وقف النقود في العهد العثماني وبداية البنوك
منذ بدايات عهد الاسلام كان هناك تصور لفكرة ادخار النقود واستثمارها وتسبيل منفعتها.. فقد نقل الامام البخاري سؤالاً وجّه للزهري حول وقف ألف دينار في سبيل الله يتّجر بها يكون ربحها صدقةً للمساكين والأقربين فالفكرة مطروحة منذ زمن البخاري الذي روى ان الزهري وافق عليها.
وهناك نص مماثل روي في المدونة الكبرى عن الامام مالك الذي أوجوب الزكاة على رجل حبس مائة دينار موقوفة يسلفها الناس ويردّونها على ذلك الذي جعلها حبساً.
فالمسألة قابلة للتصور
ولكن التطبيقات تبدو تعثرت ولم تتطور مؤسسات تتاسس على هذه الفكرة الا في زمن العثمانيين
وبعض التجارب انتهت بالفشل وهناك رواية طريفة رواها الدسوقي في حاشيته كيف ضاع مال موقوف بسبب العجز عن استثماره وحفظه فقال:”كان في قیساریة فاس ألف أوقیة من الذهب موقوفة للسلف. فكانوا یردونها نحاسا فاضمحلت.”
ويبدو ان المشرفين على هذا الوقف لم تكن لديهم المهارة ولا المعرفة التقنية التي تسمح لهم بالحفاظ على رأس المال وتطويره وحمايته من الاضمحلال والتلف..
لكن الامر تغير وحدثت نقلة نوعية مع بدايات الدولة العثمانية. حيث تطور وقف النقود وتحول الى شبه عمل مؤسسي.
نقل الامام البخاري سؤالاً وجّه للزهري حول وقف ألف دينار في سبيل الله يتّجر بها يكون ربحها صدقةً للمساكين والأقربين فالفكرة مطروحة منذ زمن البخاري الذي روى ان الزهري وافق عليها.
وقد تولى ابن سعود تقديم تصور فقهي يرد فيه على المانعين فالف رسالة سماها “في جواز وقف النقود”.
وقد استوقفني بحث مهم للكاتب الأمريكي المسلم جون موندافيل الذي اهتم بتركيا العثمانية وخاصة بنشاطها المالي وتطور مؤسسات وقف النقود التي هي نواة كاملة لفكرة البنوك وقد ظهرت وتطورت في نفس الفترة المتقاربة مع ظهور بنوك جنوة وفلورنس في ايطاليا.
في هذا البحث الجميل والرائع (بحث قديم من سنة 1979)
يقدم الباحث مسحا كاملا لحوالي 25 سنة من السجلات في المحاكم الشرعية العثمانية بين 1600 و1625 وقام باستعراض 1400 تسجيل قانوني بثت فيه المحاكم متعلق بالنقود. ةانا اتابع المقالة الشيقة خلصت إلى النتائج التالية:
وقف المال تحدث عنه البخاري في القرن الثاني الهجري ولكن لم تظهر مؤسساته الا في القرن الثامن مع الدولة العثمانية وهذا يحتاج إلى وقفة تامل.
* في الدراسة يمكن ملاحظة بسرعة سيطرة المسلمين على مؤسسات المال كمانحين بنسبة 80% وهذا ربما يفسر قوة العثمانيين وتحكمهم في النقود كمحرك للاقتصاد..
* حسب الباحث دورا للمرأة كمانحة وكمستلفة للاموال النقدية بارز من خلال السجلات
*لاحظ الباحث استقامة في المعاملة بين المسلمين وغير المسلمين الذين كانوا يتحاكمون للمحاكم الشرعية العثمانية
*لفت انتباهي وجود مصطلح متداول في نصوص المحاكم الشرعية العثمانية (الاسترباح) وهذا يحتاج إلى مزيد من البحث ما هو هذا المصطلح وماذا يقصد منه.
* طبعا تجربة وقف النقود يقال انها تعرضت لازمة كبيرة بسبب دخول ذهب امريكا الجنوبية الذي سيطرت عليه اسبانيا في القرن السادس والسابع عشر الامر الذي دفع الاسعار للارتفاع..
تجربة تستحق التأمل والمتابعة خاصة ان الاتراك حافظوا على مئات السجلات التي دونت وقائع مهمة تعكس تجربة عملية.
يمكن الاطلاع على رابط المقال لجون موندافيل
Usurious Piety: The Cash Waqf Controversy in the Ottoman Empire
وهذه مناقشة لبعض ما جاء في محتواه تستحق القراءة ايضا