خمسة طرق اخترعها بيدن لمزيد من الفشل الأمريكي
هناك مثل شعبي جزائري طريف
إذا ركب المجنون حمارا قل له مبروك الحصان
إذا بدأنا بالابجديات فإن مداخيل الأساسية للدولة المعاصرة هي الضرائب، وهي أموال تقتطعها الدولة من الثروات التي ينشئها المجتمع من أجل تغطية المصاريف المشتركة. ولذلك الضرائب في أي دولة محترمة تقوم على أساس منطقي يهدف الى أمرين اثنين:
- رفع مداخيل الدولة من أجل تغطية مصاريف عامة
- تشجيع المجتمع من أجل خلق مزيد من الثروة
والعلاقة مترابطة بين الاثنين كلما زادت ثروة المجتمع وزادت قدرته على خلق الثروة كلما زادت مداخيل الدولة وكلما زادت مداخيل الدولة نتيجة زيادة قدرة المجتمع على خلق الثروة كلما تحسنت الخدمات العامة التي تقدمها الدولة.
ولذلك القوانين التي تؤسس للضرائب يجب ان يكون امام عينيها هذين الهدفين وهذا ما يجعل الدول الأكثر نجاعة هي التي تجعل الضرائب قادرة على تشجيع المجتمع على خلق مزيدا من الثروة وبالتالي زيادة مداخيل الدولة في نفس الوقت.
ولتحقيق هذا الهدف الممكن يجب أن تتميز الضرائب بالخصائص التالية:
البساطة: قوانين ضرائب بسيطة تجعلها سهلة الاحتساب سهلة التحصيل وتغلق ثغرات التلاعب.
التناسق: الضرائب التي لا تتشعب ومتناسقة ولا تتضمن استثناءات كثيرة هي الضرائب القابلة للتحصيل والقادرة على زيادة مداخيل الدولة. لأنه كلما تشعبت الضرائب كلما سهل التنصل من الالتزام الضريبي، وسهل التلاعب بسبب الثغرات.
الجاذبية: في هذا العالم شديد المنافسة وحيث تتحرك الاموال والكفاءات والخبرات العملية بشكل سريع من بلد إلى بلد فإن أحسن نظام ضريبي هو ذلك القادر على جلب الاموال وجلب الكفاءات والمستثمرين وتوفير الأمان الضريبي لهم لتحقيق مزيد من النجاح لهم وللبلد الذي يستثمرون فيه.
ولذلك جوهر أي برنامج حكومي أو حزبي او انتخابي يدور حول مشروعين أساسيين:
نظام الضرائب: لتحديد الطرق التي تحقق بها الدولة المداخيل لتغطية مصاريفها والنفقات العمومية
المنظومة القانونية: لتحديد شبكة العلاقات التبادلية بين الناس حتى يتمكنوا من خلق الثروة.
وطالما ان السياسة يغلب عليها الشعارات وتغيب عنها كثيرا العقلانية وعلى الرغم ان السياسات العمومية هي عموما إجراءات اقتصادية لكن بكل أسف هناك قطيعة كبيرة بين المجالين حتى في الدول العريقة وكما قال توماس سوول اول درس في الاقتصاد هو الندرة أو على وجه الدقة كما ترجمها صديقنا البروفسور مصطفى الراجعي المحدودية (الموارد محدودة إذا استعملتها في نشاط لا تستطيع ان تستعملها في نشاط آخر) ولكن بكل أسف أول درس في السياسة (البوليتيك) هو نسيان أول درس في الاقتصاد كما قال سوول.
وهذه الحقيقة عامة يمكن ان تشاهدها في أمريكا وتشاهدها في بريطانيا وفي فرنسا كما تشاهدها في الجزائر أو روسيا او اليابان الطبيعة الانسانية واحدة. الفرق بين الدول هو مدى قدرة السياسيين على إيجاد خطاب سياسي يقترب اكثر من قواعد الاقتصاد.. هذا المعيار هو الذي يحدد الفرق بين سياسي جيد وسياسي رديء.
في السياسة ما يهم هو كم تحصد من الأصوات، ولذلك يقوم الساسة بتقديم الوعود، طالما أن تنفيذ الوعود لا يتعلق بجيوبهم بل بجيب المواطن الذي ينتخبهم للحكم.
فعندما يصرخ سياسي في تجمع شعبي انتخابي.. سنقوم بإعادة بناء الجسور..
فهذا كلام جميل جدا ورائع نصفق له جميعا..
ولكن من منظور الاقتصاد هذا الكلام معناه أيها المواطنون العظماء سأفرض عليكم ضريبة جديدة حتى تتمكن الدولة من تحصيل الاموال الكافية من أجل بناء الجسور.
طبعا لو قال هذا الكلام سينفض الجميع من حوله.
مأساة العلاقة بين الاقتصاد والسياسة..
أن الاقتصاد عقلاني والسياسة عاطفية..
الاقتصاد منطقي والسياسة ميكيافلية..
ولذلك لن تجد سياسي في العالم يخطب في الناس في تجمع انتخابي قائلا أيها الناس لو انتخبتموني فانني ساقوم بفرض ضريبة على سكناتكم وعقاراتكم حتى استطيع تمويل خط سكة الحديد من الحمدانية إلى تمنراست.
السياسي عموما جبان لا يستطيع قول هذه الحقيقة المطلقة
لانه يخشى أن هؤلاء المواطنين سينفضون من حوله مباشرة. لا احد يريد ان يخرج دولارا واحدا من جيبه لبناء سكة الحديد من الحمدانية إلى تمنراست.. رغم أن هذا ما يحدث بالضبط.
سيخطب بطريقة مختلفة تماما
أيها الناس أمريكا أمة عظيمة (جميل)
أمريكا أعطت دروسا للعالم في الديمقراطية ورفاه شعبها (عظيم عظيم)
ولذلك فان الامة الامريكية ستقوم بتجديد البنية التحتية (الجملة الأخيرة لا علاقة لها بالجملتين الاولى والثانية)
ومع ذلك يقف الجمهور يصفق بحرارة على الأمة العظيمة وعلى تجديد البنية التحتية.
أرجو ان هذه المقدمة مفيدة لفهم ما يتبعها من نقاش حول مشاريع الاقلاع الاقتصادي التي وعد بها القادم الجديد إلى البيت الأبيض بيدن النعسان.
طبعا انا اردد باستمرار ان الاقتصاد غلاب يملك عصا غليظة.. وجزرة كبيرة.. الاقتصاد ربح وخسارة وكلاهما مهمين لدينامكية المجتمع. الربح مهم للتعرف على أماكن النجاح والخسارة مهمة للتعرف على مواطن الخطر والابتعاد عنها والحفاظ على الموارد حتى لا تضيع.
وهذا قانون عام يصدق على كل الأمم والشعوب.
الشعب الصيني قبل عشرين سنة كان يتعلم من الشعب الأمريكي والخطاب السياسي الأمريكي كان يتحدث عن مساعدة الصين للخروج من التخلف.. واليوم العكس أصبحت الصين تهدد استقرار الولايات المتحدة والسبب بسيط جدا لقد تعلم الشعب الصيني كيف يحقق الربح وكيف يتجنب الخسارة والعكس تقلصت مهارة الشعب الأمريكي وأصبحت تنافسيته أقل ولذلك يشعر السياسي الأمريكي بالخطر الصيني. لقد أكلوا غداءنا كما كان يقول ترامب (They eat our lunch). طبعا ترامب دجال لان الصيني لم يخطف اللقمة من فم الأمريكي واحتل أرضه.. بل الصيني حسن من انتاجيته وقدرته على المنافسة وتحمل سنوات طويلة من اجل ان يتعلم طرق النجاح حتى اصبح قادرا على صناعة لانش جديد احسن واقل تكلفة من اللانش الأمريكي. فتخلى الأمريكي على اللانش الأمريكي لصالح شراء اللانش الصيني بإرادته.. ويهاجر الأمريكي إلى الصين من أجل تحقيق الحلم الأمريكي في الصين وهناك فيديوهات لشباب أمريكي يقارن بين التفوق الصيني والتراجع الصيني. وقد استمعت إلى جراهام اليسون وهو خبير سياسي واستراتيجي يعدد 15 مجالا تفوقت فيه الصين على امريكا مثل صناعة السيارات والكمبيوترات العملاقة وطرق البناء والتعمير وصناعة الهواتف الذكية وتكنولوجيا الذكاء الصناعي وتطبيقاتها والفينتاك اي التكنولوجيا المالية. واعطى مثالا كيف ان الخبرة الصينية تستطيع ان تبني قنطرة ضخمة في 48 ساعة بينما في أمريكا قد يستغرق الأمر عدة سنوات. فالصين لم تسرق لانش أمريكا كما كان يردد “البلاعطي” ترامب.
الصين تعلمت أن تكون قادرة على المنافسة واكتسب شعبها مهارات الفعالية والإنجاز. وقد رأيت شريطا كيف يتم ارسال إطارات وكفاءات من الصين لتدريب العمال في أمريكا وارسال عمال من امريكا للحصول على تدريب في الصين. وقد أتيحت لي الفرصة للعمل في في الفرع الماليزي لشركة سنغافورية كانت تملك مصنعا لتكرير الدييزل في التكساس في أمريكا. فحركة رأس المال وحركة الكفاءات والخبرات اصبحت متداخلة بحيث شركة سنغافورية يمكن ان تسير مصنعا في أمريكا وهذا لم يكن شيئا قابل حتى للتخيل قبل 50 سنة. لكن تراكم الخبرة وتحسن القدرات على التسيير وتراكم رأس المال مكنت كفاءات ورجال اعمال سنغافوريين وصينيين وكوريين ويبانيين وغيرهم من الذهاب لأمريكا والاستثمار هناك.
وكما ذكرت مرارا الاقتصاد حيادي لديه قواعد نجاح اذا اتبعتها تصل إلى القمة ولكنه مسار طويل من الكفاح ومن الآلام والتعلم وليس نزهة سريعة.
ولذلك كل من يراجع برنامج بيدن الانتخابي سيلاحظ بالضبط تطبيق عملي لكل ما تقدم.
الوعود الانتخابية كثيرة جدا ولو يتم تطبيقها ستزيد في تعميق مأساة أمريكا ويزيد في إضعاف قدرتها التنافسية والأخطر من ذلك جعلها تغرق في مزيد من الحلول الشعبوية.
يمكن تلخيص برنامج بيدن النعسان في ثمان نقاط رئيسية:
- رفع الضرائب على المؤسسات وعلى من ذوي الدخل المرتفع
- السكن الاجتماعي: بناء السكنات الاجتماعية بأسعار معقولة
- توسيع الضمان الاجتماعي لذوي الدخل المحدود
- العطلة المدفوعة تصل إلى 12 أسبوع لكل العمال
- الخدمة الصحية : خفض أسعار الأدوية وزيادة إمكانية الحصول على التأمين
- البنية التحتية: الاستثمار في المياه والنقل والطاقة الخضراء والتقنيات الأخرى
- التعليم: توسيع دائرة التعليم والقدرة على تحمل التكاليف من الابتدائي إلى الجامعة
- الهجرة: العودة إلى المستويات التاريخية
ساركز على خمس طرق سيدمر بها بيدن الاقتصاد الأمريكي
بيدن روبن هود المعاصر:
من أغرب القصص التي يكررها اليسار كثيرا وهي محببة لصناع هوليود النيويساريين قصة روبن هود، ذلك الفلاح الإنجليزي المقاتل الشرس الذي يسرق من الأغنياء لإعطاء الفقراء. والحقيقة لم تعد هذه الشخصية خيالية بل لدينا روبن هود معاصر اسمه بيدن يردد كثيرا ان الضرائب لن ترفع على الفقراء ولكن سترفع على الأغنياء من اعطائها للفقراء وفي الطريق تغطية مصاريف العاملين عليها.
العجز في الموازنة العامة الأمريكية والذي بلغ ترليونات كان يمكن معالجته بخفض المصاريف لكن المرشح الأمريكي فضل الطريق الثانية وهي زيادة الضرائب على من يسميهم الأغنياء. وعلى الرغم من ذلك فبعض المحللين ان اجراءات بيدن ستزيد على الأقل خمسة ترليونات ونصف للعجز الموازني الراهن.
تتضمن خطة روبن هود بيدن لزيادة الضرائب بعض الأساليب التي ثبت فشلها حول العالم..
- قام ترامب بخفض الضرائب على الشركات من 35% إلى 21% وبيدن يقول انه سيرفعها إلى 28%
- كما سيرفع ضريبة الربح على رأس المال من 23.8% إلى 43% (تقريبا يريد أن يقسم معك الثروة). يعني اشتغل 12 شهرا واعطيني ثمار 5.5 شهر من العمل والكفاح. (ضرائب تتعلق أكثر بنشاط أسواق رأس المال)
- أما الضريبة الأخطر والتي يسميها ضريبة 1% فهي كل من يملك دخلا يفوق 400 ألف دولار سنويا فإن الضريبة تزيد من 37% حاليا إلى 39.4%.
- 15% ضرائب ثابتة كحد أدنى
أكثر الناس عقلانية هم رجال المال وفي هذا العالم المتحرك والديناميكي حيث أن الأموال تتحرك بسرعة من دولة إلى دولة بمجرد إبداء الرغبة في ذلك، ولذلك كثير من الدول تخفض الضريبة على رأس المال من أجل كسب الأموال من الخارج في حين يقوم برفعها وستكون الإجابة المنطقية على المدى المتوسط والبعيد هو هجرة الأموال إلى الملاذات الآمنة. فضلا عن كون الزيادة في التحصيل الضريبي المقدرة بـ 2 ترليون دولار يقابلها انفاق عمومين بزيادة تصل إلى 5.5 ترليون دولار أي بعجز 3.5 ترليون دولار..
كل هذه العناصر لم تعد تتوفر بالشكل المطلوب في الولايات المتحدة الأمريكية
ستضيف الخطة الصحية لنائب الرئيس بايدن والتعويضات المخصصة ، على الإنترنت ، 850 مليار دولار إلى العجز خلال نافذة ميزانية 2021-2030 وفقًا لتقديراتنا المركزية. سيوفر 250 مليار دولار في ظل تقديراتنا منخفضة التكلفة ويضيف 1.35 تريليون دولار إلى العجز في ظل تقديراتنا عالية التكلفة. هذا يفترض التنفيذ الفوري.