الاقتصاد

أوراق بانما.. بين الحقائق والمغالطات

بعد ويكيليكس ظهرت اليوم حكاية مونساك فونسيكا وهي شركة أعمال يبدو لها سمعة كبيرة في مجال خدمة كبار السياسيين.. بعد أرشيف وزارات الخارجية والمؤسسات الحكومية التي أصبحت لا حدث بدأت الآن حكاية الأرشيف المالي لعشرات الشركات.. وهذا مستوى آخر من الارباك.. ويكفي ان نكتب اسم الشركة التي تسربت منها 11 مليون وثيقة Monsack fonaska في بحث جوجل في قسم الأخبار حتى تجد كل الدول من نيوزيلاندة الى الجزائر ومن الهند الى روسيا.. والبلاد العربية والمكسيك وغيرها. تتحدث عن هذا الموضوع وفي كثير من الاحيان بنوع من الابتزاز وتصفية الحسابات في ظل فوضى المعلومات..
لا أريد أن أتحدث في شيء لا أملك معطياته ولكن أريد أن أتحدث عن ما يسمى بالجنة الضريبية وعادة يتم وصفها بأنها مناطق للتهرب الضريبي.. مثل باناما وجزر الدومينيكات وغيرها.. وعادة الجمهور الواسع لا يملك معطيات دقيقة عما يتحدث هؤلاء الخبراء، وكيف تدار هذه الصراعات بأدوات ظاهرها قانوني وباطنها حرب عصب ومافيات.
معظم الدول بما فيها الدول المتطورة ومن ضمنها بريطانيا تسعى الى جلب الرساميل وتدويرها عبر بنوكها لانها بشكل او بآخر تستفيد من هذه الاموال عبر عمولات التحويل كحد أدنى.
والاهم من ذلك تستخدم الاموال المودعة لانشاء اموال أخرى عبر آلية الكسر الاحتياطي، فكل وديعة بنكية نقدية ينشأ بموجبها مبالغ اخرى يضمنها البنك المركزي، وعادة تصرف كقروض، فاذا حدد البنك المركزي الكسر الاحتياطي بنسبة 10% مثلا فإن ايداع 100 دولار نقدا في الحساب أي حساب يؤدي تلقائيا الى انشاء 900 دولار لصالح البنك.. وهذه 900 دولار عادة تصرف من البنك كقروض لمستهلك يطلب خدمات قرضية من البنك.. وضمان هذا المبلغ الجديد هو الكسر الاحتياطي المودع فعلا أي 100 دولار.
وبنفس الآلية تخيل اذا تم ايداع مليون دولار فتنشأ منه 9 ملايين دولار اموال جديدة قابلة للاقراض وهكذا دواليك..
وهنا تنافست الدول وخاصة بريطانيا على اختراع آليات لجلب اكبر قدر من الاموال والرساميل وضخها في بنوكها.. ومن بين الشطحات أو الابداعات هو تخفيض الضرائب والرسوم على النشاطات التجارية حتى يتشجع المستثمر على الاستثمار ونقل أمواله لهذه المناطق، وطبعا ساعدت التكنولوجيا والعولمة والكمبيوتر على تداول ملايين الدولارات بضغطة على مفتاح كمبيوتر.. وكان هناك سباق محموم بين الدول المتطورة لانشاء المناطق الحرة أو ما يسمى الجنة الضريبية.
في الإعلام تسمى مناطق التهرب الضريبي وهذا ليس صحيحا فمعظمها يخضع لمراقبة قوية جدا لمختلف الأجهزة، ولكن الذي يحدث فيها هو تخفيض الضرائب والرسوم وعادة تكون المناطق عبارة عن بنوك وفروع لبنوك ومكاتب ادارية تدار فيها الملفات بحد أدنى من الموظفين.. فمثلا الضريبة على الدخل تحتسب في بعض الدول 50% من الراتب ويكون في المنطقة الحرة في نفس الدولة بنسبة 10% مثلا وكثير منها يقوم باعفاء المستثمرين من ضرائب الدخل لفترة سماح قد تصل 10 سنوات.
كثير من الشركات أصبحت في حاجة لمثل هذه المناطق لانها تساهم في تخفيض تكاليف واعباء الضرائب بل أكاد اجزم ما من شركة صناعية أو تجارية او زراعية إلا ولها شركات شقيقة مسجلة في هذه المناطق الحرة نظرا للاغراءات الضريبية التي توفرها والتي تنعكس في الدفاتر المالية أرباحا صافية..
وبنفس الطريقة نجد كثير من الدول ومن اجل جلب المستثمرين وبدلا من وجع الدماغ والدوران قامت بانشاء مناطق حرة والغرض الأساسي هو تنمية هذه المناطق وتطويرها بسرعة وذلك عبر اعطاء المستثمر الأجنبي فترة سماح ضريبي اذا كانت قيمة الاستثمار بلغت حدا معينا. لان ما تستفيده هذه الدول من نقل الأموال لها أضعاف مضاعفة من ضياع فرصة أن لا تأتي هذه الأموال أساسا.
حسب موسوعة وكيبيديا هناك ما يقارب 32 ترليون مودعة في المناطق الحرة وهو أكثر من الناتج المحلي الامريكي والصيني مجتمعا الذي بلغ في حدود 26 ترليون ولو يتم فرض ضريبة 5% فقط فالحديث عن1.6 ترليون يتم الاستيلاء عليها..
يبق ظهور دفاتر وملفات شركة خدمات في مقام مونساكا فونسيكا البنمية عملا منظما بالغ الدقة ووراءه جهات وربما امامه مشاريع ستنكشف رويدا رويدا.