وهم الربا عند الخرشي المالكي
عندما نقرأ في كتب التراث يجب أن نميز بين الآراء والتصورات وبين الاحكام الثابتة خاصة في باب المعاملات.. وبعض خفاف العقل المعاصرين ينتقون من سلة التراث كل قول غير منطقي صادر عن فقيه ضعيف الالمام بالصور العملية للمعاملات.. وكثير منهم ينقل الآراء نقلا دون تمحيص بل حتى يكرر الامثلة لانه غير فاهم ولا متصور للاشكالية..
وهنا استحضر الموقف الغريب لفقهاء المالكية في مسألة مال القراض لا يكون دينا.. وتبنوا خلاف المنطق وخلاف الرأي السديد.. فضيق فقهاء المالكية واسعا بحجج واهية واستدلالات خلاف منطق الأشياء لا علاقة لها بالدليل بقدر ما لها علاقة بوهم الربا وتخيله في كثير من المعاملات دون وجه حق.
يقول الخرشي في شرحه على متن خليل: “من له دين في ذمة شخص لا يجوز له أن يقول له اعمل بالدين قراضا والربح بيننا.. (لماذا يا شيخ خرشي؟).. للتهمة لأن يكون أخره على أن يزيده فيه”.
لكن ابن القيم الجوزية رحمه الله نظر للمسألة بشكل مختلف تماما.. واعتبر ان هذا السلوك سلوك راقي ويدل على محاسن الشريعة
“في المضاربة بالدين قولان في مذهب الإمام أحمد: أحدهما الجواز، وهو الراجح في الدليل، وليس في الأدلة الشرعية ما يمنع جواز ذلك، ولا يقتضي تجويزه مخالفة قاعدة من قواعد الشرع ولا وقوعًا في محظور من ربا ولا قمار ولا بيع غرر ولا مفسدة في ذلك بوجه ما فلا يليق بمحاسن الشريعة المنع منه، وتجويزه من محاسنها ومقتضاها”
نحن أمام نفس الإشكالية وهي هل يكون مال القراض او المضاربة دينا؟..
طبعا القدماء ناقشوا وتجادلوا بشكل رائع وتركوا لنا تراثا جميلا متنوعا فيه آراء كثيرة.. لكن بعض المعاصرين يريدون أن يضيقوا الواسع ويريدون أن تكون خياراتهم الفقهية فوق كل الخيارات والتأويلات الممكنة الأخرى.. بل أكثر من ذلك يريد منع الاجتهاد واقتراح تصورات جديدة وفقا لقواعد الشريعة لم يكن لا الخرشي ولا خليل يستطيع تصورها او ادراكها..
القدماء ناقشوا وتجادلوا بشكل رائع وتركوا لنا تراثا جميلا متنوعا فيه آراء كثيرة.. لكن بعض المعاصرين يريدون أن يضيقوا الواسع ويريدون أن تكون خياراتهم الفقهية فوق كل الخيارات والتأويلات الممكنة الأخرى.. بل أكثر من ذلك يريد منع الاجتهاد واقتراح تصورات جديدة وفقا لقواعد الشريعة لم يكن لا الخرشي ولا خليل يستطيع تصورها او ادراكها..
وهذا ما يجعلنا ننبه الاخوة في الصيرفة الإسلامية أن لا يتورطوا في تضييق المجال وحصر التجربة في مجموعة اجتهادات انتقائية تحددها لجنة الحكومة او هيئات البنوك الشرعية التي ستقرر لنا ما هو شرعي وما هو غير شرعي. بتعبير آخر خطورة تسيير ملف الصيرفة الإسلامية بذهنية الاشتراكية ووضع لجنة بيروقراطية لا تملك كل معلومات ومعطيات السوق.
وهذا ما احذر منه…
ولا تخشوا المشاغبين من أغرار السلفيين.. فهؤلاء ضد المنطق وضد طبيعة الأشياء وفمهم للمجال ضعيف جدا..
وعودة إلى المثال الذي معنا، المال يمكن أن يكون دينا يحول إلى عقد مضاربة نموذج حي جعلت كثير من المتحدثين يقولون إن البنوك الإسلامية لا تعطي قروضا.. خوفا من حرج الربا.. وهذا ما دفع كثير من المتربصين بالتجربة والكارهين لها يضحكون على تشابه الصورة وتنافر التعبيرات.. واعتبروا ذلك تحيلا.
رحم الله ابن القيم الذي كان واضحا وصريحا وأكد أنه ليس ربا ولا قمار ولا غيرها من الأوهام. بل هو من محاسن الشريعة عندما تخفف على صاحبك وتقول له “روح اخدم على روحك واذا حصلت كاش براكة.. (حصلت كاش ربح.. حصلت كاش فايدة.. كاش آفير) ما تنسانيش باش نفرح لولاد، خففت عليه الدين وشجعته على الاستثمار بدلا من مد يده مرة ثانية واستفدت معه.
والأمثلة في هذا الباب كثيرة