ذكريات

الشيخ محمد السعيد القبائلي الأصيل 

كتب: رياض حاوي

كان من وجوه وزعامات حركة البناء الحضاري في الجزائر، أول ما سمعت به كان من طرف صديقي الطفولة بدر الدين والطاهر، الذين سافرا الى العاصمة وبالتحديد الى مسجد دار الأرقم بأعالي العاصمة والتقيا بالشيخ محمد السعيد، وأرادا أن يسألانه عن شؤون الحركة الإسلامية وقضاياها. وما أذكره من ذلك الحوار حسب ما ذكراه لي فيما بعد، أن الشيخ ابتسم لهما على براءتهما وبساطتهما وقال لهما وهل يمكن أن نتحدث في مثل هذه القضايا بشكل مفتوح، انظرا لتلك الحلقة القرآنية سأعدد لكما كم مخبرا جالسا هناك يترصد حركة القادم والذاهب.. ثم جلس يحدثهما عن وجوب العمل للاسلام والدعوة له. mohamed saeed

اندلعت أحداث أكتوبر في 1988 وصادف أن كنت في بومرداس، وقد انقطعت بنا السبل فلم يكن هناك من سبيل للرجوع إلى العاصمة، وكنت حديث عهد بالطرق والمواصلات.. وسمعنا أخبارا متقطعة عن إضراب الرويبة والرغاية والمظاهرات في العاصمة، وأول ما توفرت المواصلات التحقت بالعاصمة (50 كلم) فوجدت حي باب الواد حيث يقطن أعمامي يموج بالحركية والدينامكية والقصص والأحداث، كانت بالنسبة لي أنا القادم من سكون العمق الجزائري الصحراء مثل ورشة تكوين سريعة على السياسة والثورة والتمرد بأقصى درجة ممكنة… 

كنت شابا صغيرا ومراهقا فرحا بالمغامرات و”الهول” كما يقول إخواننا في العاصمة، وتحدي السلطة ومناكفتها، فالآباء والأجداد أنجزوا ثورتهم المجيدة.. وهذه ثورتنا.. (ثورة أكتوبر).. ضد الفساد والحزب الواحد.. ولم استفق الا على صوت الرصاص يلعلع وسقط ضحايا في العاشر من أكتوبر وفي المساء من نفس اليوم ظهر الرئيس الشاذلي بن جديد رحمه الله في التلفزيون متأسفا بسبب الخسائر في الأرواح والممتلكات وداعيا إلى جمع شمل الجزائريين وأن الجزائر ستطوي صفحة الحزب الواحد وتدخل عهد الإصلاح والتعددية والجلاسنوست (كلمة روسية اشتهرت في عهد غورباتشوف) والشفافية.. وهكذا دخلنا عصر الديمقراطية والتعددية الحزبية بتضحيات هؤلاء الفتية وهو عصر لم يدم طويلا.. 

ومع مجيئ الانفتاح كان الشيخ محمد السعيد مع إخوانه يؤطر وينظم عشرات الندوات والمحاضرات في كل ما يتعلق بمستقبل الدعوة الإسلامية ومستقبل الجزائر، والحراك السياسي والاجتماعي وهناك تعرفت عليه أكثر، حتى شاء الله وقدمني الاخوة حتى أكون منشط محاضرة يلقيها الشيخ محمد السعيد رحمه الله، فكانت المرة الأولى والأخيرة التي أجالسه فيها.. 

كان متواضعا بشكل لافت للنظر، يزن كلماته بدقة، له هالة من الهيبة.. مهموم بقضايا وحدة العمل الإسلامي ووحدة صوت الحركة الإسلامية في معركة الهوية، وكيفية إنقاذ الجزائر من حزب فرنسا.. وأخطبوطه الشرس.. 

محمد السعيد كان من رواد مدرسة ابن خلدون ومالك بن نبي في الفكر الإسلامي المعاصر، وقد أخذ على عاتقه مهمة الرواد في تبليغ ونشر أفكار مالك بن نبي رحمه الله وإعطائها صبغة حركية دينامكية.. 

وقد توجت جهوده هو واخوانه في تحويل مالك بن نبي ليس فقط الى شخصية وطنية شعبية يلتف حول افكاره الاف الشباب اليافع ضدا على ماسينيون الذي كان يريد ان يئد مالك بن نبي ويدفنه للابد، بل بفضل تلك الجهود وجهود تلاميذهم من بعدهم تحول مالك بن نبي الى شخصية اسلامية عالمية يتردد اسمه من طنجة الى جاكرتا، وتحول فكر مالك بن نبي الى علامة من علامات دخول زمن جديد من ازمنة الانعتاق من الاستعمار الثقافي والفكري بعد انعتاقنا من الاستعمار العسكري.. 

طالما كان بعض التحريفيين من الاسلاميين السطحيين، ذوي البضاعة المستوردة كما تستورد الأقمشة، يطعنون في مالك بن نبي ويقللون من شانه لكن وقف لهم امثال محمد السعيد والرجال الذين كانوا معه، وابطلوا تحريفهم واعطوا لمالك بن نبي المكانة التي يستحقها.. وهاهو مالك بن نبي يعيش بيننا بفكره ويلهم خطى جيل جديد في طريق التحرر.. 

ان الدور الذي لعبه امثال محمد السعيد قد ابطل مشروعا استعماريا بدأه ماسينيون لواد كل الأفكار النيرة التretererي تضرب الفكرة الاستعمارية في عمقها وتفككها.. وتمد الجيل بآليات الوعي الاستباقي وفهم مخططات الصراع الفكري ومكر الاستعمار..

وإذا كان مالك بن نبي هو مفتاح شخصية محمد السعيد فإن الإمام الشاطبي صاحب الموافقات، أو فيلسوف الفقهاء، ومؤصل فكر مقاصد الشريعة له أيضا حضور متميز في خطاب محمد السعيد ومحاضراته ولذلك مستحيل تحضر محاضرة لمحمد السعيد ولا تجد ذكرا لهؤلاء الأعلام ابن خلدون، مالك بن نبي والشاطبي.. مستدلا بهم ومستشهدا بتراثهم.

وكما كان شان مالك بن نبي فقد ازدهرت مدرسة الموافقات ومقاربة الشاطبي للشريعة الاسلامية بفضل تلك الجهود الأولية التي أسس لها أمثال محمد السعيد وصحبه، وانتشرت مدرسة الموافقات تملأ الآفاق وقام تلاميذ التلاميذ باكمال المسيرة.. مما كسر قرون الفقه الحشوي والتدين السطحي والفتاوى الخالية من كل تبصر في مقاصد الشريعة.. وهي معركة اخرى من المعارك مع أشكال التخلف التي تتغلف بالدين..

كان من الدعاة الواعين بالتحديات التي تحيط بنا، له مقاربة معاصرة لمشكلات المسلمين، وأذكر كيف أنه كان يردد كثيرا أنه كما يجب الموت في سبيل الله يجب الحياة في سبيل الله، وأن الحركة الاسلامية ستكون إضافة لمجتمعنا تحرره من التبعية والتخلف والارتهان للاستعمار الجديد..

تسارعت الأحداث حتى وصلنا منعطف التحضير للانتخابات التشريعية سنة 1991 فقامت جبهة التحرير الوطني وحكومة حمروش بتغيير الدوائر الانتخابية بشكل مفضوح وقبيح ينم عن رغبة جامحة لتغيير النتائج الانتخابية وتزوير الانتخابات بطريقة فنية، فمنطقة معزولة يتوقعون أن الحزب الحاكم يمكن أن يحقق فيها نتائج جيدة تعطى لها عدة دوائر برلمانية ومنطقة كبرى في الحواضر الكبرى يتوقعون ان تكون معارضة للحزب الحاكم تعطى لها دائرة انتخابية واحدة..

وعندما وصلت الوقاحة إلى هذه الدرجة غضب عباسي مدني، وهو الرجل الثوري ابن المنظمة الخاصة لحزب الشعب تلميذ العربي بن مهيدي، وبعث برقية للبرلمان الذي تسيطر عليه جبهة التحرير الوطني يتهمه بالخيانة العظمى إذا وافق على تقسيم الجزائريين مثلما كان يفعل الاستعمار الفرنسي الذي يجعل صوت الأنديجان يختلف عن صوت الأقدام السوداء.. وهي استعارة قاسية لذلك الجيل الذي لا يزال يعب من تراث كفاح الجزائر المسلح ضد الاستعمار الفرنسي..

كانت حكومة حمروش مرتبكة فهي تقع بين ديناصورات جبهة التحرير ورغبتهم في الاستمرار في السلطة وبين متطلبات تطبيق الاصلاحات خاصة في شقها الاقتصادي، وهي أهم استحقاق كان على طاولتها.. وسرعان ما باغتت الجبهة الاسلامية خصومها بالإعلان عن الإضراب الوطني رفضا لتقسيم أصوات الجزائريين حسب الأهواء السياسية.. 

كانت الأطراف كلها تفتقر للتجربة فقد كان يكفي تبني الاقتراع النسبي حتى تتشتت الأصوات ولا يحقق أي حزب الأغلبية المطلقة وتدار البلاد بالتوافقات، لكن نواة السلطة أصرت على استعمال الاقتراع بالأغلبية وهو النمط الذي لا محالة يجعل السلطات كلها تتركز في يد واحدة.. ويقصي البقية.. 

باغتت الجبهة الإسلامية الساحة بالإعلان عن الإضراب الوطني وتم تأجيل الانتخابات ولكن ذلك الإضراب لم ينته إلا باعتقال الصف الأول للجبهة الإسلامية وعلى رأسهم عباسي مدني وعلي بن حاج بعد أن سعى النظام لكسب بعض رجالات المجلس الشوري لتقسيم قيادة الجبهة..


و باعتقال عباسي مدني مسك محمد السعيد بتلابيب الجبهة الإسلامية الممزقة، وبعد مناورات ولعبة القط والفار مع السلطة.. ظهر محمد السعيد في مسجد السنة وألقى خطبة جمعة شهيرة قال فيها كلمات لا يزال يتردد صداها في تاريخ الجزائر.. “إنني ادعو للحوار… إنني ادعو للحوار.. إن هذه الجبهة قلمت كثيرا من الأظافر الحادة وهذا في صالح المجتمع.. وإنني أمسك في يدي قنبلة أعينوني أن لا تنفجر في المجتمع..”.. كان محمد السعيد قوي البيان له عبارات نفاثة وهو الأمازيغي القبائلي الأصيل.. يختار كلماته بعناية ولا يطلق لسانه الا بكلمات موزونة وعبارات منسقة.. 

وبعدها مباشرة ظهر في المجلس الشعبي للقبة في ندوة صحفية يحاول تهدئة الأوضاع وتقديم وجهة نظر القيادة الشرعية الأصيلة للرأي العام.. فتم اعتقاله في مشهد هوليودي أمام ممثلي الجرائد والصحف العالمية والوطنية.. 

كانت الدولة مرتبكة ورجالاتها مرتبكون والمجتمع مرتبك في أول عملية انفتاح ديمقراطي، وبعد محاولات للسيطرة على الجبهة الاسلامية استطاع الشهيد عبد القادر حشاني رحمه الله الذي بقي وحده لم يعتقل لم شتات الجبهة الاسلامية وتنظيم مؤتمر الوفاء في باتنة.. 

وقرر النظام تنظيم انتخابات جديدة في نهاية السنة، مع إحداث تغيير على التقسيم الإداري أقل سوءا.. وفي نهاية نوفمبر أي شهرا قبل الانتخابات تم الإفراج عن محمد السعيد بانتفاء التهم الموجهة إليه.. 

لا زلت أذكر كيف جاء من السجن مباشرة الى حي الجبل حيث كان يعقد مؤتمر الدعوة من تنظيم جمعية البناء الحضاري ومنذ تلك اللحظة بذل جهدا كبيرا في حشد الناس لأول انتخابات تشريعية حرة ومستقلة وآخر انتخابات في تاريخ الجزائر المعاصرة يعبر فيها الشعب عن إرادته.. كان رأيه أن لا نترك النظام ينفرد بالحركة الإسلامية وعلينا أن نمد أيدينا إلى كل الأطراف، فالمعركة هي معركة الحرية وسيادة الشعب.. 

جاءت الانتخابات وحققت الجبهة الاسلامية للإنقاذ فوزا فاق كل التوقعات بما فيها توقعات أبنائها وقياداتها… 

لكن الزمرة الحاكمة وحزب فرنسا المتغلغل في دواليب السلطة وعلى رأسه قدماء ضباط الجيش الفرنسي رأت في ذلك تهديدا لمصالحها، فبرمجت انقلابا على الرئيس الشاذلي بن جديد، وتوقيف الانتخابات في دورها الأول.. وقررت قرارها الخطير أنها مستعدة لقتل ثلاثة ملايين جزائري اذا تطلب الأمر..

يذكر التاريخ أن محمد السعيد وحشاني رحمهما الله باشرا الاتصال فورا بقيادات جبهة التحرير الوطني وجبهة القوى الاشتراكية بقيادة عبد الحميد مهري وحسين آيت أحمد رحمهما الله لمد جسور التواصل ونزع فتيل القنبلة التي كانت على وشك الانفجار في المجتمع.. 

xcvax
خالد نزار والشاذلي بن جديد

كما اتصلا بطالب الابراهيمي للتواصل مع الرئيس الشاذلي بن جديد وابداء استعدادهما لاحتواء الموقف المتفجر والبحث عن حل توافقي، لكن الرئيس بن جديد كان مغلوبا على أمره، خارج التغطية، قد فقد السيطرة على الحكم وأصبح رهينة ضباط فرنسا وزمرة حزب فرنسا الانقلابية. ولم يستطع الالتزام بالكلمة التي أعطاها للشعب قبل الانتخابات في حوار متلفز أنه سيحترم نتائج الاقتراع مهما كان الفائز.. رحمه الله وغفر له..

ولما لاحظت النواة الصلبة للانقلاب بداية تشكل حلف بين جبهة الانقاذ بقيادة حشاني ومحمد السعيد وجبهة التحرير بقيادة مهري وجبهة القوى الاشتراكية بقيادة آيت أحمد رحمهم الله جميعا فكلهم طينة نادرة من رجال الجزائر، كان هذا الحلف خطر على استمرار مخططات الانقلابيين الدمويين، فحاول الجنرال الانقلابي خالد نزار إغراء حسين آيت أحمد وعرض عليه قيادة البلاد كرئيس لمرحلة انتقالية لكن هذا الأخير رفض العرض المغري ورفض أن يضع يده في يد من انقلب على إرادة الشعب.. وهو موقف سجله له التاريخ بحروف من ذهب.. 

فبحث النظام عن وجه تاريخي وثوري آخر وهو الشهيد محمد بوضياف رحمه الله، مستغلين غربته وكبره في السن وبعده عن واقع الجزائر وعدم إدراكه للمتغيرات ولا استيعابه لمكائد حزب فرنسا المتغلغل في دواليب السلطة.. 

كان محمد بوضياف شيخا هرما قليل الخبرة في مناورات السياسة ضعيف الحيلة لا يعرف أحد في قصر المرادية يعمل في محيط لا يعرف عنه شيئا فلم يعمر طويلا وتم اغتياله من طرف أحد حراسه بعد بضعة أشهر من تسلمه السلطة الانتقالية وكل أصابع الاتهام موجهة لجماعة الانقلاب وحزب فرنسا ولوبي الاستئصاليين القتلة، لأن بوضياف بدأ يتمرد عمن جاء به مرتكزا على رمزيته الثورية وشخصيته القوية.. 

gqergqer
لحظة اغتيال محمد بوضياف

اغتيل بوضياف في مشهد مأساوي ودموي أمام كاميرات التلفزيون وكان ذلك الحدث إيذانا بدخول الجزائر في عصر الدماء والدموع والموت المنظم.

كل من استمع لمحمد السعيد لا شك أنه يذكر مقارناته وتحذيراته للحركة الاسلامية من مغبة الانجرار للعنف والاحتراب الأهلي، كان منظرا سباقا لهذا الطرح، يؤسس للعمل المدني الجامع، لكن بكل أسف لا يترك الانقلابيون للعقلاء مجالا للحركة، وكثيرا ما يجد المرء نفسه في زاوية ضيقة مدافعا عن حقه في الوجود امام جلاوزة الانقلابيين الذين قرروا قتل كل من يقف في وجههم ويريد ان يعيد الكلمة للشعب الجزائري.. ملتزمين حرفيا بوصية ديغول لارجاع الجزائر تحت الوصاية الفرنسية.. فهم أصلا يعتبرون الشعب قاصرا وهم أوصياء عليه.. 

وكثيرا ما تعمل الدوائر الخاصة على تصفية وعزل العقلاء حتى يفتح المجال للمغامرين والمتهورين وهنا يخلو لها الجو وتلعب لعبتها القذرة.. 

حاول النظام اعتقال محمد السعيد فهرب كغيره من آلاف الجزائريين، مفضلا الموت في الجبال على الموت في الزنازين وامتهان كرامته.. 

وفي الجبل كان دائما يرمز الى صوت العقل والحكمة، لم يكن عسكريا بالمفهوم التقليدي أو قائدا مغامرا بل كان داعية مربيا موجها باحثا عن مخرج من هذا المأزق الأليم، وقد بادر لتشجيع مبادرة العقد الوطني وتزكيتها، وهي أول مبادرة جمعت صفوف المعارضة الجزائرية بما فيها جبهة التحرير الوطني.. مع فتح المجال لكل أشكال الاتصال والحوار مع السلطة من أجل وقف نزيف الدماء.. والتي توجت بالإفراج عن عباسي مدني وعلي بن حاج فيما سمي بجولات الحوار مع الرئاسة، بقيادة الجنرال ليامين زروال ومستشاره بتشين.. 

للأسف لم يكن النظام موحدا في مواقفه، وكانت هناك كتلة زروال رئيس الدولة ومستشاره وذراعه الأيمن الجنرال بتشين وهو رئيس جهاز المخابرات في مرحلة الشاذلي بن جديد.. وهي الكتلة التي كانت تشجع على إنهاء الأزمة بالحوار وطي صفحة الانقلاب الأسود بسبب ما جره من مشاكل على الجزائر الذي أصبح يهدد وجودها بسبب دوامة الدم والدماء والدموع التي دخلتها..

وهناك كتلة الانقلابيين اللوبي الفرنسي الدموي الذين استشعروا الخطر وأن أي حل تفاوضي وحواري سيؤدي بالضرورة إلى تحميلهم المسؤولية الأخلاقية والجنائية والتضحية بهم.. ولذلك لم ترق المفاوضات لكتلة الاستئصاليين وعلى رأسها مخابرات مدين فأفسدتها لأنها كانت تتجه إلى حل يضطر فيه النظام لتحمل جزء من مسؤولياته فيما حصل من سفك للدماء.. 

وكان هناك تنافس وصراع على المواقع بين المدير السابق للمخابرات الجنرال بتشين الذي أصبح مستشار الرئيس زروال وذراعه الأيمن والمدير الجديد للمخابرات محمد مدين، الذي يعتبر من رؤوس ومهندسي انقلاب 1992.. وأصبح كل طرف له خطه الخاص به للاتصال بالجبهة الإسلامية والمسلحين.. وتم تصعيد الموقف بين الكتلتين دليلا على أن الاختلاف بينهم بلغ الذروة..

وقد استمر الخلاف بين الرئاسة والمخابرات حتى ظهرت مقالات غامضة لنور الدين بوكروح في جريدة الخبر يتهم فيها الجنرال بتشين بالفساد.. 

وأصبح المشهد كاريكاتوريا إذ لم تبق حرمة لمؤسسات الدولة ولا رموزها.. ولم يطل المقام طويلا بالرئيس زروال فقد قدم استقالته مع مستشاره من رئاسة الجمهورية، في سابقة في تاريخ الجزائر ربما خوفا على حياته من مصير مشابه لبوضياف الذي قتل شر قتلة امام شاشات التلفزيون..

قد أكون مدعيا إذا حاولت أن أتحدث عن تلك الأحداث العاصفة المتلاحقة، مهما أوتيت من ذاكرة قوية أو عاصرت من وقائع، فهو تاريخ لا زال لم يسجل، وهناك تفاصيل كثيرة لا تزال حبيسة الصدور، ولم تتحول بعد الى مادة تاريخية.. 

كنت في تلك الفترة صحفيا في جرائد كثيرة كلما أسكت الاستئصاليون الدمويون منبرا من منابر الحرية والحوار وجمع كلمة الجزائر وتوقيف شلال الدماء كلما بادر الطيبون بما يملكون من قلة الزاد بانشاء منبر بديل لتبليغ صوت من لا صوت له، من هذه الجرائد ايوقانات صحف الشرق مثل النور والبيان والهلال والمستقبل وأخيرا جريدة الأطلس، عملت مع رواد هذه الصحافة الأصيلة التي دافعت عن هوية الشعب الجزائري وعمقه الحضاري وانتمائه التاريخي مع الشهيد صالح قيطوني رحمه الله، وخليفة وبوحنيكة وبوفولة وطيار وزهار وسراوي وبوخنوفة وصفان وحليس وجرادي وبلقاسمي وغيرهم من الرواد الذين كان سلاحهم الوحيد القلم وجبال من الارادة والتضحية ونكران الذات.. يؤمنون بجزائر واحدة موحدة تملك زمام ارادتها وسيدة على ترابها ضد كل شكل من أشكال الانتداب المباشر وغير المباشر والوصاية الفرنسية المباشرة وغير المباشرة.


وكثيرا ما يحب أهل السياسة تبادل اخبارهم وشؤونهم مع الصحفيين وقد التقيت بمن بادر باتصالات مع المسلحين خط الجنرال توفيق، وسألته بشكل عفوي حسب علمي أنه في نفس الفترة التي التقيتم فيها بالجنرال توفيق كان هناك خط اتصال مع بتشين، فلماذا لم تتصلوا بمحمد السعيد، فقال لي إن توفيق لم يكن يروقه محمد السعيد.. ويعتبره خطرا.. كانت الرسالة واضحة نريد حوارا على مقاسنا.. وقد كتبت شيئا من ذلك في الأطلس اذا لم تخن الذاكرة.

آخر فصل من حياة محمد السعيد هذا المربي الموجه، بعد خلافات شديدة في صفوف أهل الجبل، طلب منه المجيئ الى الحوار، فقام علي بن حجر بتحذيره من الغدر والخيانة، لكنه ذهب مقدما نية الدعوة على مكر السياسة.. 

تقول الروايات أنهم صلوا العصر جماعة وجلس يقرأ شيئا من القرآن الكريم فوقف خلفه أحد المسلحين ورشقه برصاصات قاتلة.. فسقط شهيدا، فصرخ عبد الرزاق رجام، وكان قريبا منه: لماذا قتلتموه؟ فاستدار له ورشقه برصاصات قاتلة وألحقه بصاحبه.. 

ومن غريب تاريخ الجزائر أن الجيا بثت بيانا كاذبا، تقول فيه أن محمد السعيد قتل في اشتباك مع قوات النظام… للتغطية على جريمتها النكراء..

Abane_Ramdane_à_la_Soummam
عبان رمضان تم تصفيته في تطوان

وهي قصة تكررت قبل ذلك في تاريخ الجزائر، حيث قام مجموعة من قادة ثورة التحرير الوطني باستدراج أحد رموز الداخل، وهو عبان رمضان إلى مدينة الناظور المغربية وقاموا بتصفيته خنقا بأحد الأسلاك نتيجة ما سموه خلافات بسبب أنه بادر للقيام باتصالات بالجانب الفرنسي دون التشاور مع بقية إخوانه.. وبنفس الأسلوب نشروا بيانا في جريدة المجاهد الناطقة باسم الثورة الجزائرية يقولون فيه إن عبان رمضان قتل في ميدان الشرف ضد الجيش الفرنسي.. وهي الرواية التي بقيت شبه رسمية إلى يوم الناس هذا..

تكرر نفس سيناريو عبان رمضان مع محمد السعيد في سياق مختلف وكأن تاريخ الجزائر مصر على تكرار نفسه لحظة لحظة ومشهدا مشهدا.

في الأخير اضطرت الجيا واعترفت فيما بعد باغتياله، وقد كان ذلك قاصمة ظهرها.. 

وكتب أحد المجهولين فيما بعد كراسة غريبة يتحدث فيها عن زيغ عقيدة مالك بن نبي، تعريضا أن جماعة البناء الحضاري التي كان يرأسها الشيخ محمد السعيد لها علاقة بمالك بن نبي ومالك بن نبي ضال وكأن مالك بن نبي كان حيا ومناضلا في صفوف الجبهة الاسلامية للانقاذ وهاربا في جبال تيزي وزو.. في خلط عجيب غريب وعقل مشوش مريض.. 

ولا يستبعد أن دوائر الصراع الفكري الخبيثة قد دبرت الخلط لتضرب أكثر من عصفور بحجر واحد.. وتقتل اكثر من رمز دفعة واحدة.. محمد السعيد قتل مادي ومالك بن نبي قتل معنوي..

باغتيال محمد السعيد غدرا، دخل المسلحون في حرب استنزاف فقد زالت الثقة بينهم، وسرعان ما تم تصفية جمال زيتوني زعيم الجيا المتهم باعطاء أمر اغتيال محمد السعيد في اشتباك مع مجموعة بن حجر.. 

وبعد سنوات ظهر ضابط المخابرات المعارض محمد سمراوي ليؤكد للرأي العام أن جمال زيتوني لم يكن سوى بيدق من بيادق الغرفة السوداء لاختراق الجماعات في الجبل.. لتنكشف بعض الفصول الغامضة ولا تزال فصول أخرى أشد غموضا..

من الملفت للانتباه أن الاسم الكامل لمحمد السعيد كما كتب بنفسه، هو محمد السعيد بلقاسم لونيس بن أرزقي بن أحمد بن مزاري الذي ينتهي نسبه إلى علي بن عثمان الزواوي المنجلاتي إلى الحسن بن علي.. 

هو امازيغي قبائلي أبا عن جد ينتهي نسبه الى الحسن بن علي الى رسول الله أي يمتزج دمه الامازيغي بدمه العربي القرشي الى النخاع.. 

وهذا الاختلاط في الدم العربي والأمازيغي ليس خاصا بمحمد السعيد بل هو ظاهرة عامة وربما كان 99% من القبائل هذا حالهم في اختلاط للانساب وتداخل في الأعراق، وهذا ما لا يفهمه مرتزقة الانفصاليين العنصريين الذي تشربوا الأفكار النازية الجديدة والذين دنسوا بلاد القبائل رافعين علما غير علم الجزائر.

وقد سمعت أن خليدة مسعودي، وكانت زعيمة من زعماء الأرسيدي، الحزب الذي ظهر منه الخائن فرحات مهني، داعية الانفصال، لما جاء بوتفليقة جعلها وزيرة للثقافة وذاقت عسل السلطة، صرحت بانها ادريسية، أي انها تحمل دماء عربية وربما تدعي بأن نسبها يعود الى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.. رغم انها كانت من أشد الناس تعصبا لنزعة البربريزم التي تحولت مع مرور الزمن الى نزعة انفصالية صريحة وعلما غير العلم الجزائري المعروف يحمله كبار الخونة وصغارهم حيث حلوا وارتحلوا..

أمثال الشيخ محمد السعيد m_said250_117772040الامازيغي القبائلي الأصيل كان يقف صدا منيعا ضد فتنة العنصرية الخبيثة وافكارها النازية الجهنمية التي يتلاعب الاستعمار بكل من يحملها حتى يشكل جيشا من الخونة والمرتزقة الذين يطعنون الجزائر في ظهرها.. ولذلك كان امثال الشيخ محمد السعيد الأمازيغي الحر رحمه الله الذي يؤمن بالجزائر واحدة موحدة من تيزي وز ودلس الى عين قزام ومن مغنية الى الطالب العربي وكل الرجال الشرفاء من القبائل الاحرار رموزا يجب استئصالها وتصفيتها وقتلها ماديا ومعنويا وحرمانها من كل المنابر حتى لا تفسد مخططات الاستعمار الذي يعتمد سياسة فرق تسد.. وكل صوت قبائلي يرتفع عاليا يرفض سياسة التقسيم العنصري والفتنة النازية الجديدة يتم اسكات صوته وكتم انفاسه معنويا اذا امكن وللابد اذا تطلب الأمر.

في وصية تركها محمد السعيد رحمه الله قال كلمات وكأنه يستشف الغيب وينظر لنا ونحن نطرح الأسئلة عن أحداث لم نعش تفاصيلها ووقائع لا نعرف ملابساتها :”لا تحكموا علي فيما لم تفهموه من مواقفي وخلوا بيني وبين الغفور الرحيم، فإنني قد عاهدت نفسي أن لا أنحاز للباطل وأن أكتتب دوما في صف الحق والإسلام مهما كلفني من ثمن”.. 

وقال رحمه الله:”حافظوا على العمل التربوي مهما كانت الظروف لأنه قد تبين أن الرصيد الإحتياطي الإستراتيجي للدعوة الإسلامية هو ما تخرجه مدارس التربية الأصيلة الفعالة من الرجال الصادقين الأكفاء الذين يهبون عند الفزع و يفسحون الطريق لغيرهم عند الطمع” ولعل هذه الكلمات الأخيرة يجب ان توضع شعارا لمرحلة جديدة من تربية الأجيال على روح الوطنية والتعايش والتضامن فعلى الأقل جيل عاش اجمل السنوات وارقى الأيام ولم نشعر أبدا ان هذا قبائلي أو شاوي أو أغواطي او نايلي او بريكي أو ميزابي أو تارقي أو سوفي.. 

لعبت الحركة الإسلامية دورا تاريخيا في تفكيك قنابل الاستعمار الجهوية والعنصرية الخبيثة ولا زلت اذكر لما زارنا في ورقلة ايام الحملة الانتخابية تنادى الناس من كل ارجاء الجنوب يستمعون لمحمد السعيد ولم يقل أحدهم هذا قبائلي او هذا “زوافي” لا نستمع له.. 

علينا ان ندرك جيدا لعبة الاستعمار جيدا ولا نقع في شراكه ولا نسير في مخططاته الخبيثة.. ولا نستدرج الى مستنقعات التقاتل.. ولذلك مستقبل وحدة الجزائر مرهون باستمرار خطاب الحركة الإسلامية التنويرية التي تعلي من قيمة الوطن ووحدة المصير ووحدة الدين وتمزج كل هذه العناصر للحفاظ على الجزائر واحدة موحدة..

رحم الله محمد السعيد وتقبله في الشهداء والصالحين.. وحفظ الله الجزائر موحدة غير منقسمة.. وسخر لها من الرجال الأمازيغي البربري الحر أمثال محمد السعيد في حاضرها ومستقبلها..

gfhdf fgdgf sdfas rterter