شؤون دولية

معاقبة الشعب السوري

تهافت خطاب الغرب أيضا أمام ثورة الشعب السوري.. فكل مخزون خطاب الحريات السياسية تراجع اما ثورة الشعب السوري.. فتعرضت الثورة للاجهاض.. لان استعادة الشعب السوري لحرياته هو تهديد لاهم مشروع غربي في منطقتنا وهو مشروع زراعة الكيان الصهيوني.. ولذلك تعرض الشعب السوري الى حرب الابادة باستعمال الآلة الروسية.. كل من خالط المواطنين السوريين سيلاحظ الكفاءة والفعالية التي يتميز بها المواطن.. حتى اطلق الناس على حلب الصناعية اسم الصين الصغرى.. فكل ما يصنع في الصين يصنع في حلب وبكفاءة عالية.. كل ما كان يعيق الشعب السوري هو النظام السياسي المتخلف الذي يقف سدا منيعا امام نهضته وتطوره.. ويمنعه من ابراز قدراته وطاقاته الخلاقة..
ماليزيا اقامت فيها جاليات من كل البلاد العربية والاسلامية ومن خلال معايشتي واحتكاكي فان الجالية الوحيدة التي استطاعات ان تقتحم مجالات اقتصادية واسعة رغم صعوبة المناخ التنافسي في ماليزيا وتوفر عمالة من دول مجاورة ومع ذلك استطاع الشباب السوري اقتحام مجالات البناء والسباكة والدهان والحلاقة وصناعة البسكوت والمطاعم.. وبدؤوا يغيرون من عادات الطبخ.. حتى وجدت بعض المطاعم الهندية تكتب لافتات فيها رز عربي لان الاخوة السوريون واخواتنا السوريات جعلوا الرز السوري مطلوبا في جنوب شرق آسيا..
هذه الدينامكيات الشعبية يتم رصدها وتحليلها.. وفهم مآلاتها.. فهموا ان تحرر الشعب السوري واستعادته لقراره السياسي سيظاعف من نسبة المخاطر على المشروع الغربي الاستراتيجي المتمثل في زراعة الكيان الصهيوني.. الديمقراطية في سوريا والحرية الاقتصادية ستجلب الرفاه الى كل المنطقة وتحرر المجتمعات من القيود التي تكبلها بسبب انظمة سياسية بالية.. فكان الحل الوحيد هو معاقبة هذا الشعب على طلب الحرية.. أشرف الجميع على حرب الابادة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.. عصابات داعش كانت جزء من الثورة المضادة وانجزوا دورهم تحت مظلة الاستعمار وفي خدمة المشروع الصهيوني وحماية لظهره..
يكفي فقط ان نفتح صفحة تاريخ جديدة ونجد في سوريا حكومة منتخبة وقيادة سياسية ديمقراطية تعيد الكلمة للشعب السوري وتفجر طاقاته الحيوية وتفتح المجال لاستثمارات من الصين والهند والبرازيل وحكومة ديمقراطية وبرلمان تعددي.. وتتدفق الاستثمارات على سوريا.. كيف سيكون وضع الكيان الصهيوني والمشروع الغربي..
الشعب السوري تم معاقبته لانه اراد الخروج من الاحتكار السياسي للسلطة ومن السياج الدولي المضروب بتفاهمات مباشرة وغير مباشرة حتى يبقى في معتقل الاستبداد الأسدي..
طرابلس العاصمة الليبية كانت مرشحة الى ان تتحول الى مركز تجاري ومالي يشبه دبي وسنغافورة.. الشعب الليبي الشقيق لا يتجاوز تعداده 6 ملايين نسمة له مداخيل من النفط لا تقل عن 2.5 مليون برميل يوميا أكثر من الجزائر ب40%.. يعني مداخيل صافية من النفط لا تقل عن 40 مليار دولار سنويا بمعدل 50 دولار يوميا.. وكل ما كان يعيقه هو نظام سياسي متخلف وحكم عائلي مهلهل لما اتيحت له فرصة التحرر من الاعاقة السياسية التي كان يمثلها القذافي وعائلته وحكمه البائس.. تحركت القوى الدولية لاستباق خروج الجن من قمقمه..
القوى الدولية تفهم جيدا مآلات الامور.. فهمت ان ترك الشعب الليبي يمسك زمام الامور في يديه ستشكل ليبيا مركز تجاري ونهضوي قريبا من اوروبا.. بل قادر على التاثير على دول الجنوب الاوروبي.. يملك السيولة وله تكلفة انتاج وخدمات اقل من جنوب اوروبا ويستطيع استقطاب عمالة بسهولة من العمق الافريقي.. ويستطيع الانفتاح على الصين والبرازيل ويحول ليبيا الى مركز صناعي دولي.. وبتكاليف اقل من العمالة القادمة من الهند والفلبين والبنغلاديش عبر الطائرات الى دبي.. فتدخلت القوى الدولية وتظاهرت بمساعدة الشعب الليبي ولكن في حقيقة الأمر تآمرت عليه وافسدت عرس الأشقاء الليبيين وصنعوا جدارا سياسيا جديدا لمنع الشعب الليبي من تحقيق القفزة التنموية المنشودة وهم يعلمون علم اليقين انه يملك المقومات المالية والاقتصادية التي تؤهله لذلك.. ويعلمون ان طرابلس وبنغازي يمكنها ان تنافس ابوظبي ودبي.. بل اكثر من ذلك لان دبي لا تملك سوقا قريبا وابو ظبي لا تملك سوقا قريبا لكن بن غازي وطرابلس تملك كل افريقيا.. بالاضافة الى أوروبا..
ولا تزال القوى الدولية تتآمر على الشعب التونسي الذي ينعم ولو بربع ديمقراطية لكنها افضل من الاستبداد والحكم العائلي وحكم مراكز القوى.. يعملون كل ما وفي وسعهم حتى يدخلونه في حرب أهلية بالقوة.. وهو صامد يترقب.. يطاردونه في عيشه ويحاولون افساد علاقاته بمحيطه القريب والبعيد..
يعلمون ان حكما ديمقراطيا كاملا في تونس وليبيا سيؤدي بقوة الجغرافيا الى تحول في الجزائر أيضا.. وفي مصر الذي يمثل نظامها كنزا استراتيجيا للصهيونية العالمية يجب المحافظة عليه.. الشعب التونسي عبر كفاح ابنائه اكتسب مهارات عالية لا تحتاج الا الا سيولة قد تتوفر في ليبيا حتى تتاسس الدينامكية التنموية المطلوبة.. وذلك لن يتحقق بانظمة استبدادية بل بانظمة ديمقراطية الكلمة فيها للشعوب.. انظمة تؤمن بمصير مشترك ووحدة شعورية قائمة بين شعوب هذه المنطقة.. ولا تنقصها سوى الارادة السياسية حتى يحدث التلاحم المنشود.
لحظة البوعزيزي كانت محاولة شعبية لكسر اهم عائق يقف في وجه شعوبنا وهو عائق الاستبداد السياسي.. لن تتحقق تنمية ونهضة اقتصادية في ظل استبداد سياسي..
ربع ديمقراطية في تونس أحسن من حكم بن علي وامثاله.. وعشر ديمقراطية في ليبيا خير من حكم القذافي وحفتر وأمثاله من الاستبداديين الغوغاء..
اما شعبنا في سوريا فرغم الجراح والآلام.. لكنها ستبقى صفحة مشرقة من صفحات الكفاح والنضال والتطلع الى مستقبل مشرق.. وستدور الدوائر على الاستبداد المحلي والدولي..