حوافز الجريمة
الاقتصادي الامريكي توماس سوول في كتابه التمييز والتفاوت او التمييز والاختلاف (discrimination and disparities) لديه مقالة طريفة في الكتاب.. قصة حادثتي ظلام (Tale of two blackout) يروي فيهما ملاحظات حول حدث انقطاعين للكهرباء عم نيوورك كلها طيلة الليل..
الأول في نوفمبر 1965
والثاني في جويلية 1977

في الحدث الأول تم ملاحظة ان نسبة الجريمة انخفظت في تلك الليلة، على الرغم من الظروف المهيئة للسرقة والاعتداء على الممتلكات في ظل انقطاع تام للكهرباء
وفي الليلة الثانية بعد مرور بضعة سنوات وانقطعت الكهرباء ليلة كاملة ولكن هذه المرة تم ملاحظة أن نسبة الجريمة في تلك الليلة زادت بشكل كبير..
في محاولة لتفسير هذه الظاهرة.. فيما يسمى باقتصاد الجريمة.. وعندما سئل توماس سوول عن ذلك قال
اول خط للدفاع هو الأخلاق العامة.. واحترام القانون

كل عمل يؤدي الى التهوين من قيمة الأخلاق والتقليل من دور القانون فما ستحصل عليه هو انهيار للمنظومة وانتشار الاعتداء على الاملاك العامة والخاصة والسرقة
يمكنك ان تضاعف عدد الشرطة مرتين او ثلاث ولكن النتيجة لن تتحسن كثيرا
ثم تحدث عن المطاعم التي كانت منتشرة في نييورك في شكل بوفيه وتأخذ ما تشاء من أكل ثم تذهب للمحاسب وتخبره بالتكلفة ويقبلها منك دون أن يحاول التأكد. هذه المطاعم كانت متواجدة طيلة قرابة القرن ولكن هذه المطاعم بعد انهيار منظومة القيم أغلقت كلها. ثم أعطى مثالا بمدينة لندن حيث سجلت 12 سرقة سنة 1953 وبعد مرور بضعة سنوات بلغت الاعتداءات 1400 اعتداء مسلح. ثم بلغت الأرقام الآلاف..

نعم الأفكار القاتلة والتصورات الخاطئة لطبيعة الحياة ومعنى الرزق ودورنا في الوجود والفن الذي ينتشر في المجتمع والعدمية التي يروج لها بأشكال مختلفة في الأفلام والمسلسلات والأغاني تقلب أذهان الناس وسلوكاتهم وعندها تبرز فوق السطح السلوكات العدوانية.

بينما تنخفض العدوانية في مرحلة ما عندما تكون الثقافة العامة في المجتمع هي ان الاجتهاد والعمل والاستيقاظ المبكر والحركة الدائمة هي مصدر الغنى المادي والروحي.. وفي نفس الوقت عندما تنتشر قيم جديدة تجعل الفاشل في بداية الصفوف والمتملق زعيما وليس هناك فرق بين الكسول والمجتهد وبين من يعمل ومن لا يعمل..
الحوافز السياسية والاقتصادية تخلق بيئة لتبلور وبروز قيم تهيمن على سلوك الانسان..
اذا كان العمل هو العملة الشائعة فالناس تدرك قيمة الأمانة وقيمة الحفاظ على الممتلكات وتقدير الجهد الذي يبذله الأفراد لتحقيق النجاح.
واذا كان المطالبة بالحقوق هو السائد والقفز فوق الرقاب باعتبارات سياسية وجهوية دون ان يقترن ذلك باداء الواجب هنا تنتشر سلوكات عدوانية في كافة المجالات وبأشكال مختلفة لانها لا تستند الى منظومة قيم مستقرة.