أسفار ورحلات

تاملات في زيارة لوسط الكونغو

نهاية السنة (نهاية ديسمبر 2015) زرت وسط الكونجو الديمقراطي..

كانت رحلة طويلة في مناطق سهبية خضراء رائعة تفتح النفس وانهار تنساب يمينا وشمالا ومن كل مكان.. وجو منعش مع بعض الضباب في اول الصباح.. 
وطول طريق الذهاب والاياب كنت اسال نفسي .. هنا كل شيء متوفر.. الانسان.. التراب.. الوقت.. لكن كل شيء يوحي ان البلد يعيش ما قبل التاريخ .. البيوت من اشجار الورق والطين.. والحياة بدائية الى ابعد الحدود.. لا كهرباء ولا ماء.. وعندما تناولت حبة اناناس لم اصدق حتى شككت انهم حقنوها بالسكر من حلاوتها ومذاقها الطيب.. 
ما هو الخلل .. ؟؟ 
هل هي مشكلة سياسية..؟؟ هل هي مشكلة تعليمية؟؟ هل هي مشكلة تنظيم الموارد؟؟ هل هي مشكلة انعدام راس مال تشغيلي؟؟ وعندما وصلت الى مدينة تسمى كيكويت .. وقفت بذهول شديد اما مصنع قديم من عهد الاستعمار.. صدئ متهالك.. مصنع لعصر زيت النخيل وامامه رافعات قديمة صدئة بقرب النهر الذي يجري بمحاذاة المصنع.. وكان هناك ميناء نهري.. نعم ميناء في النهر في قلب افريقيا.. 
يا الاهي..
هاهو مصنع وصناعة واشكال من التنظيم والعمل والانتاج.. 
اين ذهب كل ذلك حتى يعود الناس الى عيشة بدائية حيث لا تلفزيون ولا كهرباء ولا جرائد ولا مؤسسات.. بينما في وقت سابق كانت هناك صناعة تدر ربحا ودخلا على الاستعمار…
وعندما استلم اهل البلد شؤونهم بايديهم عاد حالهم الى زمن البدائية الأولى..
مناخ جميل ومياه رقراقة في نهر شديد التدفق.. وارض تبدو زراعية تنتج زيت النخيل والذرى فضلا عن الفواكه..؟؟ زيت النخيل وحده بنى عمارات وانشا مدنية متكاملة في ماليزيا واندونيسيا..
ما رأيته في هذه المدينة التي تقع في قلب القارة هو مشهد يتكرر في تجارب دولة الاستقلال المعاصرة .. مشهد مأساوي يبكي الحجارة..
واتساءل .. اين الخلل؟؟ وكيف السبيل لجعل هذا الواقع احسن.. ومن اين نبدأ؟؟ ربما لم اعد اشعر بالراحة لما اغرق في الحديث عن الحضارة.. ربما اصبحت احب اكثر مصطلح التنمية.. ارى انه اكثر واقعية واقرب الى التحقق وثماره قريبة ويمكن قياسها مقارنة مع مصطلح فخم قوي … الحضارة..
التنمية هي رهان اللحظة.. كيف نخرج من ظلمات الظلام الى نور الكهرباء.. ومن ظلمان ماء غير معالج الى انوار ماء معالج في الحنفيات.. وغير ذلك..
تدفقت الاسئلة الى اخرى.. هل هؤلاء المواطنين قادرين وحدهم.. ام في حاجة لمساعدة…
مساعدة.. كيف مساعدة.؟؟ من سيساعدهم وياخذ بايديهم.. صندوق النقد.. البنك الدولي.. الديون الخارجية.. وما هو مقابل المساعدة…؟؟
استثمارات اجنبية… راس مال خارجي.. 
يستفيد ويفيد..
هل هذا هو منطق التاريخ والاشياء؟؟
اكيد اوروبا في القرون الخالية كانت تمر بتجارب مماثلة.. 
وباختصار نرجع لسؤال ادم سميث… ثروة الامم.. او كيف تنشأ الثروة.. ثروة الأمم؟؟ ينطبق ذلك على الكونجو وغيرها .. حيث سؤال ثروة الأمم لا يزال قائما في بلداننا.. 
رجعت لكتاب كنت قراته ولادة الوفرة the birth of plenty
والكتاب رحلة ممتعة في نشاة التطور وولادة الثروة وتراكمها.. صاحب الكتاب يرى ان الوفرة لا تحدث دون اربعة اشياء اولها ملكية خاصة وضمانات اجتماعية وقانونية وسياسبة واقتصادية باحترام الملكية الخاصة.. تلفرد اذا لم يشعر بالاستقرار والاطمئنان على جهده وتعبه وشقاء عمره لا يمكنه ان يبدع .. ومفهوم الملكية يمتد لتسهيلات ضريبية بل اعفاء لفترة ما حتى يتراكم راس المال التشغيلي لفترة ما من الزمن.. وثانيا الوفرة ترتبط باعتماد وتجديد التكنولوجيا المستعملة في الانتاج.. وثالثا هو توفر راس مال التشغيل.. مشاريع كبرى في الغرب بدات افكارا صغيرة في اذهان العلماء ولكن ما كان لاديسون ان يعمم مصباحه الكهربائي دون وجود راسمال تشغيلي يحول الفكرة الى واقع.. لا يمكن ان تحدث وفرة دون راس مال تشغيلي.. واخيرا بنية تحتية وشبكات طرق واتصالات فعالة.. تكرر ذلك في الشرق والغرب.. طيلة القرن التاسع عشر لم تنجاوز نسبة نمو العالم المتطور اليوم نسبة ٢٪ وهي نسبة متدنية ولكنها تراكميا تحدث نقلة نوعية.. 
تركت تلك المدينة وجمالها الطبيعي وحلاوة الاناناس تحرق حلقي.. واسئلة التنمية والنمو تحرق عقلي