بلخادم.. عميمور.. حجار.. وباتنة
في اعقاب توقيف المسار الانتخابي في الجزائر والانقلاب على ارادة الشعب ودخول الجزائر دوامة العنف انقطعت كل المناشط الثقافية وأصبح صوت الرصاص عاليا هو سيد القرار..
وبخلاف ما هو سائد فإن القطاع الواسع من الحركة الإسلامية رفض الانجرار للعنف، او الدخول فيه، وكل من ملك زمام الأمر او هامش من الحرية اتاحه له النظام نفض يديه من العنف وابتعد عنه واختار مسارا آخر.. كان يسميه الشيخ الطيب برغوث وهو من اعلام الحركة الإسلامية في الجزائر وكبار منظريها هذا اذا لم يكن المنظر الإسلامي رقم واحد في الجزائر وله انتاج مشهود وكتابات سارت في الآفاق، وسنخصه ببطاقة خاصة في مقال لاحق.. كان يسميه حفظه الله وبارك له في أيامه.. استراتيجية الصبر الحضاري.. ولذلك من دخل دوامة العنف من أبناء الصحوة الإسلامية دخله مضطرا.. إما هاربا نافذا بجلده من اعتقال أو مطاردة او اقتحام لبيته.. أو هروبا من سجن أو بعد اخراجه من معتقلات الصحراء في ورقلة أو وواد الناموس أو رقان وما أدراك ما رقان المنطقة التي تحوي اشعاعات نووية منذ التجارب النووية التي اجرتها فرنسا قبل الاستقلال ويقال حتى بعد الاستقلال.. وغيرها … والقلة القليلة هي التي كانت تؤمن بالعنف كوسيلة لاقامة الدولة المنشودة..
وهذه الأقلية وجدت في اخطاء النظام وتهوره ومعالجته الدموية لاختيار الشعب وجدت في هذه الاخطاء خير معين وخير من يروج لمفاهيمها.. وهذا كلام ربما لم يكن مفهوما في وقت لم ينتشر فيه الفيسبوك ولا اليوتوب.. لكن المثال السوري الحي بين ايديا يعطي نموذجا جديدا، كيف تشجع الانظمة غير الشرعية على العنف الاجتماعي والعنف السياسي.. فالنظام السوري المجرم دفع الناس دفعا وارغمهم ارغاما على حمل السلاح دفاعا عن كرامتهم المستباحة.. وشرفهم المنتهك.. وارواح اطفالهم واعراض بناتهم..
في ظل تلك الأوضاع المضطربة كانت الحركة الإسلامية في حيص بيص.. فالشيخ النحناح رحمه الله أختار مظلة النظام، واصطف إلى جانب الكتلة من خدماتية النظام، وقد كتبت مقالا في حينه نشر في جريدة الأطلس الغراء التي كانت تصدر في باتنة.. محفوظ نحناخ خروج عن الاجماع.. وهذا المقال تسبب في هجوم من جريدة النبأ علي.. وزرتهم في المقر الوطني للحركة ومقر جريدة النبأ وتبادلنا اطراف الحديث.. وبعد سنوات وجدتني مع الأستاذ توفيق، الذي كان رئيس التحرير، الاثنين مهاجرين في ماليزيا.. وهكذا الدنيا..
الشيخ جاب الله، كان الأحسن اداءا في كل الاطياف، فقد حافظ على مسافة متوازنة، ورفض الانقلاب على ارادة الشعب، وشارك في كل مبادرات الحوار، وحتى في مشروع العقد الوطني الذي عقد في روما، ودفع الثمن غاليا وتم تشريده مع بقية المشردين..
ما يسمى بجماعة الفيس كانوا اما ضحيا الاعتقال التعسفي والطرد من العمل واحكام بالسجن، أو مطاردين هاربين من الاعتقال من بيت إلى بيت ومن دار إلى دار ومن مدينة إلى مدينة ويحكم عليهم بالتغيب الارادي من العمل ثم الطرد.. فيجد نفسه اما في “الجبل” إما في الخارج.. أو يقع في يد الاجهزة فيسومونه انواع العذاب.. ويلفقون له تهمة على المقاس.. والنتيجة نفسها.. اما الجبل او الهجرة أو السجن أو التشرد والضياع في الوطن..
في ظل تلك الأثناء كانت النفوس تموج بحالة من الغيض والشعور بالعدوانية وكان يقع على عاتق بعض رموز الحركة الإسلامية واجب توجيه الجهود، وكنا نحن الشباب في حالة غليان بأتم معنى الكلمة وقد اسسنا ما يسمى باللجنة الطلابية للدفاع عن خيار الشعب وسيرنا مظاهرات واعتصامات في الجامعات رفضا للانقلاب ورفضا لسياسة العصا.. كان ذلك جزء من نضال الجيل الذي اكتوى بنار الانقلاب على اختيار الشعب..
وبمجرد تبلور اتجاه المقاومة او الجهاد ضد الطغمة، ، واصبح خيارا ينمو يوما بعد يوم ويجد من عشرات الخارجين من المعتقلات والسجون ومكاتب التحقيق رصيدا من الطاقات التي تريد الدفاع عن كرامتها وحقها في العيش الكريم.. في ظل هذا الوضع الملغم: بدأت تطرح اسئلة محورية.. هل يجب أن ننخرط كلنا في هذا الاطار لاسقاط هذا النظام المتكالب على الحريات والمنقلب على الديمقراطية وعلى خيار الشعب؟ أو نتبنى استراتيجية الصبر الحضاري بتعبير الشيخ الطيب برغوث؟
كان الوضع دقيقا!!
ولعلي هنا أذكر لقاءا جامعا انعقد في باتنة برئاسة الأستاذ “عبد العزيز شوحة” وهو من خيرة الأساتذة ولو كانت الجزائر ممن يحتفل بكفاءاتها وتقدر قيمة رجالها لكان من كبار علمائها اليوم، لكن تعرض للاعتقال، والضرب، حتى تاثر جهازه العصبي، وأصبح في حالة يرثى لها، لولا ان لطف الله به.. واستعاد قدراته التوجيهية والتعليمية ورجع إلى مدرجات الجامعة.. ولو كان النظام يعي ما يفعل لعلق له نياشين الوطنية وسمى باسمه الجامعات والكليات بسبب دوره في التوعية وفتح آفاق اخرى للجيل الغاضب الحانق المغدور في تجربته ومستقبله…
انعقد ذلك اللقاء وكان جوهر النقاش.. هل تنخرط الحركة الإسلامية كلها في مسار واحد؟ مسار جهاد الطغمة الظالمة والدفاع عن خيار الشعب؟ أم تتبنى مسارات متعددة، فليست كل المعارك بدر ولا القادسية؟ بل هناك احد وحنين؟ والنظام سيستفيد بافراغ الجزائر من اطاراتها وابناء الصحوة فيها؟ بل يجب المحافظة على المواقع القليلة والتفكير المنهجي في اكتساب مواقع جديدة.. وخوض معركة الاعلام؟

كان نقاشا جادا.. وبشخصيته الدينامكية وقدراته المنهجية وصدقه واخلاصه لقضية الإسلام والعربية والجزائر كانت الخلاصات هي الثبات في المواقع مهما كانت قليلة… وعدم موالاة الظالمين.. بل النأي عنهم وانكار افعالهم بالمقالات والتوجيه.. ومد الجسور مع قوى التيار الوطني، وفي ذلك الوقت التيار الوطني تمثله اساسا جبهة التحرير الوطني التي ولدت من جديد بقيادة مهري رحمه الله، وكانت لها قيادة من الوطنيين المثابرين ولها مواقف مشرفة من انقلاب الجيش على المسار الانتخابي، وكذلك جبهة القوى الاشتراكية كانت لها مواقف مشهودة في رفض الانقلاب وانكار افعال المجرمين والظلمة…
وفي تلك الظروف تبين أن اختلاف الحركة الإسلامية وتعدد منابرها نعمة وكان ينظر له كفعل منبوذ ومستنكر وباعثا على الأسى أصبح ذلك الاختلاف نعمة كبرى ومواقع جديدة للحركة الإسلامية تمارس الحد القليل من دورها الاجتماعي والسياسي.. والنظام حاول ان يحصر جهده في الجبهة الإسلامية وانصارها.. وبالتالي ترك الأحزاب الأخرى تنشط في العلنية..
في ظل هذا الواقع الجديد، وفي ظل هذه القراءة الحذرة للتجربة التي دخلتها الجزائر والعنف المتبادل، انخرطنا في استراتيجية الصبر الحضاري، والحفاظ على المواقع، مهما كانت قليلة، ومد الجسور مع التيار الوطني ومحاولة ابعاده عن التيار الفرانكوفوني والفرانكوفيلي وقوى الانقلاب.. فالمشترك بين التيار الإسلامي والتيار الوطني مساحة كبيرة جدا.. ومعركتهم ضد التغريب وحزب فرنسا وهيمنة اللوبي الفرانكوفوني وتقوية موقع اللغة العربية معركة واحدة.. ولذلك كان التيار التغريبي في الجزائر يقول دائما ان التيار الإسلامي هو ابن التيار الوطني..
ومن مظاهر هذا الوعي بالمحافظة على المواقع وتعزيز العلاقات مع رموز التيار الوطني اذكر أنه في باتنة تاسست الرابطة الجزائرية للفكر والثقافة وكان يرأسها أستاذنا الدكتور مصطفى بيطام، وكان أستاذ في الجامعة حيث ندرس، وضم لها نخبة من الأساتذة من جيله وكانت له علاقات قوية مع كتلة الوطنيين ومعارف واسعة عبر الجزائر كلها، وهو اطار في حزب جبهة التحرير الوطني، وكان دائما يشكو من قلة المعين وتخاذل النخبة وعدم فعاليتها..، وقد عملنا في الرابطة.. كنا مجموعة شباب على رأسهم، الأستاذ عبد القادر يحياوي والأستاذ عبد المجيد لعجايلية، وهما مثال حي لجيل من الشباب ربته الحركة الإسلامية لا يعرف سوى التفاني ونكران الذات والانتصار للقضايا الكبرى وكان شعارنا دائما، شعار ابن باديس رحمه الله أعيش للاسلام والجزائر والعربية، وقد فرح كثيرا بنا وبجهودنا القليلة رغم قلة المعين وقلة ذات اليد وفتح لنا الأبواب على مصراعيها، وكان دائما يردد أن الجزائر في حاجة لكل أبنائها.. ولم نجد فيه سوى الأب العطوف المثابر على العمل..

وإلى جانب الدكتور بيطام كان هناك المجاهد محمد الواعي رحمه الله وهو يعتبر من أعيان باتنة الكبار وكلمته مسموعة ومطاعة.. ورغم تقدمه في السن ووضعه الصحي لا زلت اذكر وهو يقطع مسافات باتنة قرب ممرات بن بولعيد حيث كان مقر الرابطة والمسرح الجهوي حيث كانت تعقد اللقاءات والملتقيات ومديرية المجاهدين الحاضنة للنشاطات.. وهو يرتكز على عكازه.. ودائما يحث على جمع الشمل والحفاظ على الجزائر والدفاع عن أصالتها.. وكان جد فرح بهذا الالتفاف لشباب متحمس وأصيل…
واذكر انه بلغته وشاية أو تحذير ان هؤلاء الشباب من الفيس.. وسالنا في جلسة في محافظة المجاهدين انا وعبد القادر عن هذا الموضوع.. وفي الواقع لم نكن منخرطين في الفيس بالمعنى التقني للكلمة لكن كنا محسوبين عليه لاننا نعتبر ما وقع ظلم كبير.. تحدثنا معه بصورة واقعية ومباشرة وصارحناه باننا ابناء الحركة الإسلامية والصحوة الإسلامية.. ومنذ ذلك الحين احتضننا مثل ابنائه.. وربما دفع عنا بعضا من الظلم كان سيقع علينا ونحن لا ندري.. رحمه الله برحمته الواسعة.
وقد نضمنا عدة مبادرات وندوات اذكر منها ندوة “الانتلجنسيا والتغيير” في المسرح الجهوي بباتنة او عنوان شبيه، ولاحظ لي بيطام على هذا العنوان لماذا لا تستعملون كلمة مثقف بدلا من هذا التقعر وهو استاذ اللغة العربية والادب العربي في الجامعة الحريص على نصاعة اللغة.. وجادلته ببعض ما املك من بضاعة مزجاة.. فتقبلها بصدر رحب.. ووافق عليها.. المهم النشاط..
ولمن لا يعرف تركيبة باتنة، فهناك انقسام طريف يردده ابناؤها، فهناك شعب فوق الراية وشعب تحت الراية، والراية هنا ليس الراية باللغة العربية ولكن (raille) مسار القطار باللغة الفرنسية، الذي كان يشق منطقة الاوراس، فالناس يقسمون انفسهم لمن هو فوق الراية وتحتها.. وبحسب هذا التقسيم الطريف الذي يردد كثيرا في المجامع الباتنية إلى حد ان الناس فعلا متماهية معه وكانه واقع جغرافي حقيقي وليس صورة وهمية صنعتها الانقسامات الاجتماعية.. وبالنسبة لي فانا من الجنوب، لا من تحت “الراية” ولا من فوقها.. قلت بحسب هذا التقسيم فالدكتور بطام من عين التوتة تحت الراية والشيخ الواعي جبايلي من فوق الراية، فالرابطة محصنة ضد هذا الانقسام وفيها توازن ان صح التعبير..
كانت مشكلة التمويل مشكلة عويصة لتنظيم الملتقيات وقلة ذات اليد واوضاع البلاد لا تتحمل أي نشاطات فكرية وثقافية فضلا عن ان تكون جماهيرية، ولكن الدكتور بيطام والشيخ الواعي وجدوا خير معين في مديرية المجاهدين التي كان على راسها الشيخ عبيد، وحتى من طرف الوزارة، وفكروا في تنظيم ملتقى وطني يستدعى له مثقفين ومفكرين وطنيين من مختلف أرجاء الوطن.. فكانت التسمية ملتقى الشباب والتاريخ.. ولما بدانا في استعراض الأسماء.. قال لنا الدكتور بيطام لقد تحدثت مع الدكتور عميمور والأستاذ بلخادم وحجار وقد وافقوا على المشاركة في الملتقى.. كانت الثقة قد بلغت مبلغا كبيرا.. فقال ولقد اخترتكما، انا ويحياوي عبد القادر، لاستقبال هؤلاء الضيوف…
كانت اسماء الدكتور عميمور وبلخادم وحجار أسماء لامعة جدا.. فعميمور مستشار بوميدين الاعلامي كان يمثل اللقاء به لواحد من جيلي وكانك التقيت ببومدين.. تعرفت على الدكتور عميمور من خلال كتابه انطباعات الذي كنت اقرأه في مكتبة لابراس بورقلة قرب سينما سدراتة.. لم يكن عندي ثمن الكتاب فكنت اقراه متواصلا في المكتبة وكان عمي الطاهر رحمه الله الذي يبيع الكتب متسامح معي ويتركني اقرأ حتى تنكسر قدماي من الوقوف والجلوس..
بلخادم، المعروف في الاعلام الفرانكوفوني بانه “الأفلاني الملتحي”، كان يمثل لنا كتلة مهري، المطالبة بالحوار والرافضة للانقلاب على اختيار الشعب، أما حجار فقد كان معروفا بانه رئيس مجمع اللغة العربية.. واذكر أن الشيخ عبيد قال لنا لما كنا نستعرض اسماء المحاضرين قال لنا لا تنسوا ان تسألوه اين وصل مشروع تعميم اللغة العربية؟ وقد اضفنا بعض الأسماء من المحاضرين منهم الأقتصادي معمر بوضرسة ابن الخروب بقسنطينة وكان شخصية عامة وشغل مستشار اقتصادي لاحدى الحكومات لعلها حكومة بلعيد عبد السلام.. وقد تعرفنا عليه في تلك الأجواء واستضافني في بيته في قسنطينة في الخروب واجريت معه حوار مع صديقي علي نشر في جريدة البيان.. وكان ولا يزال صوتا قويا ومدويا رافضا لكل أشكال الظلم والعدوان على اقتصاد الجزائر…
وتحضيرا لاستقبال هذه الأسماء وضعوا ترتيبا بروتوكوليا طريفا فالاستقبال يكون في دار الضيافة بمقر ولاية باتنة، وقد ذهبت مع عبد القادر ولأول مرة ندخل لهذه “المغارات الخاصة بالسلطة” واستقبلنا عميمور وبلخادم وكان لقاءا وديا جميلا..
وقد اقترحنا على بيطام والواعي أن تعمم المحاضرات على الاحياء الجامعية خاصة بلخادم وحجار وعميمور.. فوافقوا بفرح شديد.. وعبر اليد الطويلة لعمي الواعي وافقت ادارة الأحياء الجامعية على تلك اللقاءات.. وساهمنا نحن عبر شبكتنا الطلابية في تاطير اللقاءات وحتى صياغة الأسئلة وتوجيهها للمحاضرين.. بما فيها الأسئلة السياسية..
انعقدت عدة ملتقيات بهذا الاسم: التاريخ والشباب.. وبمرور 50 سنة على استشهاد بن بولعيد رحمه الله نظمت الرابطة بالتعاون مع وزارة المجاهدين ملتقى بن بولعيد الوطني الأول سنة 1996..
في الندوات الليلية كانت لقاءات عميمور وبلخادم وحجار جماهيرية.. واذكر ان لقاءا طلابيا جرى في احد الأحياء الجامعية للبنات كان شيئا خياليا.. وربما عميمور كان اكثر تميزا فقد كان يعامل الجميع كبناته شخصيا.. حتى انني أردت ان اصد احداهن وقد بالغت في اسئلتها والحاها الشديد وكانها وحدها في المجمع فنهرني وقال لي احنا رانا قاعدين خليها.. ثم هجموا عليهم يطلبون توقيعات واتوغرافات.. وبعد انتهاء اللقاء كان عميمور يحتضن هؤلاء الطالبات ويعاملهن معاملة الأب لبناته ونحن ننظر بتعجب واعجاب في نفس الوقت.. إلى ساعة متاخرة من الليل..
ومعروف ان عبد القادر حجار هو صانع جبهة التحرير التي أعادها لحضن النظام بعد ان اخرجها مهري رحمه الله، وبلخادم فهو رأس جبهة التحرير حتى هذه اللحظة، اما عميمور فهذا شخصية مميزة واستطيع ان أقول هو من منظري الخط الوطني إلى اليوم .. شخصية سلسلة له روح شبابية رغم تقدمه في السن.. ويكفي انه الشخصية العامة الوحيدة المتواجد معنا في هذا الفضاء.. الفيس بوك.. لا يزال يحافظ على روحه المرحة وشباب ارادته وعنفوانه ويعلق كما نعلق ويكتب كما نكتب في هذا الفضاء المفتوح.. وكانه من جيلنا وليس من جيل بومدين وبوتفليقة..
لعل اهم ما يميز محاضرات اقطاب التيار الوطني اذا ما قارنتها بمحاضرات رموز الحركة الإسلامية ان التيار الوطني ومعظمهم رجال الدولة والسلطة والنظام وكل تسمية لها مدلولها الخاص في الثقافة الجزائرية السياسية فالدولة ليست السلطة وليست النظام وليست “هوما”.. فهوما في الجزائر سلطة وحدها قائمة، أقلهم سفير ومنهم الوزير ورئيس الوزراء.. ما يميز محاضراتهم هي محاضرات التجربة والواقع.. كلا الثلاثة حجار وبلخادم وعميمور يحاضرون بطريقة مميزة، ولديهم قدرة عجيبة على صياغات متعددة مهما كانت المواقع وكلهم اصحاب تجربة في عمق النظام.. ولذلك تجد محاضراتهم مطعمة بعشرات الوقائع والتجارب.. من خلال مواقعهم في المسؤولية داخل علبة النظام.. بينما محاضرات جماعتنا ابناء الصحوة الإسلامية فهي محاضرات المثل والتنظيرات والأفكار.. واحسن تجربة يذكرها اسلامي كبير في محاضرة هي قصة وقعت له أثناء زيارة لمكة او لمصر او لفرنسا.. أما هؤلاء فلديهم ملفات مأرشفة في أدمغتهم .. خصوصا انهم تمرسوا في دواليب السلطة ووزاراتها تمرسا كبيرا .. منذ ان كانوا شبابا حتى هرموا وبعضهم لا يزال فبالخادم زعيم جبهة التحرير ووراءه حجار..
نظمنا ندوة على هامش احد الملتقيات في المسرح الجهوي وكنت ادير الندوة وقد حضرها بلخادم وحجار.. كان من ضمن النقاش حول اجراءات صندوق النقد الدولي التي عزمت حكومة رضا مالك أن تتبناها لان ميزانية الجزائر اصبحت صفر.. وهنا فتح حجار وبلخادم علبة النظام، وكانا رافضين لاجراء القرض عبر صندوق النقد.. في عهد حكومة عبد السلام بلعيد، كان هذا الأخير رافض لأخذ قرض من صندوق النقد الدولي، طرحوا البديل وهو الاستعانة بالأشقاء العرب لاخذ بعض القروض الميسرة، ومنها كان هناك تفكير في الاستعانة بالليبيا وحكومة القذافي.. القذافي كانوا يخافون منه فهو اكيد سيفرح كثيرا بمساعدة الجزائر لانه بكل تاكيد سيوضفها بمناسبة وبغير مناسبة وبمجرد ما يقدم المساعدة فيمن بها على الجزائر إلى قيام الساعة ويفضحها في الآفاق… ولكن كان وضع الجزائر لا يحتمل.. مكره اخاك لا بطل..
وكانت هناك سابقة ان ليبيا فعلا قدمت وديعة مالية في عهد حكومة قاصدي مرباح ربما قدرها 500 مليون او 400 مليون دولار لدعم الاستقرار المالي للجزائر.. ويقال ان هذه الوديعة لم تعدها الجزائر إلا في أواسط الألفينات.. ولعل هذا ما يفسر تحفظ الحكومة الجزائرية على طريقة اسقاط القذافي لانه وقف معها وقت الشدة…
في حكومة عبد السلام قالوا نكرر التجربة وحجار كان سفيرا هناك في ليبيا.. فشكلوا وفد يناسب مقاييس القذافي فيه بلخادم وذهبوا للقذافي وكان الطلب كبيرا هذه المرة.. عدة مليارات.. طلبوا ثلاثة مليار دولار.. فرد القذافي نحن محاصرين وأصولنا مجمدة ولا نملك هذه السيولة ولكن فيه مجال نوعز للبنوك التي نملك فيها أسهم تقدم لكم قروض ميسرة.. المهم اسقطت حكومة عبد السلام لانه رفض صندوق النقد الدولي، والعسكر كانوا في حاجة للمال لتمويل “مقاومة الارهاب”.. وجاءت حكومة رضا مالك، وطلبوا متابعة الموضوع.. وهناك قام الوفد الرسمي للتفاوض مع حكومة ليبيا لترتيب اجراءات القرض بعرقلة القرض حتى لا يتم.. ولا تزال ترن في أذني كلمة بلخادم.. ان الوفد الجزائري الرسمي قال لنظيره الليبي (now or no) الآن أو لا؟ والهدف هو اسقاط الدعم العربي، لان وفودا اخرى ذهبت للبلاد العربية مثل السعودية وغيرها، والبديل هو اللجوء لصندوق النقد الدولي..
حكايات من مغاوير وكهوف السلطة ودهاليزها لن تجدها إلا عند هؤلاء..
أذكر أنني سالت حجار عن علاقة الجبهة بالنظام او السلطة قال لي احنا كي “الكالة” اللي تحمي البناء من السقوط.. هؤلاء يرون انفسهم ان الجزائر بدون التيار الوطني ستسقط لا محالة اما في يد “الأصولية” او في يد “التغريب”.. وهم عنصر التوازن..
سنوات قليلة واصبح حجار رقما فاعلا فقد نشط المؤامرة العلمية ضد مهري واسقطه وأصبح الامين العام لجبهة التحرير هو بوعلام بن حمودة.. واستمر دوره كعنصر فاعل في عمق دولاب السلطة.. فإذا تحرك حجار او تكلم تتوقف عقارب الساعة.. مؤامرة علمية في الطريق..
ورغم ان بلخادم كان محسوبا على جماعة مهري فقد رسكل نفسه واندمج في التشكيلة الجديدة، وبلخادم بعد سنوات يصبح مستشارا شخصيا لبوتفليقة ثم وزيرا للخارجية ورئيسا للوزراء وزعيما للحزب الحاكم.. او بالأحرى المحكوم به..
اما أستاذنا عميمور فقد أصبح وزيرا للاعلام ولكن لفترة قصيرة.. وقديما قيل الأقران لا يلتقون.. فلا قرينه بوتفليقة يستطيع ان يتحكم فيه.. ولا هو بقابل لان يصبح محكوما به.. او فيه..
عندما أصبح بلخادم عنصرا فاعلا في المشهد السياسي استبشرنا خيرا بعد مجيئ بوتفليقة.. كنا نتوسم فيه كل عناصر الأصالة وانه سيحافظ على مواقعه وأفكاره.. وسيعمل على دعم الخط الأصيل داخل دولاب السلطة ومغاراتها..
لكن الرجل بدأ يتغير حتى اصبح يرمز لكل انواع الفساد السياسي والبؤس الذي تمر به الجزائر، لقد جاء في اطار انقلاب على بن فليس في اطار مؤامرة علمية رقم اثنين وتولى هو ادارة جبهة التحرير.. ولكن بكل أسف تحولت جبهة التحرير إلى لجنة مساندة لفخامته.. ربع الرئيس.. ليس هذا هو بلخادم الذي كنا نعرفه حيث بلغ الفساد الحزبي وبيع رؤوس القوائم بشكل لم تعرفه الجزائر من قبل.. ويقال ان عبد القادر حجار البلدوزير قد تحرك.. واذا اتخذ مكانا غير مكان بلخادم.. فلا يمكن إلا القول باي باي بلخادم..
اما عميمور فيبدو انه نأى بنفسه عن طاحونة السياسة الجزائرية..
ويبدو ان طاحونة النظام تفتت الصخر وله فرن يصهر الحديد في بوتقته ويقلب منظار الناس حتى يرى الأسود ابيضا.. شيء عجيب.