كادوا يحرمون صيغ “انتاج الثروة”.. مسألة “خلاف القياس”.
أساء بعض الفقهاء المتقدمين في التعبير باستعمال هذه العبارة المستهجنة “خلاف القياس” أي أن القياس يدل على حكم ما لكن نصوص الشريعة تأتي بحكم مخالف لما تصوروا أنه القياس الصحيح..
وهذا التعبير يرقى إلى سوء الأدب مع الشارع الحكيم لأنه يوحي بتناقض الشريعة وتضاربها..
ولذلك لولا نصوص صحيحة لحكموا بحرمة المضاربة والمساقاة والمزارعة والاستصناع وكل أشكال استثمار المال وإنتاج الثروة ووقعوا فيما وقع فيه المسيحيون من الخلط بين الربا والربح. وكان سيؤدي ذلك إلى سيطرة اليهود على كل مجالات إنتاج الثروة في الحضارة الاسلامية كما فعلوا مع المسيحيين الذين لم يفرقوا بين الربا وبين الربح وساتطرق إلى تجربة اليهود في اوروبا منذ الهجرة الكبرى بعد سقوط الأندلس وطرد المسلمين واليهود من اسبانيا.
وهناك نص لطيف لابن تيمية الفقيه النبيه وهو يناقش هؤلاء الفقهاء ويعاتبهم مرتين مرة على ادعاء اجماع وهمي حتى يغلقوا باب النقاش والاجتهاد والتفكير الابداعي ومرة على خطئهم في التصور وفي التعبير يقول رحمه الله في نص ثمين وجميل ومحاججة ذكية راقية تدل على المامه بفلسفة انتاج الثروة التي تتأسس على الربح والفرق بينها وبين صور الربا:”قالوا : المضاربة والمساقاة والمزارعة على خلاف القياس: ظنوا أن هذه العقود من جنس الإجارة لأنها عمل بعوض والإجارة يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض فلما رأوا العمل في هذه العقود غير معلوم والربح فيها غير معلوم قالوا : تخالف القياس وهذا من غلطهم، فإن هذه العقود من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات الخاصة التي يشترط فيها العلم بالعوضين والمشاركات جنس غير جنس المعاوضة وإن قيل إن فيها شوب المعاوضة”. لقد كان واضحا رحمه الله.. المشكلة ليست في النصوص المشكلة في تصوركم الفاسد للمسألة فقال: “وحيث علمنا أن النص جاء بخلاف قياس: علمنا قطعا أنه قياس فاسد”.
لقد توهم كثير من الفقهاء وقلد بعضهم بعضا في هذا الوهم عندما لم يفرقوا بين الربا وبين جهد إنتاج الثروة وتقاسم الأرباح.. ولذلك تصوروا أن المضاربة والمساقاة والمزارعة والاستصناع كلها محرمة قياسا (لوهم الربا) وتم إجازتها خلافا للقياس التزاما بنصوص الشرع في تخريج فقهي غير منضبط. والسبب هو تصور خطأ للربح وللربا والخلط بينهما..
فالمضاربة ليست ربا رغم توهم صورة الربا لأن هناك مال في ذمة ينجر عليه ربح بعد اجل انتاج الثروة، والمزارعة ليست ربا ولو كان تبادل الأرض بالجهد مقابل ربح فهذا ليس من صور الربا بسبب وهم أن فترة زراعة الأرض ونضج الثمار هي أجل الربا وكذلك الاستصناع أي تبادل ورشة تصنيع بجهد مقابل ربح ليس ربا بخلاف توهم الجمهور، ولا يخفى أن الأرض الزراعية مال والورشة الصناعية مال والعروض مال كما قال الأوزاعي وغيرهم وهو ما يسمى بلغة العصر الأصول (الأموال) السائلة والثابتة وهي أعظم المال ولا يوجد اليوم من يتصور أن الأرض الزراعية أو ورشة صناعية والات الإنتاج او البضائع العينية ليست مالا..
عندما تقرأ بعض النصوص الفقهية القديمة يطفح منها قلة مراس بعض الفقهاء في مجالات إنتاج الثروة وتتعجب من عدم انتباه بعضهم لخطورة اشتراطهم في بعض الأحيان تغيير الصيغة حتى يصبح العقد صحيحا وكان مسألة إنتاج الثروة ومراكمة الغنى والمال مرتبطة بصيغ لفظية شكلية وهو نوع من التمسك بالألفاظ بعيدا عن المضامين وهذا ما جعل ابن القيم يقول بكل صراحة ووضوح:”وقواعد الفقه وأصوله تشهد أن المرعي في العقود حقائقها ومعانيها لا صورها وألفاظها”. وعلى ذكر ابن القيم رحمه الله فقد اكتسب شجاعة أدبية وعلمية من أستاذه وتحررا من أغلال أقوال السابقين فخالفهم بكل روح علمية متحررة عندما ذهب بعيدا وأجاز المضاربة بدين في الذمة. واعتبر ذلك من ألطاف الشريعة ومحاسنها خلافا لفقهاء آخرين مرعوبين من الربا وكثير منهم يتخيله في مجالات ليس منها ولا فيها فضيقوا وللأسف الشديد بعض الأغرار في الوقت المعاصر بدلا من تقييم وتحقيق ومراجعة أقوال السابقين وعدم الخضوع لها تجدهم يتناقلونها ويبثون بها البلبلة وإفساد قلوب المؤمنين رغم أنه لا أساس علمي لها.
وعموما بفضل هذه الاجتهادات المتعددة والأفكار المتلاقحة والمتنوعة لم يستطع اليهود السيطرة ولا البروز والهيمنة في التجربة الإسلامية على مجالات انتاج وخلق الثروة بخلاف موقعهم في الخمسمئة سنة الماضية في الغرب المسيحي خاصة بعد طردهم مع المسلمين من اسبانيا وهجرتهم خاصة إلى شمال أوروبا.. وهذا موضوع يستحق أن أقف عنده في وقت لاحق ان شاء الله.