شر الغرب ومرارته
عندما كانت الاسرة الاوروبية او الامريكية او الغربية عموما تتمتع بكل مكتسبات الحضارة والتقدم من ثلاجة وغسالة وتلفزيون وسيارة وتعليم ومناصب عمل وبيت كريم.. كل شعوب العالم كانت تتطلع لهذا المستوى من اارقي والتقدم والازدهار ومظاهر الحياة الكريمة.. الغرب قدم النموذج الذي يجعل كل واحد يتطلع للخروج من البداوة الى التمدن.. وتحركت شعوب في هذا الاتجاه للحاق بركب المدنية…
عندنا في عالمنا العربي ابتلينا بانصاف مثقفين.. او مفكرين سطحيين.. ولخص طه حسين في كلمات معدودات اطروحة مثقفي السطح… علينا ان ناخذ الحضارة الغربية كما هي حلوها مرها خيرها وشرها ما يحمد منها وما يعاب.. طه حسين لم يكن وحده بل موجة هادرة من مثقفي اليطح والهامش.. وزار توفيق الحكيم باريس فعاد يردد انبهاره بمسرح الخلاعة والمجون.. مثقفي السطح ما استطاعوا ان يتبن خير الحضارة الغربية وحلوها وما يحمد منها لان ذلك كل ذلك وراءه الجهد والتعب والمثابرة والنصب وسهر الليالي.. وما كانت حصيلهم منها سوى.. هوامشها وشواذها وجرذانها وحشراتها.. وكل شرورها وما يعاب منها.. واذا كان طه حسين او سلامة موسى او توفيق الحكيم وغيرهم كثير يملكون اقلاما بثت في روع جيل كامل افكارا سطحية واستسهال لمعنى التقدم وقادته في طريق مسدود.. طريق ان الحضارة والازدهار يبدأ بهدم القيم.. والتشكيك في الذات وسحقها فقد تاتى لبورقيبة واتاتورك من اسباب السلطان ما جعلهم يحولون بلدانهم الى مراتع الانحدار .. فحجاب المرأة هو العائق امام تحسن معدلات التنمية.. وافلام بوغدير التونسي ستجعل مؤشرات الاقتصاد التونسي تنافس اقتصاد سنغافورة وتايوان.. واذكر ان المسافر الى تركيا في ااثمانينات مشكوك في امره من كثرة ما نسمعه من قصص الخلاعة والمجون في بلد التحديث الاتاتوركي.. وعندما هاجرت الى الشرق وجدت تركيا اخرى.. تايلاند حتى ان ذكر اسمها في مجلس مرادف لنطق كلمة نابية.. طبعا قبل ان ترزق تايلاند كتركيا بقيادات جديدة.. خرجت من التوصيف السطحي ورمزيات هامش الحضارة الى لبها وعصارتها..
بكل اسف على الرغم من تراكم الخبرة.. لا تزال مقولات طه حسين او حكايات توفيق الحكيم حيث لا حكمة ولا توفيق.. وان افلام عصفور سطح هي القادرة على اخراجنا من التخلف الى نور التقدم والازدهار..
لكن في اقصى الشرق كان ينظر للحضارة الغربية بشكل مختلف.. متجاوزين السطح الى اللب.. ومبتعدين من الهامش .. الى قلب صناعة الحضارة.. وانا هنا لا اتكلم على دول اسلامية.. لان مثقفي ااسطح ومنظري والهوامش ومر الحضارة لن يقبلوا استدلالا.. دول تايوان وكوريا واليابان وسنغافورة واليوم فيتنام.. تسودها قيم لا تزال تحترم الاسرة.. وتقدس العمل.. سمها قيم اسيوية.. قيم كونفوشيوسية.. بوذية..
لكنها دول رفضت شر الغرب ومرارته وما يعاب فيه وابقت فقط على ما يحمد منه وما هو خير فيه..
في حوار اجرته مجلة شؤون خارجية مع رئيس سنغافورة.. لي كيو يو.. كان واضحا هناك اختلاف في منظومة القيم.. في النظر الى الأشياء.. لم يكن سطحيا كبورقيبة او اتاتورك او طه حسين.. بل واضحا يعرف حدود الاتفاق والاختلاف.. والاختلاف يبدأ في مربع القيم..
عبر عن افكاره بوضوح.. نعم نختلف مع الغرب.. هكذا قالها بملئ فيه.. نختلف معه في قيمنا.. نحن نعتبر الانسان جزء من مجتمع وليس الكترون معزول يعمل ما يريد وما يشاء ولو على حساب استقرار مجتمعه.. وقال لمحاوره انتم فشلتم في امريكا في محاربة المخدرات لانكم ترون تعاطي المخدرات حرية شخصية.. ولمحاربة هذه الافة تصرفون الاف الدولارات لمراقبة الحدود وتوقيف تدفق المخدرات بل ذهبتم الى بنما واعتقلتم رئيسها بدعوة انه تاجر مخدرات.. بينما تغشلون في مراقبة رقعة داخل حدود امريكا.. بينما في سنغافورة هناك انضباط لان الفرد جزء من المجتمع.. واذا مسكنا فردا معه مخدرات فان الجزاء هو الاعدام.. ولذلك لا نعاني من مشكلة اامخدرات.. انتم قلبتم الامور.. الاطفال يجب ان بترعرعوا في اسرة فيها اب وام.. ولكن بسبب قيم الفردية والانانية.. ولذلك تعتقدون ان الدولة عن طريق المساعدة المالية تستطيع ان نحل مشكلة الاطفال الذين يولدون خارج نطاق الزواج.. الدولة لا بمكنها ان تعوض الاسرة.. وبوضوح قال لمحاوره.. نحن لا ننبنى هذه القيم.. الانسان يجب ان تقوده منظومة قيم.. قيم ااصواب والخطأ.. طبعا هذا لي.. رائد سنغافورة التي تعتبر من الدول الاكثر تقدما.. وليس بورقيبة او اتاتورك او طه حسين.. وبوضوح اكثر قال لمحاوره.. مشكلات امريكا اايوم هي غياب ااقيم وانحدار منسوبها في المجتمع.. وبدعوة الحرية الفردية ضاعت حدود تلمسؤواية الشخصية.. حتى ان المجتمع لا يعترف بوجود مجرم.. او شخص شرير.. بل شخص ضحية المجتمع.. وهلى المجتمع ان يتحمل ضحيته.. هذا التفكير جعل الامريكي يبتعد عن اساس مجتمع.. وهذا ما يفسر القتل في المدارس بسبب حرية امتلاك السلاح..
قبل سنوات كنت حريصا انا وزوجتي على متابعة برنامج طريف مما يسمى تلفزيون الواقع.. ربما من احسن البرامج التي تعالج صراع القيم.. البرنامج يسمى تغيير الزوجة.. Wife swap … فكرة اابرنامج طريفة حيث يعمد معد اابرنامج على الطلب من اسرتين متناقضتين متعاكستين في قيمهم الاجتماعية.. وحتى الدينية.. ويطلب من الام في هذه الاسرة ان تعيش مع اسرة الثانية.. لمدة اسبوعين.. الاسبوع الاول تلتزم بقيم الاسرة المضيفة.. والاسبوع الثاني تفرض نمطها على حياة الاسرة.. وتنتهي الحلقة بجلسة تقييم للتجربة.. اسرة حطاب امريكي يعيش في الغابة على قطع الخشب مع اسرة غنية تصرف الزوجة في كوافير حلاقة ١٠٠٠ دولار .. اسرة محافظة كاثوليكية تعيش مع اسرة منحلة.. وتجد الام طفلة صغيرة ضايعة في احضان اسرة لا مسؤولة.. ام مسلمة يطلب منها ان تعيش في اسرة.. الرجل ليس هو الاب.. واابنت لا تعرف امها.. سنفاجأ نحن بطبيعة العلاقات المضطربة داخل هذه المجتمعات.. لكن اهم ما في هذا اابرنامج هو اختبار القيم ووضعها موضع الاختبار والامتحان في مواجهة مكشوفة تنتهي بانسحاب احد الاطراف بسبب الصدمة القيمية…
اقول هذا الكلام وانا اتابع مداخلات رواد التحديث وورثة طه حسين واتاتورك وبورقيبة.. لاتزال معاركهم مع السفساري.. واقصى طوحاتهم هو ازدهار متاحفنا بلوحات ومنحوتات تشبه وتحاكي منحوتات الاجسام العارية.. والعورات المكشوفة.. التي تدل على جلالة الفن وانفتاح المجتمع.. نخب السطح.. والقشور.. نخب لا ترى في تاريخها الا ما يعاب.. وفي تراثها الا ما يستنكر ويستقبح.. نخب تتمنى ااقطيعة والانفصال بل الانسلاخ من جلدها.. ولو وجدوا سبيلا لتغيير جيناتهم.. او اعادة مولدهم في ديار الغرب لفعلوا.