سياسة

الأرضية الهشة

الوضع الذي يمر به منصب رئيس الجمهورية في الجزائر.. وضع مأساوي وكارثي.. والحسابات الضيقة لعائلة بوتفليقة في جعل المنصب رهينة للعائلة سينعكس سلبا على الجزائر برمتها.. لان هذه الوضعية انعكست هشاشة على كل المستويات الأخرى..
فالوضع الاقتصادي وضع هش.. والشرعية السياسية بداية من برلمان الحفافات كما يوصف الى باقي المؤسسات المنتخبة شرعية هشة.. هذا اذا صح ان نطلق عليها مسمى الشرعية.. واضطراب الهويات يضاعف من هذه الهشاشة.. فما نشاهده من تأجيج لصراع هوية بين العربية والأمازيغية لصالح لغة ثالثة يضعف البنيان الاجتماعي ويعمق الشرخ تدريجيا بين مكونات المجتمع..
سنوات طويلة والصراع بين النخب هو صراع بين الفرنكوفيل والمعربين.. وهاهو اليوم يتحول الى صراع من نوع اخر .. تخرج الفرنسية من الصورة .. لتخلفها الامازيغية.. في سابقة خطيرة..
وصفحات الفيسبوك تعج بالمنظرين ودعاة الانقسام واحتقار بعضهم البعض.. في كلا الجبهتين.. عندما يتداول نشطاء الفيسبوك صور في مناطق من الجزائر يتم الغاء الحرف العربي من لوحات الطريق.. ورغم انه فعل أقلية ناشطة.. لكنه بداية لتوتر غير مسبوق.. واتجاه غير مسبوق لصدام قادم.. لا يراه الا الأبله والمغفل ومن يدس رأسه في التراب..
عندما تنظر لصفحات الفيسبوك وعملية التعاطي مع النشاط الزراعي لمنطقة واد سوف.. تجد ان اللغة لم تعد ذات بعد وطني ومصدر فخر واعتزاز للجميع.. بل ورقة في صراع عربي امازيغي..
وعملية الشحن الشبابي بلغت مستويات غير مسبوقة من التأجيج.. والنخب طبعا تدس رأسها في التراب ولا ترى ما يتداول على أنه وقود لنار حارقة قادمة… خاصة ان الشباب الذي تضمر عنده كل المكونات الفهم السليم او يفتقر للادوات الكافية لرؤية خطورة اللغة العنصرية التي تتحول مع مرور الوقت الى مواقف حدية…
لنتذكر ان فتيل الانقسام بدأ عندما سمح “عقل” الجزائر بتسمية فريق لكرة القدم.. كان يسمى فريق الكترونيك تيزي وزو الى فريق شبيبة القبائل.. وهنا بدأت التسميات الغريبة تتناسل.. فريق ولاد نائل فريق الشاوية فريق.. لا ادري ماذا.. بدات في ملاعب الكرة .. ثم انتقلت الى الافكار والانفس..
يصاب المرء بالهول ويشعر بأنه مفجوع في وطنه… لانه لربما يأتي الوقت الذي لن يسمح لمواطن من تيزي وزو ان تطا قدمه بلدية الرباح في واد سوف.. او مواطن من عين الصفراء لا يسمح له بدخول مدينة بجاية…
والنخب سادرة في غيها وفي نظرتها الحالمة والرومانسية … ولا تستشعر الخطر الماحق الذي يضرب الوحدة الوطنية في الصميم.. عندما يسمي شاب في ورقلة مدينة حاسي مسعود باسم حاسي وزو.. وهي كناية عنصرية واضحة.. اويقف شباب في مفترق الطرق في مدينة صحراوية حتى يمنعوا شباب قادمين من مدن أخرى حتى لا يلتحقوا بمواقع عملهم… تتاكد ان المسالة تجاوزت حدود المعقول…
وتجد ناشط فيسبوكي يقلب صفحات التاريخ ليجد كل مثلبة وعيب وواقعة قدحية ليتهم مناطق بالخيانة ويحول ذلك الى قاعدة شاملة عامة وقانون يحكم تلك المنطقة ويرد عليه الناشطون بصور وفيديوات لمناطق أخرى … في موجة خطيرة جدا جدا.. من التأجيج العنصري البغيض.. ووعي الشباب يتشكل بالاثارة ويعزز ذلك هشاشة النخبة في عدة مستويات…
أين هم نخب المجتمع الذين يعقدون ملتقيات فكرية وسياسية وتعالج هذه النوافر غير العادية … بكل صراحة .. قبل ان تترس الأيدي بالأسلحة…
نحن لسنا شعبا معصوما ولا خارق للعادة.. ومن يتصور ذلك فهو أبله..
وجيلي عاش مأساة تشيب لها الرؤوس منذ سنوات قليلة.. لا تزال جراحها لم تندمل..
جيلي عاش تجربة مواطن جزائري أستاذ في الجامعة ينتخب في انتخابات نزيهة.. يقوم مواطن جزائري آخر باعتقاله ورميه في معتقل صحراوي لا تتوفر فيه اية مقومات الحياة مثل دابة اسطبل.. هكذا ظلما وعدوانا…
جيلي عاش تجربة جزائري يتآمر على جزائري.. ويختطف حزب جبهة التحرير من قيادته الشرعية لتعطى لقيادة كاريكاتورية…
جيلي عاش تجربة قائد ثوري كبير في السن له صورة مشرقة يستقدم الى الجزائر لجمع شملها وعندما يختلف معه جزائريون آخرون يقومون باغتياله امام كاميرات التلفزيون الجزائري… جيلي عاش تجربة جزائري يهرب من جزائري وجزائري يتسلح ضد جزائري… هذه لم تحدث قبل 400 سنة هذه حدثت قبل سنوات معدودة…
ومن يتصور ان الجزائر محروسة بلا حراسة ومحمية بلا رؤية ولا استراتيجية ولا عمل منهجي لاطفاء فتائل الحرائق.. فهو واهم.. وما علينا الا ان نتذكر ما فعلناه بانفسنا سنوات قليلة ماضية… وليس قبل قرون..
الجزائر تفتقد لعقل استراتيجي في اللحظة الراهنة.. وحمى الدولة مستباحة فصانع القرار غارق في تدبير مصالحه الذاتية ويكون ذلك حتما له ثلاث نتائج.. خطيرة..
أولا لا يدرك ولا يحاول ولا يهتم بما يحيط به من تحديات في محيطه الداخلي والخارجي.. لا يعمل ادنى جهد من أجل وضع الخطط لمواجهة هذه التحديات.. وثالثا لا يشعر ان الشعب هو ظهير الدولة وحارسها.. وهو لا يلق لذلك أي اهتمام.. ولا تعني له الشرعية السياسية سوى خرافة..
شخصيا استشعر ان الوضع خطير جدا.. والبدائل لن تكون الا من كتلة أهل الثقافة والفكر واهل الرشد.. والا ما حدث في الجزائر في التسعينات .. التسميات لا تهم.. الشعرات لا تهم.. الممارسات.. وما حدث في العراق وفي ليبيا وفي سوريا قابل للتكرر في الجزائر.. اذا لم نحسن تحصين بنائنا الداخلي والانتباه لخطورة ودور ثعابين السياسة الدولية