من اشكالية الحضارة.. الى اشكالية التنمية
الحركة الإسلامية انتقلت من اشكالية الحضارة والهوية والانتماء الى قضايا التنمية.. والبرامج.. وهذا تطور طبيعي.. كلما تقفز الى مركب العمل السياسي كلما يصبح هذا المدخل التنموي ضروريا..
ففي العالم العربي كانت السودان سباقة لان مساحة الحرية السياسية كانت اوسع.. وهذا ما جعل الترابي المنظر العربي السياسي رقم واحد..
ولما توفر هامش صغير في تونس قفزت حركة الاتجاه الاسلامي في تونس وبدأت تطرح قضايا مختلفة عن تلك التي تطرحها الحركات الاخرى.. وهذا ما جعل الغنوشي المنظر العربي رقم 2 وهو صاحب كتاب الحريات العامة في الدولة الاسلامية وهو نسيج من الطرح مختلف…
ولما توفرت المساحة في الجزائر في هامش صغير بدأت نفس قضايا التنمية تطرح .. وكان الحركة الاسلامية مؤهلة كي تكتسب الخبرة وتطور من فهمها للواقع.. وتاويلها للفقه التقليدي وتثويره لولا ان التجربة اجهضت.. وعلى سبيل المثال اذكر نقاشا بسيطا في مستوانا في تلك الفترة عن الجمع بين المسؤوليات الحزبية والتنفيذية.. واذكر ان استاذنا الجيلالي شنوف كان ينادي مثلا بان كل من يتولى مسؤولية تنفيذية يتخلى تلقائيا عن موقعه الحزبي حتى لا نقع في نفس اخطاء جبهة التحرير.. حيث تكون الدارة مغلقة..
وكانت التجربة مفتوحة على عشرات النقاشات الأخرى.. لكنها دفنت في مهدها..
الانتقال من قضايا الحضارة الى قضايا التنمية له سياق.. وهذا ما يتجسد حاليا في في تجربة تركيا
نقلتنا ثورات البوعزيزي من اشكالية السلطة ومن يحكم إلى اشكالية التنمية وكيف نتقدم.. حسمت ثورات البوعزيزي في مسألة الشرعية السياسية فالسلطة هي خيار الشعب.. وصناديق الاقتراع هي السيد في اقرار المسؤوليات التنفيذية .. ومقارنة مع منعطف نهاية الثمانينات مع ظهور موجة الجلاسنوست او الاصلاحات السوفياتية كانت مساحة التعددية واحترام مختلف التوجهات على قاعدة المشاركة في بناء الوطن ضيقة جدا.. والثقافة الاستئصالية هي السيدة.. اليوم نجد مساحة التدافع بين مختلف التيارات السياسية.. واللون الإسلامي الحركي لم يعد لونا مغضوبا عليه بل أصبح اللون الفاعل والمؤثر في المسارات الجديدة.. ليبيا وتونس والمغرب واليمن والاردن كلها تضع الحركة الإسلامية في مواقع متكافئة مع بقية الطيف السياسي والفكراني/الأيديولوجي.. الحالة السورية ستنتهي في نفس السياق حتى ولو طالت المسيرة.. الجزائر لن تكون استثناءا.. التحرك خارج السياق غير ممكن تاريخيا وجيوسياسيا.. تحديات المرحلة تبقى هي مسألة التنمية.. والتحد الأكبر هو مشروع النهوض… وخاصة امام الحركة الإسلامية التي طرحت ابجدية الاسلام هو الحل لكختلف القضايا المعاصرة وعلى رأسها مشكلة الفقر.. والبطالة .. هل ستكون الحركة الإسلامية امام التحد الاهم في تاريخها السياسي.. وفي عمرها الثقافي؟
وماليزيا وتونس والى حد ما في المغرب.. مع اختلاف السياقات والظروف والهوامش المتوفرة.. كلما تتاح لها الفرصة كلما تنتقل الحركة الاسلامية الى هذا الأفق.. أفق قضايا التنمية…
المساحة المتوفرة في تركيا هي التي سمحت كي يكون اربكان نائبا لرئيس الوزراء منذ السبعينات.. ورغم حملات القمع المتكررة والاجهاض لكنها لم تكن بحجم دموية الجزائر أو جنون مصر.. كل مرة يتم فتح المجال فتنضج التجربة اكثر.. فمساحة السياسة في التجربة التركية والسودانية والماليزية كانت واسعة بخلاف غيرها في عالمنا العربي.. حيث احتكار السلطة او بناء الخدم والعبيد.. أو القتل والتهجير والذبح
اسئلة التنمية والازدهار والعيش الكريم.. اسئلة تحسن فرص العمل.. والخدمات الطبية والتعليم وانخفاض الامية وامتلاك سكن لائق.. هي الاسئلة التي تطغى على السطح اليوم.. ونجاح الدول مرهون بشكل او باخر بتحسن المؤشرات في هذه المجالات.. وتجربة لي كوان يو .. الزعيم السنغافوري .. الذي يسمى الاب المؤسس لسنغافورة الحديثة.. وصاحب الكتاب الشهير سنغافورة من العالم الثالث الى العالم الاول.. تجيب على مثل الاسئلة في سياق تاريخي وثقافي مرتبط بحزام جنوب شرق آسيا وتقلبات ما بعد الحرب العالمية وصراع القطبين والحرب الباردة واستقطاب شرق غرب .. شمال جنوب.. كيو ليس منظرا في اشكالات الحضارة.. ولادارسا لعلاقات الهيمنة بين الغرب والشرق او شمال وجنوب.. انه مهموم باسئلة اللحظة التاىيخية والراهن اليومي.. كيف نصبح قطبا صناعيا ونحن بلد قزم بل اقل من قزم لا يكاد يرى في اي الخريطة؟؟ اي نوع من الجيش يجب ان نملك؟؟ هل يمكن ان ننشأ مركزا ماليا عالميا؟؟ اي لغة يجب ان نستعملها في التعليم حتى نواكب التطور ونختصر المسارات؟؟ كيف نحارب الفساد في الادارة وفي ااحكومة ولدى قوات ااضبط والامن؟؟ الاعلام.. برامج السكن.. العملية السياسية.. سوق العمل.. من يقرأ لهذا الرجل.. تطرح عليه اشكالات جديدة فضلا عن متعة الاستفادة من طريقته في معالجة اشكالات الراهن اليوم الذي حول بلدا متماهي الصغر.. يملك احتياطي نقدي ضعف ما تملكه الجزائر وما شابهها من دول التيه.. ربما من الاشكالات التي طرحت امامي وانا اسبح في محيط لي كوان.. اقرا واعيد.. هل نحن امام اشكالية حضارة بمفهوم مالك بن نبي.. ام اسكالية تنمية وازدهار وتحسن مؤشرات العمل وتحسن الصادرات وتحسن الخدمات.. هل سنغافورة.. ماليزيا.. كوريا.. تجربة حضارية.. ام تجربة تنموية.. ؟؟ هل تركيا وايران والفيتنام والبرازيل والموزمبيق والكونغو وكينيا واثيوبيا حيث تحسنت مؤشرات التنمية وغيرها من الدول الصاعدة امام اعيننا يؤسسون لنماذج حضارية.. ام لنماذج تنموية مشتبكة بالرصيد الحضاري او العمق الحضاري لكل تجربة.. اخيرا.. هل نحن تفريعات ونماذج وتجارب في سياق حضارة واحدة هي الحضارة المعاصرة.. والتي من خصائصها .. تقديس العمل، وتنظيم الوقت، وتقسيم العمل، وتبني النظم التي اثبتت فعاليتها.. وماوراء ذلك خصوصيات ثقافية مثل الواننا والسنتنا واختياراتنا في الاكل والشرب واللبس…