بن كيران وقرارات رجل الدولة
كتب: رياض حاوي
هناك حقيقة مرة، فالقوى اليسارية واليمينية التقليدية فشلت في تسيير الدولة الوطنية والنهوض بها، وأسست لدولة الاستبداد وروجت لكل أشكاله، وتطلب الأمر سنوات من الصراع المرير مع كل مظاهره وأشكاله حتى جاءت لحظات الانفراج والتصالح مع هوية الأمة والمجتمع، ولما جاءت بوادر الربيع العربي حاول البعض وصمه بأنه ربيع صهيوني جاء ضمن أجندة “الاله” الأمريكي الذي يعتقدون أنه يتصرف في الشمس والقمر ورياح البحار والأمطار والأنهار، حتى وكأن شعوبنا فاقدة للارادة تحركها امريكا من وراء الستار.
وكان من نتائج هذا الحراك الشامل ظهور حكومات جاءت بتزكية شعبية وفقا لانتخابات اتسمت بحد معقول من النزاهة والشفافية. وكما كان متوقعا تصدرت الحركات الإسلامية المطلبية ذات الطبيعة السياسية واجهة الحراك السياسي ومنها حزب العدالة والتنمية المغربي والذي يعتبر بحق حزبا رائدا في بنائه المؤسساتي وفي تصوراته المطلبية والمتوازنة وفي حراكه الداخلي وفي تفاعله مع هموم المجتمع المغربي وتكيفه مع مستجدات واقعه.
ان الانتقال إلى تدبير الشان العام بكل مسؤولية يقتضي التعامل مع عشرات المتغيرات دفعة واحدة، واذا لم تتحدد أولويات المرحلة الملحة فلا شك سيحدث خلل في عملية تنزيل البرنامج وتفعيل العلاقة بين المجتمع والجهاز التنفيذي الذي بات قريبا أكثر من أي وقت مضى من نبض الشارع النضالي ويحسب له حسابه.
ولحد الساعة حدث انتقال سلس في معظم الدكتاتوريات التي كانت تتربع على رأس دول هشة اقتصاديا، مثل تونس ومصر والمغرب، في حين أن الدول الريعية يبدو انها ستخضع لعمليات جراحية خطيرة مثل النموذج الليبي. النموذج السوري يستبطن معادلة الدولة التي تخضع للطائفة وتحكم رقاب أغلبية لا تنتمي لتلك الطائفة وهذا سياق مختلف.
اليوم تجابه القوى السياسية الجديدة التي تتولى تدبير الشأن العام معضلات جوهرية، وعلى رأسها تفعيل دينامكية الاقتصاد ومراكمة المداخيل التي ستنعكس ايجابيا على الحراك الاجتماعي والاقتصادي وتحقيق نموذج دولة الرفاه كما يأمل فيه الجميع. وأمام الناس نموذج ماليزيا وقريبا منهم نموذج تركيا التي أصبحت تحقق نسبة نمو تفوق نسبة نمو الصين قاطرة الاقتصاد الاستهلاكي العالمي.
“واش حقرتيني”
بهذه العبارة رد عبد الإله بن كيران على احد الصحفيين عندما سأله اذا كان مستعدا لكي يصبح رئيسا للحكومة.. وهي عبارة تشيء إلى المناخ الاعلامي الذي لا يزال ينظر لهؤلاء المناضلين، الذين افنوا بياض أيامهم وسواد لياليهم في نضال مستميت من أجل قيم المجتمع وامتداده العربي الاسلامي واستقلاليته الثقافية، على انهم دراوييش الزوايا والتكايا. وأن “الزوالي” ابن الشعب القادم من أعماق المغرب لا يمكنه أن يصبح في يوم ما مسؤولا نافذا بله ان يكونا رئيسا للحكومة.
ولا يخفى ان الإعلام مسيس بدرجة مرضية، وتسييس سرعان ما يتحول إلى نوع من البداوة الاعلامية، لأنه يعتمد على اعلام الإثارة في كل جوانبها، وعلى رأسها الإثارة السياسية. فصاحب المقال الناجح هو الذي يستطيع أن يتطاول على الجميع وينتهك الحرمات والمقدسات بدعوى حرية الرأي والتعبير دون دليل مادي ولا حتى واقعة تستحق التنويه أو الإشارة. فالخبر الذي لا يثير الهلع والوساوس في الناس ليس خبرا اعلاميا في عرف الإعلام الأصفر، والأزرق.
ولذلك عندما تولى فريق عبد الإله بن كيران تدبير الشان العام، وجد هذا الإعلام فرصة للتطاول على السقف النازل، الذي يخفض أكنافه للناس ويتواضع لهم يتعرض للعفس والرفس، وسمعت بن كيران يتهم صحيفة بالكذب لأنها ادعت بان هناك وزيرا وضف ابنه بدون مسابقة ووزير آخر وضف زوجته. وهذا الأسلوب ينم على ان هناك قطاع من الإعلام يعيش على الغيبة والنميمة وأكل اموال الناس بالباطل واتهام الأعراض وزرع الفتن ويرى في ذلك جرأة وجدية يفرضها الربيع العربي وفي ذلك تغييب للنقاش الحقيقي الذي يجب أن يساهم فيه الإعلام الجاد.
زوالي رئيس الحكومة
سنجد في فرنسا اليوم الحديث عن الرئيس العادي، هولاند، لمجرد انه قرر السكن في شقته في ضاحية باريس وعدم الذهاب إلى قصر الإليزي وعدم اثقال كاهل مصاريف الرئاسة بمخصصات يرى انه يمكن الاستغناء عنها. في فرنسا يلقى هذا التصرف الإشادة والتحية والثناء، بل تتحول كلمة عادي إلى شعار للمرحلة الجديدة، وهو الأمر نفسه الذي قاله بن كيران وفعله قبل بضعة أشهر لكنه لقي الجحود من بني قومه والتسفيه والتجريح واتهم بالشعبوية وقلة الذوق وعدم احترام أصول المهنة.
فالرئيس هولاند أعلن عن ثروة متواضعة جدا، فهو “زوالي” بمقاييس أوروبا ورؤسائها بل بمقاييس رؤساء عرب وعالم ثالثيين، ولكنه عندما صرح رئيس حكومة انبثق عن ربيع عربي أصيل، ولا مزية لأحد في هذا المنصب سوى الارادة الشعبية وحكم الصندوق، عندما صرح بن كيران وقال ان صاف الراتب لا يتعدى 5000 آلاف يورو أو 50 ألف درهم مغربي اعتبر ذلك للاستهلاك والمزايدة.
“الزوالي” الذي تأتي به الديمقراطية الأوروبية زوالي يشاد به ويوضع كنموذج وتكتب المقالات الشاعرية لاحتفال به ويبارك الشعب الفرنسي لانجازه الحضاري أما الزوالي الذي تأتي به انتخابات حرة ونزيهة في فضائنا العربي والإسلامي يقابله اعلام متكلف في تصيد السقطات والهنات ويقلب القفشات والنكات إلى تصريحات يبني ويقيس عليها. حتى عندما قال بن كيران الحزب “ديالي” قال بعضهم انظروا لهذا المتسلط ألا يدل هذا على عقلية تسلطية لأنه يعتبر الحزب ملكية خاصة… الحزب “ديالي”..
قرارات رجل الدولة
ان اهتمامي بمدى قدرة الحركات الإسلامية على ادارة الشان العام جعلني اتابع باهتمام النقاش الدائر في المغرب، بلدي الثاني، بعد ضجة زيادة تسعيرة المحروقات، وكنت اتابع باهتمام ردود الفعل، لكن هالني حالة التهويل والتحريف التي تعرضت لها التصريحات والخرجات الإعلامية ومنها مداخلة رئيس الحكومة التلفزيونية.. استعمت لها مرتين وربما أكثر لعلني اجد شيئا مما يقوله الإعلام الأصفر والأزرق والبني..
وشعرت بنوع من التعاطف مع هذا الرجل، الزوالي، الذي لا يجد اعلاما يبلغ صوته، واضطر للخروج إلى العلن والنزول إلى التلفزيون حتى يشرح وبشكل مفصل ومبسط قضايا اقتصادية معقدة بينما علق الإعلام المشبوه في حكاية البنان وسعر البطاطا..
من الواضح ان هناك اعلام يلعب دور قاطع الطريق، اعلام يحرف النقاش عن جوهره إلى متاهات هامشية، اعلام بدل أن يمارس دوره لفتح نقاش جاد حول التوجهات الاقتصادية الكبرى وتبسيط المفاهيم الرئيسية حتى تصبح في متناول الرأي العام.
بن كيران هو أردوغان المغرب، لأنه لو كان في تركيا لتمناه المغاربة رئيسا عليهم، ولكن لأنه مغربي، يعرف كيف يكرر كلمة “فهمتني ولا لا” كما يقولها أي مغربي في الشرق او الغرب وفي الشمال او الجنوب فإنه يلقى الجحود والنكران بل الازدراء.. وقديما قيل القرب حرمان والبعد اشتياق، فلو كان بن كيران في تركيا أو ماليزيا أو اندونيسيا بعيدا لتمناه المغاربة ووضعوا صوره في بروفايلاتهم الفيسبوكية، ولكن لأنه مغربي ولد البلاد قريبا منهم ومن نبضهم فإن كثيرا من الاخوة في المغرب محرومين من رؤية ما يملكون بين أيديهم.. بل يناصبونه العداء المجاني لصالح لوبيات الفساد التي أنهكت الدولة ونهبت مداخيل المستضعفين.
سأقول أن اعجابنا بهذا الرجل قديم، وكل ما سمعناه عنه في مستويات مختلفة لا يتحدثون إلا عن رجل فاضل مرح دمث، ورحم الله صديقنا الباحث المصري حسام تمام الذي وصفه بشكل دقيق، في مقال مشهور، بن كيران الإدارة بدون كاريزما…
التحدي الذي واجهه أردوغان المغرب، واستعمل هذه العبارة على مضض لأن بن كيران يستحق اسمه ولا يحتاج إلى لقب مستورد فهو نموذج لوحده، هو صورة مصغرة على تحديات الربيع العربي في شقه الاقتصادي، اننا نريد دول قوية بمجتمعات تتعود على الكسل، ونريد رواتب مرتفعة باقتصاد متوقف، ونريد مكانة عالية بتعليم منته الصلاحية.. ونريد انتقال من المجتمع الحقوق والمطالب إلى مجتمع الواجبات والعمل باعلام يكرس الرداءة ويتصيد الهفوات ويحرف جوهر النقاش. وهذه الأمور لا يمكن علاجها بالرجل الواحد المعجزة قاهر الزمان، بل بتظافر الجهود والسعي المشترك لمجابهة التحديات.
قلت لبعض أصدقائي: بالله عليكم هل هناك عاقل يقبل بشيء اسمه التوظيف المباشر؟ وهل هذا موجود في فرنسا وبريطانيا وماليزيا وكوريا الجنوبية؟؟
وعندما يصارحون أنفسهم: يقولون نعم؟ وعندما تسأل لماذا لا تكون هناك مقالات في هذا الاتجاه تطرح وجهة نظر أخرى ؟ لماذا تتركون الرجل لوحده يجابه غول التطرف والتشنج والعنف المعنوي بدعوى الحقوق ولو على أساس كسر الدستور واعاقة مؤسسات الدولة وانتهاك حرمات القوانين؟؟ بالأمس القريب هالني فيديو مسيرة تضامن مع قابلة تتهمها العدالة بأنها تسببت في ولادة مواطنة في الشارع! هل هذه المسيرة تندرج في سياق الحقوق والمطالب أم في سياق البلطجة المدنية التي تتغلف بالغلاف المطلبي؟ وكيف يمكن التعامل مع هكذا مسيرة تضامنية في دولة مثل كوريا الجنوبية أو فرنسا!؟
أعود لأقول ان الربيع العربي الاقتصادي والاجتماعي لاتزال امامه استحقاقات كبيرة، وبدون ثقافة تضامنية وشراكة جماعية لخدمة البلاد والعباد، خاصة في ظل زوال عائق تكلس وتشنج الجهاز التنفيذي، يحتاج إلى وعي متقدم بالرهانات التي تواجه بلدا مثل المغرب.. الموارد محدودة والامكانات متواضعة وتحديات التنمية كبيرة جدا والمنافسة العالمية لم تترك للصغير والضعيف مجالا مالم يعتمد على ذاته ويركز على امكاناته الذاتية حتى يخرج من عنق الزجاجة. واعلام التجييش والأكاذيب وتصيد السقاطات ليس سوى خادم للوبيات الفساد التي تعيش في دواليب الدولة وتقتات من موارد الريع..
لقد استغربت كيف انحازت نخب كثيرة لخطاب التشويه والتشويش بدلا ما تعالج اخطر ما طرحه رئيس حكومة في تاريخ المغرب كله وهو يظهر في التلفزيون ويعرض تفاصيل موازنة الدولة حتى يكون المواطن المغربي على بينة من امره.. هذه الجرأة في فتح مجال الشراكة مع المجتمع تحتاج إلى ان تقابل بتجنيد لتفكير جماعي، لأن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، والعملة الصعبة لا تأتي إلا باقتصاد قادر على العطاء والاندماج في العالم المعاصر يأخذ ويعطي.. يصدر ويستورد، اما اقتصاد لا تبلغ صادراته سوى بضعة مليارات لا تكفي حتى لتغطية تكلفة استيراد الحاجيات الأساسية يجب ان يدق الناس ناقوس الخطر حتى يلتفوا حول القضايا الحقيقية ويحرروا المجتمع من القضايا المزيفة ويبعثوا به إلى دائرة العمل.
ورحم الله أردوغان المغرب الذي قال لمن يطالبه بنزع لاكريمات:”واش نقولو لهذاك اللي يعيش منها… سير كب الماء على كرشك؟!”..
فعلا لا أردوغان في قومه كما قيل لا نبي في قومه