مراجعة كتاب

كتاب العفن لمالك بن نبي

رياض حاوي

منذ مطلع التسعينات سمعت بكتاب العفن لمالك بن نبي، بلغني بذلك الأستاذ يزيد ر، من قسنطينة، وأظفى على الكتاب هالة كبيرة وقال فيه اسرار.. كان يملك نسخة او بعض منها بعد اكثر من عشرين سنة تسنى لي قراءة الكتاب وربما هذا لطف من الله.. فربما شاب في بداية العشريات لو قرات الكتاب لتشكل التاريخ في ذهني بشكل مختلف في ذلك الوقت..

ولكن وانا اقرأه بعد ان تجاوزت الاربعين ربما اصبحت قادرا على النظر بشكل مختلف ..

نعم انتهيت من قحصيبسراءة العفن لمالك بن نبي رحمه وهو صرخة مدوية في وجه الجميع…

لكن سرح بي الذهن لمقولة قديمة علمنيها أستاذي لخضر لعبيدي حفظه الله وهو بالمناسة تبسي من نفس المكان مسقط رأس مالك بن نبي.. “القرب حرمان والبعد اشتياق”..

عندما تكون قريبا من الأحداث والشخصيات وتعرف بعض خصائصها النفسية والبشرية تكون حاجبا يحرمك من مزاياها الكثيرة.. اما البعيد، البعيد جغرافيا أو زمنيا، يكون مشتاقا لالتقاء بهذه الشخصيات والاقتراب منها والتعرف عليها والاستفادة من قدراتها ومواهبها… الذي لا يعاصر هذه التفاصيل اليومية يكون مشتاقا .. فالقرب حرمان…

كان ذلك الانطباع الذي خرجت به وانا انهي النصف الأول من الكتاب..

اما النصف الثاني.. فقد اكد لي شخصية مالك بن نبي العنيدة والتي تجابه الصعاب باصرار عجيب وتراوغ التاريخ وتواجه التحديات…

كل ذلك وانا اتذكر صورة صديقه حمودة بن الساعي الذي كتب لي ان التقيت به وجالسته واقتربت منه.. وهو جثة تاريخية او قل معرفية وفكرية هامدة، قد طحنتها الأحداث… وصفها مالك بن نبي وصفا دقيقا في كتابه لا مزيد عليه..

لكنني تبينت في مجريات تلك الشهادة المرة التي يقدمها مالك بن نبي دون نقد ذاتي، جوانب أساسية تبين وجه الضعف في مسلك بن نبي الحياتي، جوانب تتكرر في معظم ما يسمى “المثقفين”، وهي آفة الفردية،

مالك بن نبي في تلك الشهادة المميزة يكاد يكون من النواة الأولى لنجم شمال افريقيا وحزب الشعب فيما بعد، فقد وصف بدقة اللقاء الأول التاسيسي لمصالي لحزبه، وكان قريبا جدا من جمعية العلماء.. وتحدث عن عدة مؤسسات صغيرة نشات في تلك الفترة وكان في نواتها الأولى..

لكنه يبتعد بسرعة.. مرة بسبب يد الاستعمار.. ومرات كثيرة بسبب المثقف في حد ذاته وعدم قدرته على التكيف مع العمل الجماعي..

سيبسيبسبل ان النواة الصغيرة حمودة وصالح بن الساعي واحمد بن علي ومالك قد لا تتوافق ولا تنسجم في احيان كثيرة..

تطور مصالي وتطور حزب الشعب وتطورت الحركة الوطنية… وسنوات بعد ذلك.. وفي الوقت الذي ينجز فيه مالك بن نبي هذه الشهادة المرة.. سنة 1951.. تنجز الحركة الوطنية عملية وهران.. وهذه لم تات من فراغ بل هي ذروة لسنوات من العمل الدؤوب والصبور الذي بناه رواد الوطنية الجزائرية الذين يصفهم مالك بن نبي وصفا أقرب الى الشتم والتحقير..

انها أكيد آفة الأقران أضيفها لما سبق…

المثقف الذي يعجز عن الانتظام والتهيكل والانخراط في العمل الجماعي.. بكل ما يعنيه من ادارة الطاقات البشرية، وتحديد الأهداف والسهر على انجاح برنامج العمل، وتحمل صعوبات الأمزجة والأفكار المتعددة والكفاءات المختلفة والتقديرات للامور التي لا تتعدد… قد لا يحق له أن يقرا التاريخ قراءة تحصره في رقص مصالي مع غانية أو ان الوطنية جلبت منافعها ففتح مصالي مقهى يعتاش منه.. أو حظور ابن باديس الى باريس واقامته في فندق يعج ببائعات الهوى…

ساقول ان هذا النوع من المذكرات اذا لم يقرأ قراءة دقيقة.. قد ينجز اهم شيء نبه له مالك بن نبي وهو تسليط الضوء على جزء من المشهد يغطي على الصورة الكاملة، وربما يسيء لمسار التاريخ… كتب مالك بن نبي ما كتب.. وياليت الناشرين لم ينشروا