شؤون دولية

كيف تقوم امريكا باعادة تدوير الدولار؟

لماذا تشتري الصين واليابان وسنغافررة ومؤسسات كثيرة سندات الخزانة الأمريكية؟
بعد الحرب العالمية الثانية كانت امريكا هي المركز الصناعي العالمي، فالاقتصاد الامريكي كان لسنوات طويلة يتميز بالفائض الانتائجي وكانت امريكا هي الدولة المصنعة رقم واحد في العالم وخرجت باقل الاضرار من الحرب العالمية الثانية. وكانت تنتج اكثر مما يحتاجه الشعب الامريكي ومعظم الدول بما فيها اوروبا دول فقيرة خرجت محطمة من الحرب العالمية. فكان الحل الوحيد هو اعطاء هذه الدول الاموال لشراء السلع الامريكية مثل مشروع مارشال وهكذا تحافظ على ميزان تجاري ايجابي. لان الدول الاخرى اذا لم تملك المال لا يمكنها ان تشتري فتبقى السلع مكدسة في امريكا ويحدث الكساد مرة اخرى.
لكن كل هذا انتهى في الستينات فقد نهضت المانيا وصعدت اليابان وبدات الحكومة الامريكية والاقتصاد الامريكي يتحول من الميزان الايجابي لصالحه الى الميزان السلبي.
في محاضرة للاقتصادي اليوناني الشهير فاروفاكيس قدم شرحا طريفا لمرحلة من مراحل نشوء النظام المالي الأمريكي.في هذه المحاضرة (الدقيقة 27 وما بعدها) عنوان المحاضرة في اليوتوب (Yanis Varoufakis: Is Capitalism Devouring Democracy?) اشار لحادثة نسبها الى الثنائي كيسنجر وفولكر..
في سنة 1970 قبل نهاية نظام بريتون وودز وقبل صدمة نيكسون كان كيسنجر مدير لمجلس الامن القومي وكان لديه شاب تخرج من الجامعة وكانت رسالة تخرجه الجامعية حول فشل البنك المركزي في محاربة التضخم. كيسنجر أصبح قائد الديبلوماسية في عهد نيكسون وفولكر تولى فيما بعد قيادة المركزي الامريكي في عهد ريجن.
طرح كيسنجر على الفريق الذي يعمل معه سؤالا مهما.. نحن دولة تتحول تدريجيا من دولة لها ميزان تجاري ايجابي يسجل فائضا الى دولة تسجل عجزا؟ في السابق كما يقول فاروفاكيس كل الامبراطوريات والقوى العظمى تسقط اذا اصبحت تسجل عجزا. الشاب بول فولكر كتب مذكرة رد على السؤال في اقل من صفحة وذلك الرد هو الذي تحول الى مشروع عمل ومهد الطريق الى انهيار العملة المدعومة بالذهب كما اقترحه نظام بريتون وودز والتحول الى العملة الفيات. Fiat money. عملة يدعمها الاصدار القانوني الحكومي:
it doesnt matter whose surplus had been recycled what is matter most who will recycle the surplus of others
لا يهم من أعيد تدوير فائضه ما هو المهم أكثر من سيعيد تدوير فائض الآخرين.
العولمة لم يكن من الممكن ان تحدث لولا ان امريكا لم تقم بامتصاص الفائض الانتاجي من كل الدول التي صعدت وكانت تبحث عن اسواق وعلى رأسها اليابان والمانيا بعد الحرب العالمية الثانية ثم الدول الصناعية في جنوب شرق آسيا.. وفي الاخير الصين وما بعد الاخير الان الهند. حتى تستمر هذه المصانع في العمل يجب ان يكون هناك مشتري والا تغلق المصانع. فكل الدول الصناعية كانت تتطلع لبيع منتجاتها في السوق الأمريكي.. ولذلك تحولت أمريكا الى المشتري الأول عن طريق ورقة الدولار.
هذه الوضع لم يكن ممكنا الا بوجود آلية أخرى
وهي ان كل ارباح هذه الدول يتم اعادة تدويرها ايضا في السوق الأمريكي .. ويقدرها فاروفاكيس بحوالي 70% تعود الارباح الى امريكا بعد ان تخرج منها.

بول فولكر الذي جاء بالفكرة يقول انه فخور لانه كان وراء تفكك نظرية جعل العملة مدعومة بالذهب اي تفكك منظومة بريتون وودز. وقد تولى فيما بعد ادارة الاحتياطي الامريكي. فاصبحت العولمة قائمة على معادلة : الفائض الصناعي في اليابان والمانيا ودول جنوب شرق آسيا وباقي الدول الاوروبية يتم امتصاصه بفضل العجز التجاري الامريكي. فنمت هذه الدول بفضل هذا العجز.
لكن هذا الوضع ادى الى زيادة الاحتياطي المالي في هذه الدول من عملة الدولار.. بعد فترة من البيع تبدا تحقق في ارباح وتتراكم لديك اموال.. ماذا ستفعل بهذه الاموال؟ تعيد استثمارها..
ولذلك الدول الصناعية الكبرى منذ بداية حقبة الستينات عندما رجعت المانيا قوة صناعية بفضل زعيمها ارهاردت ثم تبعتها اليابان وبقية الدول التي كانت تتبع خطاهم وهذه الدول كانت تعتبر السوق الامريكي هو اهم سوق ولذلك كانت تتعامل اكثر بالدولار خاصة دول آسيا وعلى راسها المراكز الصناعية الكبرى الصين واليابان وكورويا وسنغافورة والفيتنام واندونيسيا وماليزيا ولاحقا الهند. العملة الرئيسية هي الدولار.
بعد فترة من التبادلات بدأت هذه المؤسسات المالية والشركات الموجودة في هذه الدول تراكم ثروات كبيرة من العملة الصعبة اكثر من حاجتها الفعلية.
ماذا يفعلوا بهذه الدولارات؟
الحل هو اعادة استثمار هذه الدولارات.
وهذا الاستثمار له طرق
أولا: الاستثمار العيني وذلك بشراء مصانع او فتح مشاريع جديدة داخل البلد وخارجه وهذا ماجعل الشركات اليابانية تتوسع في كوريا الجنوبية وماليزيا واندونيسيا وتايلاندة وللاسف فشلنا في دولنا العربية الاستفادة من راس المال الياباني الفائض وفتح شركات يابانية عندنا. وفق نظرية البجعات المهاجرة. ونفس الشي حاليا الشركات الصينية والشركات الماليزية والكورية تبحث عن اماكن تصنيع جديدة بفضل الفوائض النقدية..
ثانيا: الاستثمار في اسواق المال وهو اعاة تدوير هذه الاموال لشراء الاسهم والسندات في الشركات والمؤسسات المالية العالمية
ثالثا: وهو موضوع حديثنا الاستثمار في شراء سندات الخزانة الامريكية التي تتميز بالاستقرار
فاليابان على سبيل المثال تملك حوالي 6200 شركة امريكية من بينها شركات سينما مثل سوني التي استولت على استديوهات امريكية واصبحت تنتج افلاما امريكية باموال يابانية.
ونفس الاتجاه تملكه شركات صينية التي بدات تعيد استثمار دولاراتها في السوق الامريكي وتستحوذ على شركات امريكية وهناك شريط يتحدث كيف استطاع رجل اعمال صيني الاستيلاء على احد مصانع جنرال موتورز وفي ظرف ثلاث سنوات حوله الى مصنع مربح يمكن مراجعة شريط (American Factory)
خط الاستثمار الثاني هو الدخول الى البورصات الامريكية وحاليا هناك اكثر من مئتي شركة صينية مسجلة في البورصة. وهناك شريط يتحدث عن تلاعب المستثمرين الصينيون بالبورصة بسبب جاذبية شركاتهم. يمكن رؤية شريط (The China Hustle). والاستثمار في البورصة الامريكية هو ما جلب متاعب لجاك ما اشهر رجل اعمال صيني عندما فضل تسجيل شركته في نيوورك وليس في بورصة الصين بسبب استقرار النظام المالي االامريكي وكثرة السيولة ومن ثم بدات متاعبه مع القيادة الصينية التي ابعدته نهائيا عن الانظار
الاستثمار الثالث رغم انه اقل ربحية ولكنه اقل مخاطر هو شراء سندات الخزانة الامريكية التي تضمن عائدا مستقرا
ملاحظة مهمة قبل ان اكمل
عندما اقول اليابان او كوريا او الصين او سنغافورة هذا لا يعني الحكومات بل هي شركات ومؤسسات مالية مختلفة مقر نشاطها في هذه الدول وبعضها يكون اصلا شركات امريكية تقرر اعادة الاستثمار في السوق الامريكية. ولذلك التقارير عندما تذكر اسم اليابان يعني حصة الشركات اليابانية والمؤسسات المالية اليابانية والشركات المسجلة في اليابان وقد تكون من اصل امريكي او اوروبي او صيني وليس المقصود الحكومة اليابانية. فالمستثمرون هم عادة البنوك وشركات التامين وصناديق التقاعدة وصناديق الاستثمار المختلفة والشركات التي تملك فوائض مالية وغيرها.
طبعا لا يفوتن

ي ان اذكر ان بعض الدول شكلت صناديق سيادية وكانت اول تجربة هي صندوق الكويت السيادي الذي تاسس نهاية الخمسينات من القرن الماضي ثم تبعتها دول اخرى مثل صندوق النرويج وصندوق سنغافورة وغيرها من الدول التي تعيد استثمار الاموال من اجل تنميتها واضافة مداخيل للحكومة ومعظم الصناديق السيادية تستثمر في شراء الاسهم وحصص من الشركات العالمية وكذلك تستثمر في شراء سندات الخزينة الامريكية التي تضمن سعر فائدة مستقر.
ولا ننسى ان كثيرا من رجال الاعمال يفضلون اعادة الاستثمار في امريكا من اجل الحصول على الجنسية ونوع من الحماية وحرية التحرك حول العالم لتسهيل نشاطه التجاري.
الان لو رجعنا الى الدول التي تملك سندات الخزانة الامريكية كما ورد في موقع الخزانة الامريكية (https://ticdata.treasury.gov/Publish/mfh.txt) سنجد ان القائمة تضم دول كثيرة اهمها الدول الصناعية وعلى رأسها اليابان ثم الصين وهذه مفهومة دول صناعية لها فائض احتياطي نقدي تعيد استثماره في امريكا..
الدولة الثالثة هي بريطانيا وهي اهم مركز مالي في اوروبا.. معظم ملاك السندات هي شركات ومؤسسات مالية مقرها في بريطانيا.. ونفس الشيء ليكسمبورغ وهي مركز مالي تتميز بالمرونة الضريبية وكذلك ايرلندة وهي ملاذ ضريبي امن لكثير من الشركات الامريكية الامر الذي ضخم جهازها المالي بالسيولة فقامت باعادة تدويرها في شراء السندات الامريكية.
في القائمة نلاحظ اسم سويسرة ايضا وهي مركز مالي متضخم بالسيولة التي تحتاج الى استثمار آمن وكذلك جزر كايمان وهي ملاذ ضريبي لكثير من الشركات حول العالم فيها ملايير تحتاج الى استثمار. ونفس الشيء هونكونغ وغيرها من الدول الواردة في القائمة. وكثير من الملاذات الآمنة متضخمة باموال الشركات الامريكية التي تفضل ان تسجل نشاطها في الدول الاقل ضريبة. فتقوم المؤسسات المالية لهذه الدول بالاستثمار في السندات الامريكية باعتبارها اكثر استقرارا وامانا.
ولو عدنا الى موقع الخزانة الامريكية (https://ticdata.treasury.gov/Publish/mfh.txt) سنلاحظ ان هناك دول كثيرة اشترت سندات من بينها ثلاث دول عربية على راسها السعودية التي تملك 125 مليار دولار والكويت 45 مليار والامارات بحصة تقدر ب 33 مليار دولار.