الاقتصاد الدستوري constitutional economy مفتاح التنمية
انتبه ابن خلدون مبكرا أن العمران والسياسة مرتبطان، وبلغتنا المعاصرة الاقتصاد والسياسة، أو التنمية والسياسة. ولعل القاعدة الخلدونية الظلم (السياسي) مؤذن بخراب العمران (التنمية) هي التي أطرت الفكر البشري منذ القديم.
وهذا ما جعل كبار الاقتصاديين يهتمون بمجال السياسات العمومية اهتماما شديدا. لأنه لا يختل ميزان التنمية في أي بلد إلا بسبب سياسي يخرب شبكة العلاقات التبادلية الحرة بين المواطنين.
والتاريخ مليء بالدروس والعبر بداية من فضيحة الأيوبيين والمماليك الذين كانوا يتلاعبون بسك العملة الأمر الذي أدى إلى التضخم ثم إلى المجاعة، وصولا إلى ماوتسي تونغ الذي وعد شعبه بأن الاقتصاد الصيني سيتفوق على بريطانيا بعد 15 عشر سنوات وإذا بهم بعد 6 سنوات يدخلون في مجاعة ذهب ضحيتها أربعين مليون صيني في أواسط الستينيات، وصولا إلى شافيز ومادورو الذين حولا أغنى بلد في أمريكا اللاتينية إلى أفقر بلد يهاجر المواطنون فيه إلى البيرو والشيلي لكسب لقمة العيش في مأساة إنسانية تتكرر في القرن الواحد والعشرين.
لقد أدرك كبار المفكرين المعاصرين هذا التلازم بين الاقتصاد والسياسة فكتب هايك كتابه الشهير الطريق إلى العبودية ثم كتب دستور الحرية وكتب ميلتون الحكومة هي المشكلة وتطورت مدرسة الخيارات العمومية على يد جيمس بوكنان الحائز على جائزة نوبل والتي تناولت الحوافز السلبية التي يمتلكها البيروقراطيين في تسيير الشأن العام. وراجعت العلاقة الجدلية بين السياسي والبيروقراطي والمواطن وتأثير ذلك على الاقتصاد.
وكان بوكنان وراء تطوير مصطلح الاقتصاد الدستوري وهو مصطلح لا يتداول كثيرا لدينا رغم أهميته. ذلك أنه أدرك أن أم المشكلات تبدأ من الدستور. وإذا كان السوق فيه تبادل للمنافع والسلع وفقا للإرادة الحرة للناشطين في السوق دون إكراه أو تعسف فإن السياسة فيها تبادل للحقوق والسلطات بين الناشطين في المجال السياسي وهم ثلاث عناصر مواطن صاحب الحق، بيروقراطي مفوض من المواطن لتقديم خدمة عامة ويدفع له من الضرائب لتغطية مصاريفه وسياسي ينتخبه المواطن للإشراف على هؤلاء البيروقراطيين. والسلع هنا هي الحريات العامة والسلطة بغرض السير الحسن للحياة العامة.
الاقتصاد الدستوري اهتم كثيرا بتحليل القانون الأول في الدولة وهو الدستور من وجهة نظر اقتصادية. هل الدستور قادر على تسهيل عملية تبادل المنافع والسلع أي على إنتاج تنمية؟
ما هي الدساتير القادرة على جعل المجتمعات تعمل بشكل إيجابي، لأن الأصل في وجود الدولة والمقصد الأساسي هو تمكين الأفراد (المواطنين) من العيش الكريم ولن يتحقق ذلك إذا كانت هناك مجموعة قوانين تسمح بإنتاج الثروة وتوزيعها.
هنا بدأ الاقتصاديون يهتمون بشكل استثنائي بدور الدساتير في الإقلاع الاقتصادي وتحقيق التنمية. ومن الواضح أن العلاقة بين الاثنين أصبحت سببية مباشرة.
وباستقراء الدساتير الحديثة التي في ظلها نشأت دينامكية اقتصادية فإننا نجدها تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية: قسم الحقوق والحريات العامة، قسم تنظيم السلطات، وقسم تعديل الدستور نفسه. خارج ذلك يبقى زيادة وحشو في الكلام. وهذا يتأسس على معطى مزدوج هل نحن كمجتمع نهدف إلى تحقيق الفعالية القصوى لكل الأفراد أم أن هدفنا هو تحقيق الحياة الكريمة للمستضعفين، أو الأقل حظا في الحياة.
قد يبدو هذا المعطى المزدوج بعيد عن التأثر الاقتصادي لكن إذا ربطته بمفهوم إنشاء الثروة أو نقل الثروة بين فئات المجتمع سيظهر الفرق بينهما. فعندما يكون تركيزنا على توفير جميع الشروط التي تسمح لكل المواطنين بتحقيق أكبر قدر من الفعالية بحسب ما يملكونه من مواهب لإنتاج الثروة ومن ثم تحقيق العيش الكريم، وبالمقابل إذا كان تركيزنا على دعم الأقل حظا فإن المنظومة القانونية ستركز على نقل الثروة من منتجيها إلى من حظه في إنتاجها قليل وهنا سيطرح دور من يقوم بنقل هذه الثروة من الأكثر إنتاجا إلى الأقل إنتاجا.
مجتمعنا إذن في حاجة إلى دستور جديد يتأسس على تنظيم الدولة وفق مبدأ الفاعلية الاقتصادية وانتخاب القيادة السياسية التي تشرف على البيروقراطية بناء على الكفاءة في تحقيق سهولة التبادل للمنافع والخدمات أي سهولة إنشاء الثروة.
لقد عانى مجتمعنا من ويلات اليسار والاشتراكية العلمية والثورة الزراعية وتدمير الملكية الخاصة واحتكار الدولة للعملة الصعبة ولحق التجارة الخارجية عبر فترة طويلة انتهت بانهيار العقد الاجتماعي. ثم جاءت مرحلة الترميم والإصلاح ولكن أدت إلى معاناة جديدة مع الرأسمالية الطفيلية التي رعاها البيروقراطيون، لأنه يجب ألا لا ننسى أن السعيد بوتفليقة عضو ناشط في الحزب الشيوعي وهو الحاضن والمدعم للبرجوازية الطفيلية بأموال دافعي الضرائب والتي صعدت على ظهر شقيقه المقعد في المرادية. وكل ذلك جاء وفق نمط دستوري جعل الدولة تتآكل وتنهار وخرج الجموع في حراك شعبي وطني هادر أعلن عن نهاية الدولة ومؤسساتها ورموزها ودستورها.
مجتمعنا إذن في حاجة إلى دستور جديد يتأسس على تنظيم الدولة وفق مبدأ الفاعلية الاقتصادية وانتخاب القيادة السياسية التي تشرف على البيروقراطية بناء على الكفاءة في تحقيق سهولة التبادل للمنافع والخدمات أي سهولة إنشاء الثروة.
هناك علاقة وطيدة بين نمط اقتراع وتعيين الجهاز التنفيذي وبين القدرة على الإنفاق العمومي، وتوسيع القاعدة البيروقراطية لتكوين داعمي السلطة عبر التوظيف الريعي. بينما يتعذر صناعة قاعدة اجتماعية لنخبة السلطة بالأموال العمومية في حالة وجود توازن بين السلطات وحيث يصبح الجهاز التنفيذي محكوم بالجهاز التشريعي الذي يراقب الإنفاق العمومي في كل تفاصيله.
فاعلية الجهاز التنفيذي مرتبطة بالتكلفة السياسية، أي القدرة على إرضاء الناخبين للعودة لمقاليد السلطة، وفي حالة غياب أي تكلفة سياسية فإن السياسات العمومية يمكن أن تكون في كل الاتجاهات الضارة بإنشاء الثروة لان حس المحاسبة المباشرة عبر المؤسسات المتوازنة وحس المحاسبة غير المباشرة عبر الانتخابات الحرة والنزيهة غير موجود.
الدستور ليس فقط حشو للكلام
بل هو إطار لتنظيم العلاقات التبادلية وهو أول وثيقة التي تدل على أن هذا المجتمع قادر على إنتاج الثروة أو أن كل الأبواب مسدودة حوله.
وهناك باب واحد مفتوح هو باب الفقر.