقب واصبحت ازمة خطيرة لما سقطت.
رون:
اذا شركة خاصة قامت بالتزوير تذهب للسجن.. ولكن البنك الاحتياطي اذا قام بالتزوير لا احد يحاسب. الحكومة تقوم باصدار النقود وتتسبب في اذاء كثير من الناس وتتسبب في تشويش دورة الاقتصاد والتسبب في البطالة لا احد يحاسب..
كروجمان:
انا شديد ضد برنانكي ولكن لا اتهمه بالتزوير
رون:
انت تريد ان نطبع النقود بسرعة.. هذه لا تعمل بهذه الكيفية
المذيع:
بروفسور كروجمان.. الدين العام مقارنة بالناتج المحلي تقريبا وصلنا الى 100%. كم يمكننا ان نرفع سقف الدين أكثر هل هناك رقم؟
كروجمان:
ليس لدي رقم محدد.. ولكن اذا كنا نحتاج الى 30 نقطة أخرى للخروج من هذا الوضع فانا ساقبل بهذا.. لا اقول انه ليس هناك مخاطر.. ولكن المخاطر التي تنتظرنا اذا لم نتجاوز الكساد ستكون اسوأ.لا اريد ان يصل مستوى الدين الى المستوى الياباني رغم انهم اظهروا قدرة على الاستمرار رغم ذلك. ولكننا لم نصل بعد الى الخط الأحمر. لما تدخل كينز في بريطانيا كان مستوى الدين العام 130% وهذا لم يوقف التحفيز النقدي عن ان يكون الجواب على الأزمة. أهم نقطة ان محاولة تخفيض الدين العام سيجعل الدين العام أسوأ. طبعا لا احب هذا المستوى من الدين.
رون بول:
انه يتجاهل الحقيقة اننا بعد الحرب العالمية الثانية استطعنا التحكم في الدين العام بالتحكم في الانفاق. المشكلة لا نعرف اين سنصل 110% 130% غدا.. نحن في فسحة من امرنا لان العالم لا يزال يثق في دولارنا وهذا يعني فقاعة كبيرة لسنداتنا ودولارنا.. اذا كنت تعتقد ان العالم لا يزال يتخذ الدولار مرجعا فانا اقترح على امريكا ان لا تعمل أصلا.. دعنا فقط نطبع الدولارات. أسوأ جزء في هذا هو استسهال الدين. الاحتياط الفدرالي هو اخر ملجأ ليس فقط لاصحابهم في وولستريت واصحابهم مدراء البنوك ولكن ايضا لاصحابهم السياسيين الذين يتم اعادة انتخابهم بتوسيع هذه الديون ولذلك البنك المركزي يجب ان يكون هناك.. ليس هناك أي كوابح امام الكونجرس لالغاء الدين. انت تحب الحكومة الكبيرة. وتعتقد ان هذا الوضع سيستمر.
تعبت من الترجمة.. نكتفي بهذا القدر