مراجعة كتاب

انتقام الله قراءة في التحيز

بقلم: رياض حاوي

يخطئ كثيرا هؤلاء الذين يتصورون أن انتشار الأفكار السياسية التي تستند إلى المرجعية الدينية أمر يتميز به العالم الإسلامي دون غيره، ذلك أن هذا النوع من الأفكار قد عزز حضوره حتى في المجال الغربي أو بتعبير مالك بن نبي في محور موسكو واشنطن. فالخطاب الديني الذي يتجه إلى الحقل السياسي والإجتماعي ويتعاطى ما ظواهر صناعة القرار الداخلي والخارجي بتأثير على الحقل السياسي والساعي إلى إعادة هيكلته بما يتوافق مع المرجعية الدينية بات أمرا حاضرا بقوة ليس فقط في العالم الثالث عموما والإسلامي خصوصا ولكن أيضا في العالم الغربي.

ولذلك كان المحافظون الجدد في الإدارة الأمريكية يفتخرون بالرئيس جورج وولكر بوش لأنه قبل أن ينام يقرأ صفحات من الكتاب المقدس ليستلهم الإرشادات الربانية في القرارات المصيرية. ولا أحد منا لا يعرف رجل الدين الصيني “دالي لاما” المقارع لآخر معاقل الشيوعية والحاصل على جائزة نوبل للسلام، والذي جهد في تطوير أشكالا من الممارسة الدينية البوذية كي تستوعب تغيرات المدنية الحديثة، داعيا إلى إيجاد البوذي المعاصر، الذي يجمع بين العقيدة والتحديث المدني.

كتاب جيل كيبل

الديانات الثلاث والعمل السياسي

قد يبدو الباحث الفرنسي جيل كيبل واحد من أهم الدارسين للظاهرة الدينية الملتبسة بالفعل السياسي. وفي كتابه المشهور :”انتقام الله”(1) والذي تضمن عنوانا فرعيا، وهو المسيحيون واليهود والمسلمون وإعادة فتح العالم، حاول كيبل أن يرسم لوحة للعالم تبرز دور الدين في السياسة وذلك بقياسها في نماذج معاصرة مأخوذة من حقول هذه الأديان، والتي يجمع بينها اعتبار الشريعة تزاوج بين الزمني والروحي، ومن ثم تشريع الانخراط في معترك السياسة بأشكالها المعاصرة بناء على مقولات دينية بهدف حيازة السلطة وإضفاء الطابع الديني عليها بفرض الشريعة الإلاهية تحقيقا لمقولات الدين نفسه في هيمنته على الإنسان.

ومن مفارقات الحداثة الغربية أنها بدأت مسارها بنقد الدين ومهاجمته وكان الانتقاص من الكاثولكية في أواسط القرن العشرين موضة يلتف حولها الشباب، وظهرت سلسلة وثائق ضد الدين(2) أو المكتبة ضد رجال الكنيسة(3) ومن أشهر كتبها “مطاردة الغربان”(4) والتي كانت تؤسس للحداثة دون الدين في محاولة لاستلهام وإعادة قراءة تراث عصر الأنوار وإبراز العقلانية (Rationalite) على أنها المكافئ التاريخي للديني والعقدي، لأن العقلانية الحداثية تطرح مشروعا للإنسان انطلاق من الإنسان وليس انطلاقا من الغيب، بخلاف الطرح الكنسي الذي يجعل من الغيب مصدرا لتنظيم علاقات البشر.

سيشس

لكن الحداثة المتطرفة التي أقصت الدين تراجعت في المجال التداولي الغربي، وفسحت المجال لظهور الدين كعامل تغيير وحامل لمشروعات سياسية تستلهم مرجعيتها من النص المقدس، سواء كان من العهد القديم أو العهد الجديد أو القرآن. ذلك هو الناظم المؤسس لأطروحة جيل كيبل في كتابه انتقام الله والتي حاول أن يدلل عليها من خلال استعراض نماذج تطبيقية تمثل الأديان الثلاثة، بداية من انتصار الفعل الديني المسيس أو الفعل السياسي المتدين في انتخابات البيت الأبيض في 1976 بفوز القس جيمي كارتر، وفي السنة التي تليها نجاح مناحيم بيغن في في الانتخابات العامة الاسرائلية وفي 1978 تعين كارول واجتيلا بابا الكنيسة الكاثولكية في الفاتيكان وفي السنة التي تليها عودة الخميني إلى طهران وسقوط نظام الشاه.

هذا الهجوم الديني من فوق، او التغيير من خلال السيطرة على الدولة يتزامن مع فعل ديني مسيس آخر يعتمد الاستراتيجية العكسية من خلال التغيير من تحت، أو التغيير من خلال إحداث التراكم النوعي في الأفراد المدمجين في الجماعة الدينية ذات المنزع السياسي، وذلك بالهيمنة على المجال الاجتماعي والثقافي واختراق بنية المجتمع وتحويل ولائه من الزمني إلى الديني.

وهنا أيضا يتحفنا كيبل بنماذج متعددة تمثل الأديان الثلاثة بداية بتفكيك الخطاب الديني لجماعة التبليغ الهندية الباكستانية ذات الحضور البارز في أوساط الجالية الإسلامية في الغرب، بسبب منزعها الطهوري، القائم على تنقية القلب والتي تؤدي تلقائيا حسب الخطاب التبليغي إلى تغيير التاريخ، مرورا بنماذج الأصوليين أو الأنجيليين في الولايات المتحدة الامريكية، وخصوصا ظهور القنوات الدينية التبشيرية التي صنعت وجوها جديدة تستقطب المواطن البسيط بعد أن كانت تستقطبه وجوه لاعبي الرياضة أو ممثلي التلفزيون والسينما، كما تعرض لتجربة الجماعات الدينية اليهودية الوطنية أو الأرثوذكسية (جماعة loubavitch) في الأراضي المحتلة وجماعات المسيحية الكاثولكية في روما، التي تطورت كرد فعل عملي على امتداد الإلحاد والأفكار الشيوعية في ايطاليا.

الخمينية: أكثر التمثلات السياسية تخلفا

نموذج الخميني في ما سماه جيل كيبل بالتغيير الثوري يستجيب لشروط الفرضية التي وضعها منذ البداية وهي التباس الديني بالسياسي، ذلك ان الميثولوجيا الشيعية التي تمزج بين شخصية الإمام التاريخي (الخميني) بالإمام غير التاريخي (المعصوم الغائب) وتجعل من الأول نائبا عن الثاني في تصريف شؤون الخلق من خلال مقولة “ولاية الفقيه” أكثر تماثلا مع النماذج الدينية التي اقترحها علينا من الأديان الأخرى، وهذا ما يفسر اغفاله عن عمد تجارب الحقل الإسلامي السني التي كانت حاضرة بقوة في الإعلام الغربي والفرنسي تحديدا لانها لا تتوافق مع أصل فرضية كيبل أي أنها تكسر فرضية انتقام اللهكيبل التي يؤسس عليها أطروحته. فتجربة الجبهة الإسلامية للانقاذ وحركة حمس والإصلاح في الجزائر وتجربة حركة النهضة في تونس وحركة الإخوان في مصر والأردن وحركة الرفاه في تركيا وحركة الجبهة القومية الإسلامية في السودان وتجربة الحزب الإسلامي الماليزي الذي له من العمر أزيد من نصف قرن من الحضور الدائم والمشاركة الفعالة في إثراء الفضاء السياسي هذه النماذج تخل بشكل حاد بفرضية جيل كيبل ومن ثم ينكشف تحيزه غير الموضوعي من خلال رغبته في تعميم استنتاجاته على الظاهرة الدينية برمتها من خلال إسقاط وإهمال النماذج الأخرى والتركيز على أكثر التمثلات السياسية تخلفا في الحقل الإسلامي المعاصر أقصد تمثل “ولاية الفقيه”، والذي هو كما نعلم انفلات ايديولوجي من طوق نظرية الامامة الشيعية بكل منازعها الكهنوتية، وطوق الغيبة الكبرى بكل ارتداداتها بإيقاف التاريخ عن الحركة إلى غاية عودة الإمام الغائب.

فالخمينية في الخطاب الغربي تستجيب لمفهوم التأثير السلبي للدين على حياة الإنسان المعاصر ولذلك يتم التركيز عليها كبديل عن الخطاب الديني الذي تقدمه النماذج الأخرى، التي تتأسس في الخطاب السني الإسلامي على تطوير نظرية المقاصد والمصالح المرسلة وتحديد مجال الثابت والمتغير في خطاب الشريعة، وتكيف العمل السياسي كجزء من مصالح الإنسان المعتبرة التي تقع في مجال الفعل الإنساني تقديرا وممارسة وتأطيرا في نطاق ضوابط الشريعة وحدودها، وهذا ما لا يفهمه جيل كيبل، ومن ثم يتجه إلى إلغاء هذه النماذج الثرية وبعضها مارس السلطة كليا أو جزئيا(5) خوفا من التوصل إلى استنتاجات تعاكس أساسا الفرضية فيفضل تغييبها مطلقا.

ولعل مشكلة الكتابات الغربية هي الانتقائية غير العلمية وخضوعها المركزي لمقولات غامضة تشكل البديهيات التحليلية التي يقف عندها كل الكتاب وتحكم مساراتهم التحليلية. وقد يفيدنا هنا أن نشير إلى الفرضية الرينانية، التي تحولت إلى بديهية عندما قال في محاضرة في 29 مارس 1889 :”الإسلام هو الاتحاد الغامض للروحي والزماني، إنه يمثل سيادة العقيدة” بينما فرضية الحداثة الغربية منذ عصر الأنوار أن الزمني والروحي لا يتحدان ولا يشتبكان. فإذا حدث هذا الاشتباك في نماذج واقعية في تركيا مع أربكان منذ أواسط السبعينات، وفي السودان مع الترابي، وفي ماليزيا مع فاضل نور وعبد الهادي أوانغ وانور إبراهيم فكل هذا يتم إسقاطه خدمة لأغراض التحيز المعرفي ويتم استبدال كل هذا بالنماذج المشوهة خدمة لمسبقات الدراسة وفرضياتها حتى ولو كانت غير قادرة على استيعاب النماذج التاريخية الواقعية التي تمثل الأغلبية.

وهذا النوع من التفكير الغربي يعجز عن فهم خصوصيات الآخر وتميزاته، عندما ينزع دائما إلى قياسه على ذاته هو ومن خلال المحددات المعرفية لمقولاته، مع العجز في الانتقال إلى المجال المعرفي للآخر لفهم المقولات في فضائه الثقافي والاجتماعي والتاريخي.