فكر اسلامي

الرق والحدود : هل هي أحكام مؤبدة؟

تعقيبا على مقالة لنصر الدين عزوني

كتب: رياض حاوي

لقد اعجبت بهذه المقاربة النيرة التي تتعاطى مع اشكالية كانت ولا تزال تعتمل في عقولنا حين قراءة نصوص الوحي .. رغم احساسي من نبرة الكتابة أن القلم الكاتب مكبوح لدواعي التدرج في الاقناع والتيسير لفهم القضايا، وربما في جعبته قضايا أكثر تعقيدا وأكثر اثارة وجلبا للمشاغبين.. وبما أن قلمي بعيد عن دواعي الكبح فإنني اغتنم الفرصة كي أتناول قضية طالما أثارتني وهي التي تتعلق بما يسمى بالحدود…

وأشير هنا بسرعة إلى أهمية التقسيم المنهجي بين النصوص الشرعية ذات الطبيعية القضائية والنصوص الشرعية التي تتعاطى مع شؤون العبادة أو الاعتقاد. وهو ما أشار له الامام الشاطبي فيلسوف الشريعة عندما قال الأصل في العبادات الوقف والتحريم ، والأصل في العادات والمعاملات الحِل والإباحة .. هذه القاعدة تطبق بحسب التقاليد الأصولية والاجتهادية والفقهية التراثية تلقائيا في حالة انعدام النص.. ولا تطبق لفهم النص، نص الوحي، كتابا، ونص التطبيق النبوي سنة، فعلا أو قولا او اقرارا.

لقد أشرتم في هذه المقاربة إلى خطورة فكرة تأبيد الأحكام المتعلقة بالرق والايماء، وهذه الفكرة اذا قيمناها بحسب التقاليد الفقهية والأصولية، هي فكرة ناكرة لالزامية النص وتأبيده، اذ لا أثر في كتاب الله لدعوى انهاء هذا التأبيد أو وقف الزامتيه، تأبيد حكم الرق والتسري بالأسيرات في الحروب وفقه الجواري وما إلى ذلك، وهذا دائما بحسب التقاليد الأصولية والفقهية كما هو شأن الخمر مثلا.. الذي ورد فيه التحريم الصريح..

ولذلك وبحسب هذه التقاليد الفقهية التراثية ، حجتك داحظة، ومنطقك مستلب لخارجها بل نقيضها..

وهنا أرى بأن هذه القراءة بهذه الأدوات ستبقى وستظل عاجزة.. ويسهل نقضها، لأن الكاتب سيتهم دائما بانه يحكم الهوى في النص.. ويعتدي على ارادة الله العالم بشؤون الانسان وهو الذي نزل نصه الخاتم باحكامه النهائية التي لا مجال فيها للتغيير..

والأستاذ عبد الرحمن في مداخلته كما غيره ممن تعاطو مع هذه الاشكالات يضعنا أمام المأزق القائم بين التجربة الانسانية والتطورات الحاصلة في الاجتماع البشري وبين النصوص القضائية والتنظيمية التي تبدو تأبيدية، وأشدد هنا على اهمية التقسيم النصوص القضائية والتنظيمية..

لنعود لنص المقاربة فهو يعبر أحسن تعبير عن هذا المأزق

ما تعلق بأحكام الرق : وهي قضية غاية في الحساسية (لاحظ غاية في الحساسية) خاصة في بعض البيئات العربية المتخلفة، والحاصل أننا أمام مفترق طرق (لاحظ أننا أمام مفترق طرق) بخصوص هذه المسألة، فإما أن نتعامل مع ورد فيها من أحكام بمنطق الظرفية، بحيث يكون الإسلام قد أعد خطة محكمة من خلال مجموعة الوسائل؛ (كتحرير الرقبة) للتخلص من نظام خطير كان متأصلا ومتجذرا ليس فقط في البيئة العربية فحسب، ولكن في غيرها من البيئات أيضا، وإما أن نتعامل معها بمنطق التأبيد، وبهذا نكون قد فتحنا بابا من الشر يصعب غلقه (لاحظ فتحنا بابا من الشر)، وهو الحاصل (مع الأسف الشديد) في بعض المجتمعات العربية.

اذن التجربة الانسانية وتطورات الاجتماع البشري تجعلنا نعيد القراءة في الاحكام الشرعية بل النصوص في حد ذاتها والكاتب هنا لا يملك فكرة كيف نتخلص من هذا المأزق.. أو ربما هو متحفظ.. ما يملكه هو الحرج او الاعتراف بوجود المأزق!!

التجربة الانسانية تجعل من الصعب علينا أن نتصور أسيرة كانت في جيش مع زوجها وأبيها للدفاع عن قضية عادلة او ظالمة، تتحول إلى جارية سرير.. يملكها المحارب المنتصر!! ويمارس عليها قمة الشهوة الانسانية والعلاقة الحميمية بارادة واحدة هي ارادة المنتصر؟ حيث لا يزال في قلب الأسيرة جراح الهزيمة وممكن موت القريب او الابن او الزوج الحبيب؟

هل ذلك ممكن انسانيا اليوم؟.. وهل ذلك ممكن بحسب كليات الشريعة؟

أسارع لأقول بأن ذلك كان متعاملا به في كل الثقافات، هكذا كانت البشرية…

ولكنه اليوم هو محل ادانة .. وفعل لا انساني..

وهذا هو المأزق الذي أشار له صاحب المقاربة: مأزق النص المؤبد بحسب التقاليد الفقهية والأصولية.. وتناقضه مع الاجتماع البشري والتطور الانساني..

وهنا أشير إلى أن هناك مدخلا آخر طالما كان يثيرني وطالما كنت قلقا بسببه ولكن أجد فيه نوعا من الانتصار المنهجي في المعركة التي يفرضها علينا هذا المأزق في مثل هذه القضايا …

ان اعمال القاعدة التي صاغها الامام الشاطبي صياغة جميلة على النص وليس في حالة فقدان النص، هذا الاعمال يحل في نظري االمأزق المشار اليه أعلاه.. وهو مازق مدوي.. ويحل –في تقديري-اشكالات أخرى سأطرحها بعجالة

وهنا يفيدنا التقسيم أعلاه في أن النصوص بعضها ذات الطبيعة التنظيمية والقضائية تدهل في دائرة المعاملات تحكمها قاعدة الحل والاباحة، وما جاء فيها للتوجيه والتنظيم المؤقت وليس للتأبيد وحكم مسار الانسان…

فالنصوص المتعلقة باعداد القوة من رباط الخيل، هي نصوص توجيه وتأسيس وليست نصوص مؤبدة وذلك واضح من خلال الاجتماع البشري وتطور الحياة فلا أحد يستطيع اليوم ان يجادل بأن الأمر للوجوب في آية رباط الخيل، فالأمر منصرف على امتلاك مظاهر القوة وليس تربية الخيول للجيوش..

وهكذا النصوص التي تشير لقواعد تنظيم الرق والتسري وحماية حقوق الأسيرات والتخلص من أثار الحرب التي من افرازاتها المباشرة النساء الباقيات بعد هزيمة الجيوش حتى لا يتحولن إلى الدعارة المفتوحة (لا تكرهو).. هذه نصوص تنظيمية وقضائية للتوجيه وليست نصوص مؤبدة تحكم الاجتماع البشري في كل مراحله .. فهي نصوص تحكم دائرة الأصل فيها الاباحة والحل، وما يقصده الأصوليون بهذا هو دائرة التي يتحرك فيها العقل البشري لتظيم شؤونه وفقا للاجتماع البشري وبجسب القواعد العامة والكليات الشرعية…

والتجربة التاريخية تؤكد هذا..

فأحكام الجواري والايماء والتسري اذا قيمنها بروح ذلك الزمن هي أحكام تقييد وكبح ووضع مسودة حقوق لهؤلاء الأسيرات في مقابل التطبيقات المفتوحة على فضاء الدعارة والاعتداء على الكرامة الانسانية للأسيرة كما كانت شائعة في كل الثقافات والحضارات.. 

وبفضل بيان الحقوق هذا امكن لنا في تاريخنا الاسلامي أن يكون ابن الأمة في مقام المامون، الحاكم الفيلسوف.. أو الفقيه المشهور امام الحرمين وغيرهم كثير..

فالنصوص الشرعية ذات الطبيعة القضائية او التنظيمية تحكمها هذه اللازمة.. انها نصوص تتحرك في دائرة الاباحة والحل، القصد منها التوجيه والتنظيم وهي ليست نهائية..

وهذه المقاربة لا تتوقف هنا.. لديها لوازم مباشرة..

وهكذا نصوص الوحي القضائية التنظيمية التي تتعلق بما يسميه الفقهاء الحدود، هي ذاتها تمدنا بدليل آخر..

جزء من الحدود غير متفق عليه، أي انه عمليا في دائرة الحل والاباحة، والجزء المتفق عليه، نص جلد الزاني، وقطع يد السارق، الذي يحميه الفقهاء بكونه نصا قرآنيا صريحا … لكنه في هذه المقاربة يلحق بكونه نص قرآني قضائي تنظيمي للتوجيه وليس نصا مؤبدا.. قياسا على ما تقدم.. نص يخضع للاجتماع البشري وتقدير السلطة القضائية وتطور المنظومة القانونية.. وليس نص مؤبد .. مثله مثل رباط الخيل .. أو اشكال الرق والايماء

هذه المقاربة تتأسس أيضا على ان العقل الفقهي التراثي تنبه مبكرا للتعارض بين النصوص وقدم مقاربته التي تتأسس على فكرة النص المتقدم والمتأخر أو فكرة النسخ، فالعقل الفقهي التراثي أدرك مبكرا أن الوحي نظم وتدرج وارتقى بالاجتماع البشري عبر تغيير الأحكام القضائية بحسب تغير الحالة الاجتماعية والثقافية.. أي انه عمليا لا يتناقض مع ما نطرحه أعلاه غير أنه يستثقل أو يهاب أن يقترب من هذه الدائرة بالصورة التي عرضناها..

فالنسخ –ان صح هذا الاصطلاح هنا- في مقاربتنا هو بحكمنا على النص بأنه قضائي تنظيمي غير مؤبد، وهذا من جوهر تنظيم الاجتماع البشري، وليس نسخا بنص شرعي متأخر عليه.

فنشترك مع الطرح التراثي في جوهر فكرة النسخ ونختلف في أدوات النسخ ..

هذه مداخلة سريعة تعقيبا على مقالة أخي عبد الرحمن، الذي له فضل الاثارة وسبق الطرح.. واعتذر عن أي خلل في الطرح فأنا أكتب تداعيات هي اقرب للانطباعات منها للتحليل العلمي ..

رياض حاوي

أديس أبابا 12 يونيو 2011