البنك في الهاتف: السيولة من محنة إلى منحة
بعض ما جاء في خطاب رئيس الجمهورية بخصوص مشكلة السيولة بالأمس وتصريح وزير البريد قبله يعكس عجزا كبيرا في تفسير ظاهرة اقتصادية تتعلق بخلل في مستويات مختلفة من دورة الاقتصاد. خلل هيكلي بالدرجة الأولى. خلل في التشريعات واللوائح والتنظيمات التي تحكم منظومة المال في الجزائر المتخلفة باعتراف رئيس الجمهورية نفسه. وخلل في مستويات الثقة بين المواطن ومؤسساته المختلفة بما فيها المؤسسات المالية. بداية من الفشل في تطوير أشكال مختلفة من الدفع الالكتروني ومن أهمها استعمال الهواتف الذكية وقد فهمت أن هناك شبه فيتو ضد دخول الهاتف كاداة دفع بشكل رسمي حسب بعض التقنيين ولا ندري ما هي الخلفيات هل يتعلق الأمر بطبيعة شبكة الانترنيت سبب تدني شروط الحماية على الشبكة أو مشكلة تتعلق بطبيعة التجهيزات المتوفرة أو مجرد تكاسل وإهمال وعدم ادراك اهمية دخول هذه الوسائل في تخفيف مستويات الضغط. في الوقت الذي يتسلى الأطفال والمراهقون بأنواع مختلفة من التطبيقات الذكية لتسويات معاملات تجارية مختلفة في معظم الدول لا زلنا نعيش خارج العصر مقارنة بمحيطنا ومقارنة حتى بدول لا تملك عشر امكانياتنا. 
وأخشى ما أخشاه أن هذه التصريحات الخارجة عن المألوف قد تؤدي إلى مزيد من انخفاض مستويات الثقة ويزيد توجس الناس وخوفهم من استمرار عجز الحكومة في حل المشكلة.
وبدلا من تضييع الوقت في تصريحات غريبة كان الأولى إعداد إعلانات موجهة للمواطنين تنزع فتيل التخوف وترفع منسوب الثقة. وتشرح ميكانيزم السيولة. الغموض والتفجير وسياسة إلقاء اللوم على المتآمرين ولو كان شيخا هرما تجاوز المئة تعطي انطباع ان الدائرة التي أعدت التقارير وأوصلت هذه المعلومة الفرعية للرئيس هي أيضا عاجزة عن تفسير اشكالية السيولة، وتبحث عن تبرير او عن فقاعة اعلامية تشغل الرأي العام وتحرف النقاش عن جوهره.
نظريا النظام المالي لا يحتفظ بالنقود، لان كل ايداع بنكي هو دين لدى البنك لصالح المودع، ويجب أن يخرج جزء من المبلغ إلى مستثمر او مستهلك آخر حتى يحقق البنك الربح لتغطية مصاريفه ودفع الإيجار وتكلفة تشغيل البنك ورواتب الموظفين المال لا يأتي من الهواء. ولذلك لو ياتي كل الناس يطلبون نقودهم مرة واحدة فإنه لا يوجد بنك يملك النقود في خزانته كاملة لأن جزء منها تحول إلى قروض استثمار او قروض استهلاك أو مرابحة ومضاربة. هذه هي طبيعة النظام المالي.
وما يحدث عندنا في ظل الظروف الراهنة أن حركة المال لا تدور بشكل منضبط بين منتجي الثروة الدافعين للضرائب وبين القطاع العام المتضخم الذي يعيش على الضرائب التي تأخر تحصيلها او تعثرت لسبب أو آخر. الأزمة تتعلق في جوهرها بأزمة القطاع العمومي المتضخم الذي وزنه أكثر من قدرة المجتمع على تحمله في الأوقات العادية فما بالك في وقت الأزمات.
وقد ألمح وزير البريد لغضبه بسبب وجود عمليات سحب مشبوهة لمبالغ ضخمة جدا بلغت في مكتب بريدي واحد 4 ملايير دينار. بل ان الوزير قدم معلومات تدل بشكل واضح على خلل كبير لدى مصالحه وفي ممارسات أعوانه الذين سهلوا عمليات سحب كبيرة لأشخاص بعينهم على حساب الكتلة الأكبر للمتقاعدين وأصحاب الرواتب. وعلى سبيل المثال ورد في جريدة الجزائر قول الوزير”نفس الأشخاص قاموا بعدة عمليات سحب نقدية في نفس اليوم، تتراوح قيمتها ما بين 15 مليون دينار و40 مليون دينار نقدا (وهذا يعكس الخلل الكبير في ممارسات مكاتب البريد فالخلل موجود عنده بالدرجة الأولى، لأنه ببساطة كان يمكن توجيه هؤلاء الأشخاص لاستعمال الشيكات أو طرق أخرى للدفع بدلا من سحب هذه المبالغ الخيالية وتجفيف خزينة البنك من الكاش). وأضاف الوزير حسب الصحيفة:”بما لا يتناسب مع طبيعة حساباتهم البريدية الجارية، بالإضافة إلى تسجيل إجراء عمليات سحب متكررة بمبالغ تفوق 5 ملايين دينار في ظرف خمسة أيام، كما كشف عن سحب مبالغ تتعدى 20 مليون دج خلال نفس الأسبوع على مستوى نفس المكتب البريدي ما يعادل سحب لفائدة 600 موظف ومتقاعد من طرف شخص طبيعي ونفس الشخص الطبيعي قام بأزيد من 2800 عملية دفع سريع لمبلغ اجمالي يفوق 20 مليون دج خلال شهر جوان وجويلية”.
تصريحات الوزير الواضحة كما تناقلتها وسائل الإعلام تؤكد ما نكرره باستمرار الخلل الأساسي هو في ممارسات البيروقراطي وفي أجهزته وفي أعوانه.. الذين يسهلون سحب الاموال بشكل مشبوه في وقت حساس، وتقديم أموال خارج اوقات العمل او من الأبواب الخلفية.
في تقديري أن هذه التصريحات كافية لمراجعة المنظومة بشكل كامل، لان الخلل ليس اخلاقي او يتعلق بممارسات مشبوهة لموظف عديم الضمير كما يوحي تصريح الوزير، الخلل يكمن في المنظومة المالية كاملة بداية من احتكار معاشات الموظفين وخاصة موظفي القطاع العمومي وحشر 9 ملايين مواطن يأخذون رواتبهم من مصالح البريد بشكل احتكاري غير مبرر في عصر البنوك الالكترونية والخدمات البنكية الهاتفية.
نفس التشريعات ونفس القوانين ونفس الأطر التنظيمية هي المسؤولة عن هذه الاختلالات التي ذكر منها الوزير الكثير. وهذه الاختلالات التشريعية والتنظيمية والادارية هي البركة الآسنة التي يتوالد فيها بعوض الفساد. الخلل القانوني والتنظيمي والإداري هو الذي يشجع الممارسات المشبوهة. ومراجعة ترسانة القوانين والتشريعات والتنظيمات وحده القادر
على تجفيف برك الفساد.
وما ذكرته حول اشكالية السيولة التي تزعج السلطات العمومية ينطبق على ما ذكره الرئيس من اشكالية عرقلة القرارات وضعف تطبيق الاجراءات والتعليمات المتعلقة بالمساعدات المالية او منحة قطاع الصحة. لو كانت المنظومة خفيفة ولا تملك كثير من الطرق والمتاهات الادارية والتشريعية لكانت العملية سلسلة ومباشرة.
على المستوى الإجرائي القريب، وحتى لا تدخل البنوك والمؤسسات المالية مرحلة السحب المكثف للودائع (Bank run) وهذا سينسف كل الجهود وقد يؤدي إلى انكماش شديد في الاقتصاد فيمكن وضع إجراءات مستعجلة، منها:
* تسقيف السحب لأرقام معقولة، وأيام متباعدة،
* تشجيع أن تكون كل تسوية مالية بمبالغ كبيرة تتم بوسائل الدفع الأخرى، مثل التحويل الالكتروني أو استعمال الشيكات. وتقريبا في كل الدول المعاصرة أي عملية سحب لمبالغ مالية عينية كبيرة تستدعي اجراءات استثنائية بل تدخلات للجهات الأمنية للاشتباه في وجود نشاط خارج النظام المالي الر

سمي وهذا هو المطلوب.
* إعداد إعلانات اشهارية لتهدئة الناس وشرح آليات السيولة والتركيز على الجانب النفسي وتحسين التواصل مع الناس لتجاوز هذه المحنة وحتى لا تتحول إلى تجميد ترليونات الدينارات خارج النظام المالي. والنقد هو مسهل التبادلات مثل زيت السيارة إذا لم يكن هناك زيت لا يشتغل المحرك وتعجز بكرات المحرك عن نقل الحركة فيما بينها.
* اغتنام الفرصة واعداد اعلانات لتشجيع الدفع الإلكتروني في البقالات وحتى لدى الباعة المتجولين والاستفادة من توفر ملايين الهواتف الذكية لدى المواطنين عبر تشجيع الدفع الهاتفي في لحظات كما هو معمول به في العالم بأسره. هذه فرصة ذهبية. ويمكن للإعلاميين وضع اعلانات استفزازية عندما نقارن بين الدفع الالكتروني في الجزائر وفي غيرها.
* حث البنوك على القيام بدورها وتسهيل فتح الحسابات البنكية بمجرد استظهار البطاقة الوطنية الالكترونية وإلغاء كل ترسانة الوثائق البيروقراطية التي لم تعد تعني شيئا في وجود بطاقة وطنية الكترونية.
ويبقى القرار السياسي مهم فقد أعطى البنك المركزي الماليزي 42 رخصة للدفع الإلكتروني، حتى تستطيع ان تدفع اي معاملة في أي مكان بواسطة 42 مؤسسة بمجرد تحميل التطبيق على التلفون. الأمر ليس مستحيلا في الجزائر والأجيال الجديد من الشباب يندمجون بسرعة في هذا العالم الذي يغريهم ويشعرهم بالتقدم والتطور.
المشكلة عندكم في دواليب السلطة.
باختصار كيف نحول المحنة إلى منحة وفرصة ذهبية لتغيير ممارسات خاطئة في ظرف ذهبي حيث الأغلبية الساحقة متطلعة لدخول عصر البنك في الهاتف. الكرة في مرمى البيروقراطية.